نهاية التاريخ سنة 2009

عابد شارف

 

تسابق أعضاء الحكومة في تحديد مشاريع مغرية يتم إنجازها قبل سنة 2009. وخلال هذه المزايدات التي لا معنى لها، لأن تحقيقها أمر مستحيل، ظهر تنافس بين الوزراء حيث أن العديد منهم يريد لنفسه برنامجا يكون أكبر طموحا من الآخرين، لعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيرضى عنه.

فبعد المليون سكن التي وعد بها وزير السكن محمد نذير حميميد، والطريق السريع الذي أصبح يشكل مشروعا أساسيا بالنسبة لوزير الأشغال العمومية عمار غول، قال وزير النقل أنه سيبني سكة حديدية جديدة لقطار سريع يربط برج بوعريرج بخميس مليانة مرورا بالعاصمة. ولا نستبعد أن يعلن وزير التضامن الوطني أنه سيقضي على الفقر قبل 2009، وأن يصرح وزير الفلاحة أن البلاد ستصبح مصدرة للقمح قبل هذا التاريخ.

ولا نسأل السادة الوزراء كيف وبأية وسائل سيقومون بكل هذه الأشغال الهرقلية. ولا نسألهم أين المؤسسات والخبرة والهياكل التي ستقوم بالدراسات الضرورية لكل هذا العمل ثم تبدأ الأشغال وتتابعها وتراقبها. هذه أسئلة وقحة وثانوية تؤكد فقط أننا نجهل القدرات الوطنية كما لا ندرك جيدا استعداد الشركات الأجنبية لدخول السوق الجزائرية بقوة.

لذلك نكتفي بسؤال آخر: لماذا تحديد سنة 2009 لإنجاز هذه المشاريع؟ هل سينتهي التاريخ في هذه السنة وندخل الجنة مباشرة بعدها؟ أم هل سيبدأ تأريخ جديد لما تنتهي العهدة الحالية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟ وماذا ستفعل الجزائر بعد 2009؟ وهل من المسموح اليوم لأي وزير أو مسئول أن يفكر في مشروع ينطلق سنة 2008 مثلا لينتهي سنة 2010 أو 2011؟ وما مصير المستثمرين الخواص في هذا المسار؟ هل هم كذلك مضطرون إلى ربط استثماراتهم بهذا التاريخ؟ وماذا سيفعلون بعد ذلك؟

وحقيقة الأمر أن كل هذا الكلام يؤكد أن عمل السادة المسئولين الكبار لا يعملون لتحقيق مشروع متكامل منسجم يخدم المجتمع، إنما الأولوية لديهم تتمثل في إرضاء أصحاب القرار الذين عينوهم ويملكون السلطة لعزلهم أو إبقائهم في الحكم. والكل يعتبر أن الرئيس بوتفليقة يبقى الرجل الذي يجب مغازلته لأنه هو الذي يمضي القرار المتضمن تشكيل الحكومة.

وبهذا المنطق يتضح أن هؤلاء يعملون كلهم لضمان حصيلة يمكن للرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يتقدم بها عند نهاية عهدته الثانية، سواء قرر أن يترشح مرة ثالثة أم لا. فإن أراد البقاء في الحكم، يقول للجزائريين: لقد وعدتكم بكذا وكذا، ووضعت الأموال اللازمة لذلك، ولا يمكن أن تلوموني إن فشلت في هذا الميدان أو ذاك لأن الوزير الفلاني فشل, لكنني سأصحح الوضع هذه المرة.

وحتى إذا كان بوتفليقة لا يريد الترشح مرة ثالثة، سيقول: إني وعدت، ووضعت الأموال اللازمة، وما عليكم إلا أن تختاروا من يواصل المسيرة، ويستطيع بذلك أن يخرج بطريقة مشرفة لدى الرأي العام. أما السادة الوزراء المتنافسون في المزايدات البرامجية، فسيقولون أنهم تلقوا صعوبات كبيرة، وأنهم سيقصون عليها في أقرب الآجال، ولا مجال لإزاحتهم من المناصب لأنهم سيتداركون الوضع ويغطون العجز بفضل تحكمهم في الميدان.

لكن هذه الوعود والطموحات الكبرى لا يمكن أن تغطي حقيقتين. أولها أن لا أحد يستطيع أن يحقق ما وعد به مهما كانت عبقريته إن كانت هناك عبقرية. وأمر يبدو بديهيا في بلد أراد أن يخترع القطار السريع في القرن الواحد والعشرين. وثاني هذه الحقيقتين هي الأمر: لقد قال رئيس الجمهورية أنه سيضع مبلغ 55 مليار دولار لخطة التنمية، وما أدراك ما 55 مليار دولار… إنه مبلغ يسمح ببناء اقتصاد وطني في بلد مثل الجزائر، كما أنه مبلغ يسمح بتدمير مجتمع إذا اعتبره الأقوياء غنيمة يجب الاستيلاء عليها. فإنهم لن يترددوا عن أي عمل أو أية مبادرة مهما كانت نتائجها في المعركة الطاحنة التي ستدور حول الاستيلاء على هذه الثروة.

وكل المؤشرات تؤكد يوميا أن هذا المبلغ تحول فعلا إلى غنيمة، وأن الصراع قد انطلق. كما تؤكد المؤشرات أن جزء من هذه الغنيمة سيتحول إلى الخارج سواء عن طريق العقود حول الأشغال الكبرى أو عن طريق الرشوة. وأصعب من هذا كله، فإن كل المؤشرات تؤكد أن هذه المبالغ ستضيع لكن ما سيتم إنجازه لن يمثل إلا جزء ضعيفا جدا من البرامج المسطرة.

وقال لاحظ أحد الخبراء الاقتصاديين، وهو نصر الدين سعدي، المختص في عمليات الخصخصة، أن البرنامج الاقتصادي السابق الذي تم تطبيقه بقرار من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان يتعلق بمبلغ سبعة مليار دولار. ولاحظ أن هذا المبلغ قد تم استعماله بكامله، لكن ما تم إنجازه لم يبلغ إلا ربع ما كان مخططا. فأين ذهبت الـ75 بالمائة المتبقية؟

وإذا حافظنا على نفس النسبة، فإن البلاد ستخصص 55 مليار دولار للتنمية في عهدة بوتفليقة، لكن الإنجازات ستبلغ 13 مليار دولار. ما مصير الأموال الباقية؟ وحتى إذا ارتفعت النسبة إلى 50 بالمائة، فإن البلاد ستضيع 27 مليار دولار خلال ما تبقى من عهدة بوتفليقة. إنه مبلغ يفوق 26 مليار دولار الذي تم الحديث عنه في وقت مضى… لكنه يؤكد فعلا أن الجزائر تريد فعلا أن تصل إلى نهاية التاريخ، لأنها لا تريد فتح عينيها أمام ما هو بديهي للعالم كله، إلا للمسئولين الجزائريين.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s