السلم وأطلال الحرية

 

السلم من القيم الإنسانية الكبرى… لكن السلم مشروع سياسي لا بد له من مضمون ديمقراطي وأخلاقي

 

عابد شارف

 

السلم، المصالحة، الأخوة… ويمكن أن نضيف الحريات، وحسن الجوار، واحترام الآخرين، والوئام… ويمكن أن نضيف حتى الشعر والحب… ومهما كانت القائمة طويلة، فإنه لا يمكن لأحد أن يرفضها إذا كانت تحمل مثل هذه المصطلحات والمفاهيم والأفكار والقيم النبيلة التي تصنع الأمم والحضارات والأمجاد، بل أن التجربة الإنسانية أكدت أن هذه المبادئ هي التي صنعت رفاهية البلدان المتقدمة وقوتها. وقد تبنت الدول الكبرى منذ مدة طويلة هذه الأفكار في تنظيم علاقاتها الاجتماعية والسياسية الداخلية، وتمكنت بفضلها أن تضمن لشعوبها الحرية والرفاهية والأمن.

ومن هذا المنطلق، فإن النضال من أجل السلم يبقى من السمات الحميدة والأهداف النبيلة، حيث لا يمكن رفض فكرة السلم مبدئيا، ولا يمكن أن لأحد أن يقول أنه يرفض مشروعا سلميا "جملة وتفصيلا". كما أن معارضة مشروع سلمي تشكل موقفا صعبا وقضية شائكة إن لم تكن مستحيلة. ولذلك يجد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نوعا من السهولة في الدفاع عن مشروع ميثاق السلم والمصالحة، لأنه يصعب على أي طرف أن يقول ببساطة أنه ضد السلم.

لكن الجانب الإيجابي والنبيل الذي تحمله كلمة السلم لا يكفي ليغطي كل سلبيات المشروع الذي تقدم به رئيس الجمهورية. فكلمة السلم تحمل مضمونا سياسيا واجتماعيا لا يمكن فصله عن المرحلة التي تبرز فيها الفكرة. فسلم النظام الاستعماري في الجزائري مثلا قبل أول نوفمبر لا معنى له، بل أن الحرب أفضل منه، لأن العنف برز كوسيلة ناجعة للقضاء على النظام الاستعماري بعد المأزق الذي وصلت إليه البلاد آنذاك.

ولا بد للسلم كذلك أن يؤدي إلى وضع جديد يكون أحسن من السابق، كما أنه لا بد لعملية السلم أن تتضمن الآليات الضرورية لضمان استمرار السلم وغلق كل الأبواب التي من الممكن أن تؤدي إلى عودة العنف مرة أخرى. فالسلم بصفة شاملة يعني الخروج من مرحلة إلى أخرى، شريكة أن تحمل المرحلة الجديدة معطيات سياسية واجتماعية ومؤسسات أحسن من السابقة.

ومن هذه الزاوية، يظهر مشروع رئيس الجمهورية بصورة جديدة. فهو لا يسطر مشروعا سياسيا وحضاريا بقدر ما يكرس المأزق الذي وصلت إليه البلاد. فالمشروع مرتبط بالتوازنات السياسية المفروضة اليوم، كما اعترف بذلك رئيس الجمهورية نفسه. وميزان القوى هذا لا يسمح لأي طرف أن يقوم بمبادرات جديدة لدخول مرحلة جديدة، لا من طرف السلطة ولا من طرف المجتمع ولا من طرف المعارضة السياسية. فمشروع الميثاق الجديد يهدف إلى ترتيب أحسن للبيت الجزائري بما يوافق التوازنات السياسية الحالية، لا أكثر ولا أقل.

وهذا يختلف تماما عما كان منتظرا من رئيس الجمهورية. فالمطلوب اليوم في الجزائر هو تغيير هذه النقطة الأساسية: المطلوب هو الخروج من هذا النظام المبني على ميزان القوى، لإقامة نظام جديد يكون مبنيا على مفاهيم وقيم أخرى، ليسمح لكل القوى والمصالح السياسية أن تظهر علانية وتشارك في تأطير المجتمع وتنشط بكل شفافية في تنظيمات قانونية وتدافع عن مصالحها في إطار الدستور والقانون.

فمشروع رئيس الجمهورية لا يأتي بحل للقضايا المطروحة، إنما يكرس المأزق الذي وصلت إليه كل قضية. ويكفي مثلا أن نطلع على ردود فعل تنظيمات ضحايا الإرهاب ومنظمات عائلات المفقودين لنتأكد من ذلك. فأغلبية التنظيمات ترفض الحل المقترح وتعتبر أنه لا يقترح حلا نهائيا للقضية، إنما يحاول معالجة جانبها الاجتماعي والقضائي بطرق ملتوية تتمثل في حصانة مرتكبي هذه الأعمال الخارجة عن القانون ومساعدة عائلات الضحايا بتعويضات مالية.

ولا بد من الإشارة إلى نقطة خطيرة في المشروع إذا كان مبنيا على ميزان القوى لا على العدل والإنصاف. فإذا كان ميزان القوى اليوم لا يسمح إلا بهذا الحل الذي جاء به رئيس الجمهورية، فإن ذلك يفترض أن تغيير ميزان القوى يوما ما لصالح طرف من الأطراف يمكن أن يؤدي إلى إلغاء هذا الحل، وفرض حل آخر لصالح الطرف الذي يفرض رأيه في الساحة السياسية. ويعني ذلك العودة إلى نقطة الصفر للمطالبة بمعاقبة الطرف الذي يكون قد خسر المرحلة. ويستطيع هذا الأخير أن يلجأ إلى العنف مرة أخرى إذا كانت مصالحه مهددة خاصة وأن دروس الماضي توضح له أن اللجوء إلى العنف يضمن له فرض مصالحه كما يضمن له المناعة.

ومن جهة أخرى، فإن الأسبوع الأول من النقاش حول مشروع المصالحة أوضح أنه في الحقيقة لا وجود لنقاش، إنما يكتفي الجزائريون بمتابعة حملة وطنية للمصادقة على مشروع سياسي. وإذا غابت الأصوات المطالبة بحلول أخرى، فذلك يعني أن هناك قوى تحالفت من فوق لفرض ما يرضيها دون مراعاة مصالح الآخرين. وقد أثبتت تجارب الماضي أن "المساندة المطلقة" و "مصادقة الجماهير الشعبية على مشروع الزعيم القائد"، سواء تم ذلك في الجزائر أو سوريا أو ليبيا أو كوريا الشمالية، لا يحمل معنى سياسي يذكر. فالسلم، وما أدراك ما السلم، لا يبنى على أطلال الحريات، ولا على حساب معاناة أولائك الذين ضيعوا أغلى ما لديهم، ولا على حساب مشروع سياسي ديمقراطي.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s