حرارة الصيف وحرارة الوطنية

 عاد الاستقلال، وغابت الحرية… احتفلت البلاد بذكرى الاستقلال، لكنها لا نبالي بالحريات الفردية والجماعية…

 عابد شارف

أهي نتيجة لحرارة الصيف؟ أم هل أنها حمى وطنية أصابت البلاد مع اقتراب بعض المواعيد التي تحمل رموزا كبيرة؟ لا نملك الجواب لحد الساعة. لكن من الواضح أنه مع ارتفاع درجة الحرارة، ارتفعت لهجة الخطاب الرسمي وغير الرسمي تجاه فرنسا ليبلغ ذروته مع الاحتفال بعيد الاستقلال. فبعد سلسلة من التصريحات التي كان يراد منها أن تعطي درسا في التاريخ لفرنسا، جاء دور الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي وعد المستعمر السابق أنه سيشربه "المرار" قبل أن يتكلم ممثل المجاهدين ليعطي وعدا أنه مستعد لمواجهة جديدة. وسألنا عددا من الأطباء ليفسروا لنا سبب هذه الحمى الوطنية التي أصابت الأوساط الرسمية، فلم حجة مقنعة. وقال أعضاء من جبهة التحرير الوطني أن هذه التصريحات جاءت بعد قانون 23 فيفري الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي لتمجيد الاستعمار. وإذا كان هذا القانون فعلا غير لائق من الناحية الأخلاقية، وإذا وافقنا الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هذه المرة للقول أن الاستعمار يشكل بالنسبة للجزائري جريمة في حق الإنسانية، فإن المصادقة على القانون الفرنسي تمت قبل أربعة أشهر، بينما لم تظهر الحمى إلا في الشهر الماضي… ويمكن كذلك أن نذكر أن نفس الأحزاب والشخصيات التي شنت حرب الحمى وطنية هذه السنة هي نفسها التي جاءت بالرئيس الفرنسي جاك شيراك ونظمت له لقاء شعبيا مع الشباب الجزائري مثلما قيل وقتها، وهي نفسها التي كانت تحضر لميدان لمعاهدة صداقة مع فرنسا، وهي المعاهدة التي كان من المفروض أن يتم الاتفاق عليها قبل نهاية السنة. ومن المفروض أن نعرف لماذا وقع هذا التغيير. هل أخطأت الجزائر في تقديرها لتغيير الذهنيات في فرنسا قبل أن تكتشف اليوم أن فرنسا مازالت البلد المستعمر؟ أم أن فرنسا أخطأت لما أعربت عن نيتها في إمضاء هذه الاتفاقية وعادت اليوم لتعتبر أن الجزائر لم ترق بعد إلى رتبة الدول التي يمكن التحالف معها؟ والحقيقة… الحقيقة أن كل هذه المواضيع سهلة المنال، ومن السهل الكلام عنها والجدال حولها في المقاهي والمكاتب وفي الصالونات. وهي مواضيع تشبه "الكاوكاو" لأنها خفيفة وممتعة، لكنها تسقط الشهية لما يتعلق الأمر بالمرور إلى الأكل الحقيقي أو إلا المواضيع السياسية الأساسية. وبالفعل فإن قضية العلاقات مع فرنسا منعت الجزائريين أن يتساءلوا في هذا الموعد العظيم عما فعلوا باستقلالهم، وما تحقق من أحلامهم، وماذا سيترك أولائك الذين حققوا الاستقلال للأجيال القادمة. فالاستقلال جاء بأغلى ثمن ممكن، حيث كلف البلاد حوالي عشرة بالمائة من سكانها. ولما خرجت الجزائر من الحرب، ارتكبت أول خطأ حيث اعتبرت أن الاستقلال هدف بحد ذاته، وأن التاريخ انتهى بعودة البلاد إلى الحرية. واتضح فيما بعد أن المجهود الحقيقي كان من المفروض أن يبدأ بعد الاستقلال لأن الأمور أصبحت أكثر تعقيدا. فكام من السهل مثلا الخيار بين الحرية والاستعمار أثناء حرب التحرير، كلن الخيار بين الأنظم السياسية بعد الاستقلال كان أصعب بكثير. وذكر عبدالحميد مهري أن الاستقلال يزيد وينقص، أي أن حرية المناورة بالنسبة للمجتمع الجزائري تكبر وتضعف حسب الظروف، وأن البلاد إما أن تزيد قدرتها على التأثير على محيطها، إما أن تتأثر هي بالمحيط إذا كانت ضعيفة. ولعل أكبر عامل للقوة بالنسبة للبلاد هو توازنها وانسجامها. وقال أحد السياسيين منذ سنوات أن تحرير البلاد من المحتلين دون تحرير العباد وتمكينهم من ممارسة حقوقهم وحرياتهم ومواطنتهم يؤدي حتما إلى الاعتقاد أن الاستقلال ليس كاملا. وفعلا ما معنى الاستقلال إذا كانت فئة كاملة من المواطنين تعيش اليأس والحقرة؟ ويتسع مجال التساؤلات حول معنى ومحتوى الاستقلال إلى مواضيع أخرى أصبحت البلاد عاجزة عن الجواب عنها، بل أنها لم تبلغ حتى درجة النضج لطرحها بصفة علمية معقولة في إطار نقاش وطني يسمح للمواطن أن يعرف ما هو منتظر منه. فمثلا ما معنى الاستقلال في عالم اليوم في الميدان الاقتصادي ونحن نعرف أن الاتفاقيات الدولية التي أمظتها الجزائر ستقضي على معظم القواعد المهودة لحد الآن؟ وما معنى الاستقلال اليوم لما أصبحت المخابرات الجزائرية والأمريكية تتعاون في محاربة عدو مشترك ونحن نعرف أن فلسطين مازالت محتلة وأن الجنود الأمريكيين موجودون في النجف وكربلاء؟ وهل من المعقول أن استقلال الجزائر يؤدي إلى غلق الحدود مع البلاد المغاربية الأخرى التي كانت القاعدة الحصينة للثوار الجزائريين؟ وقد جاء في بيان أول نوفمبر أن الهدف من حرب التحرير هو استعادة الدولة الجزائرية الديمقراطية. فهل يمكن أن نقول اليوم أن البلاد بمؤسساتها الحالية من سلطة تنفيذية وبرلمان وعدالة قد بلغت ما كان منتظرا؟ وإذا كان الجواب سهلا هنا كذلك، فإن سؤالا آخر يبقى مطروحا والجواب عنه أصعب: ما العمل حتى تتحقق الأحلام التي كان يفكر فيها أولائك الذين ضحوا من أجل استقلال البلاد؟ ما العمل لتصبح الجزائر منسجمة متوازنة، حنينة العيش، لا تدفع أبناءها إلى الازدحام أثناء زيارة جاك شيراك للمطالبة بتأشيرة الدخول إلى أوربا؟ هذا سؤال موجه لمن تذكروا الوطنية في الأسابيع القليلة الماضية، بعد أن راهنوا على الاستثمار الفرنسي لدفع الاقتصاد الوطني… إنها أسئلة مطروحة منذ سنوات طويلة… ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s