العيب في الراعي أم في الغنم؟

الشروق- 16/06/205

عابد شارف

 

قال عبدالعزيز بوتفليقة منذ زمن طويل أن الدستور الجزائري لا يصلح، وأنه ينوي تغييره لما تسمح له الظروف. وثنا عليه عبدالعزيز بلخادم هذا الأسبوع حيث وقال أن الدستور الجزائري لا يصلح، ويجب تغييره من أجل تحديد صلاحيات كل هيئة بصفة أدق. وبين تصريحهما، تكلم الكثير من المحترفين الذين اكتشفوا أنهم  فقهاء في علم الدساتير، وانتقدوا نقاط الضعف التي يحملها القانون الأساسي للبلاد وأسهبوا في الموضوع.

لكن بين هذا وذاك، يبقى فرق أساسي. فالبعض يتكلم ويعرف ما يقول، والبعض الآخر يتكلم لأنه سمع المقربين من الرئيس يتكلمون فاعتبر أنه من الضروري أن يتكلم هو الآخر ويعلن عن تأييده للرئيس وفكره ومشاريعه حتى يضمن لنفسه أن يبقى في قائمة فائري المرحلة السياسية القادمة.

فالأمين العام لجبهة التحرير الوطني تكلم هذه المرة من منصب وزير دولة، بل تجاوز المنصب ليفتح الباب أمام مراجعة الدستور. وحدد موعد العملية قائلا أنها ستتم في بداية السنة المقبلة. وراح عبدالعزيز بلخادم يحلل الدستور الحالي ويشرح عجز السلطة والحكومة وأحزاب الأغلبية بعيوب الدستور. فلما سئل عن عدم تعيين رئيس الحكومة من صفوف جبهة التحرير رغم أن حزبه فاز بالأغلبية في البرلمان، قال أن ذلك يعود إلى الدستور. وأضاف أن منصب رئيس الحكومة يتميز بغموض في الصلاحيات التي يمارس ولا بد من توضيحها.

وما قاله عبدالعزيز بلخادم يثير الانتباه في ثلاث نقاط أساسية. أولها أنه عضو منذ مدة طويلة في حكومة تسير شؤون البلاد انطلاقا من الدستور الذي لا يعجبه. إضافة إلى ذلك فإنه مارس مهام رئيس المجلس الشعبي الوطني في إطار دستور 1989 الذي لا يختلف عن الدستور الحالي فيما يخص منصب رئيس الحكومة. وطيلة هذه المدة لم يشكو بلخادم من ضعف الدستور أو اختلال التوازن بين مؤسساته.

أما النقطة الثانية والتي لم يتكلم عنها أحد، ومن المحتمل ألا تأخذ قسطا كبيرا في النقاش و"الهدرة" التي ستثيرها مراجعة الدستور، فهي تتعلق بالهدف الأساسي والرئيسي من مراجعة الدستور، وهو فتح المجال للرئيس عبدالعزيز أمام عهدة ثالثة. فالدستور الذي جاء به اليمين زروال يحدد ممارسة الرئاسة بعهدتين فقط، وهي نقطة يجب الفصل فيها بسرعة حتى يتمكن عبدالعزيز بوتفليقة من البقاء في الحكم بعد سنة 2009 ويتحول يتحول بقاؤه في الرئاسة إلى مطلب شعبي تنادي به الجماهير، خاصة إذا كان رئيس الجمهورية قد حقق المصالحة الوطنية والعفو الشامل قبل ذلك.

وقبل بوتفليقة، توصل عدد من الرؤساء العرب إلى نفس النتيجة، منهم زين العابدين بن علي وإلياس هراوي. ولا يوجد في الجزائر مانع عن ذلك خاصة إن تمكن الرئيس أن يواصل المشوار ينفس تصرف الماضي، فهو يضمن المناعة للكثير من أهل السلطة ويسمح لكل ذي حق أن يأخذ حقه من الغنيمة ويمكن أن يقنع كل الأوساط الفاعلة أن أسعار البترول سترتفع أكثر فأكثر وأن حجم الغنيمة ستضاعف ولا حاجة للفتنة بين من وضعوا أنفسهم في مواقع القرار التي تسمح لهم بالمشاركة في اقتسام الغنيمة.

وبقاء بوتفليقة في السلطة يعيد قضية أخرى، وهي النقطة الثالثة التي تثير الاهتمام في مراجعة الدستور: متى احترمت الجزائر دستورها وقوانينها حتى يقول أحدهم، أيا كان، أن الدستور أصبح يشكل عائقا لتسيير البلاد؟ ويكفي أن نذكر بعدد من المحطات لندرك ما قيمة الدستور والقوانين في البلاد. فاختيار بوتفليقة سنة 1999 تم خارج الدستور، ولم تكن العملية الانتخابية إلا ديكورا لتجميل العروس.

ولما استولى علي بن فليس على جبهة التحرير، قيل أنه احترم القانون الأساسي للحزب ونظم المؤتمرات بصفة شرعية، خاصة أنه كان رئيسا للحكومة. ولما تقرر في مكان ما أنه يجب طرد علي بن فليس من السلطة، اكتشف نفس علماء القانون أن مؤتمرات بن فليس كانت غير قانونية وأن الرجل لا يصلح لا لرئاسة الحكومة ولا لرئاسة الجمهورية. ولما قررت السلطة أن تمنع أحزابا من الوجود، فإنها لم تبالي بالحق الدستوري في الممارسة السياسية ووضعت قانون الأحزاب جانبا وتعاملت مع الساسة بمنطق ميزان القوى. ولم يأت القانون إلا كغطاء نهائي لقرار سياسي وجد من يعطيه الشرعية.

وبنفس المنطق، لما قررت السلطة منع أحمد طالب الإبراهيمي ومحفوظ نحناح من الترشح للرئاسيات، استعملن طرقا لا علاقة لها بالقانون، وإلا كيف يترشح نحناح مرة سنة 1995 ثم يسحب منه هذا الحق خلال الاقتراع الذي يليه. وقد ظهر في القاموس السياسي الجزائري مصطلح جديد للكلام عن الانتخابات، حيث أصبحت الصحافة تتكلم عن "الاستحقاقات" بدل الانتخابات. ولعل هذا المصطلح ينطبق أكثر على الواقع الجزائري لأن الجزائريون لا "يستحقون" كلهم أن يرشحوا، مع الإشارة أن كلمة "يستحق" تأخذ هنا معناها باللغة العامية، أي أنهم "ما يستهلوش" أن يترشحوا أو يفوزوا بالانتخابات.

وفي هذه المحطة، لا يمكن أن نتجاهل الواقع الجزائري الذي يتميز أساسا بغياب قواعد لتسيير البلاد. ولما نتكلم عن القواعد، فإن الدستور لا يشكل إلا جانبا منها. فالقواعد تشمل الدستور والقانون كما تشمل ما هو أهم من ذلك: احترام هذه القواعد. مما يدفع إلى التذكيلا بهذه الملاحظة التي صدرت عن مسئول سابق، حيث أجاب عن سؤال حول تغيير الدستور: احترموا الدستور الحالي وطبقوه بعيوبه، وعندها سنرى هل أن العيب فيكم أم في الدستور، ونتأكد هل أن العيب في الراعي أم في الغنم. ونضيف إلى هذه الملاحظة: هل العيب في الدستور أم في أناس سافروا في أقطار العالم وحاولوا أن ينقلوا كل شيء من هذه البلدان باستثناء القيم والقواعد التي سمحت للبلدان القوية والغنية أن تصبح غنية وقوية؟

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s