جزائر السلم وجزائر العزة والكرامة

استفتاء جديد ومشروع جديد… ورغم تعدد المواعيد مع صناديق الاقتراع، فإن حل الأزمة مازال ينتظر، ومازالت البلاد تبحث عن عزتها وكرامتها…

عابد شارف

 

مع اقتراب موعد الاستفتاء حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي يجري اليوم، زال الشك، وجاء وقت اليقين. ورغم احتكار أنصار الميثاق على الكلام والخطاب، فإن المعطيات السياسية تبلورت مع مرر الأيام، كما أن ملامح النتائج المحتملة لهذا المشروع أصبحت أكثر وضوحا.

أما عن الشكوك التي زالت، فإنها عديدة. فلم يبق أي شك حول نتيجة الاستفتاء، اللهم إلا فيما يتعلق بنسبة المشاركة وحجم الموافقة على مشروع الرئيس بوتفليقة. ومن المنتظر أن يبلغ هذا الرقم 90 بالمائة أو أكثر، وهو ما يتمناه رئيس الجمهورية ليقول أن الشعب الجزائري بأغلبيته الساحقة يوافق مسعاه من أجل الصلح ويعطية صكا على بياض لاتخاذ ما يريد مت مبادرات.

وقد زال الشك كذلك حول معنى الاستفتاء، فقد تحولت عملية 29 سبتمبر إلى مبايعة، حيث أن الأصوات المعارضة أو المتحفظة تجاه مشروع الميثاق غابت بصفة شبه كاملة. ولم يتكلم معارضو الفكرة إلا بالحجم الذي يسمح للسلطة أن تقول أنها لم تمنع خصومها من التعبير، وأن الجرائد كانت مفتوحة أمامهم. وتأكد من خلال الحملة الانتخابية أن الديمقراطية مازالت غريبة في البلاد، وأن أصحاب الرأي المخالف لا يجدون مجالا للكلام والتحرك والنشاط السياسي بصفة مقبولة.

كما تأكد كذلك أن الاستفتاء لا يشكل بالضرورة عملية ديمقراطية، بل أنه يمكن أن يؤدي إلى إقامة نظام مستبد مثلما اعتادت عليه أنظمة الحزب الواحد، ومثلما اعتادت عليه البلدان العربية. فالعملية الانتخابية لوحدها ليست كافية للتأكيد على وجود الديمقراطية، التي تتطلب تحضيرا طويلا يتم من خلاله تحرير المؤسسات والإدارة والأحزاب والمواطن. والنتائج التقنية لعملية انتخابية لا معنى لها إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المناخ السياسي وإمكانية التنظيمات السياسية من التحرك لمدة طويلة لفرض وجودها في المجتمع. ولا أحد يؤمن أن صدام حسين كان ديمقراطيا رغم أنه فاز بما يقارب مائة بالمائة من الأصوات في آخر انتخابيات رئاسية بالعراق، كما أن لا أحد يؤمن أن الاستفتاء حول الدستور العراقي سيكون حرا مادام يجري تحت حماية قوى الاحتلال.

وأنهت الجبهة الإسلامية للإنقاذ ما تبقى من شكوك حول انسجام صفوفها. فبينما عبر عباسي مدني وعدد من الذين يقال عنهم السياسيين عن تحفظه تجاه مشروع بوتفليقة، اختار أفواج كبيرة من الفيس مساندة مشروع المصالحة. ولم تقتصر المساندة على السياسيين مثل رابح كبير، بل توسعت إلى الجناح العسكري الذي أبدا حماسا لا مثيل له. وتكلم مدني مزراق كثيرا في الأسابيع الماضية باسم الجيش الإسلامي للإنقاذ ليؤكد أنه يساند السلطة ولو كانت من الأرندي…

كما أكد هذا الموقف سيطرة "السلاح" في البلاد. ففي صفوف الإسلاميين، انتهى عهد السياسيين ولم يبق مكان إلا للذين استعملوا السلاح، حيث أنهم سيطروا على الموقف واحتكروا الكلام باسم الإسلاميين خلال الحملة الانتخابية، وذلك بحجة شرعية الحرب. أما في صفوف السلطة، فإن كل ما صدر من كلام كان يهدف بالدرجة الأولى إلى تبرئة ذمة الجيش ومختلف مصالح الأمن، خاصة فيما يتعلق بملف المفقودين. ورغم أن منشطي الحملة الانتخابية يحملون بذلة عسكرية، إلا أنهم أكثر عسكرة من العسكريين.

هذا عن الشكوك التي زالت. أما عن الأسئلة التي تفرض نفسها على الساحة السياسية مع ميثاق السلم، فإنها عديدة لا تحصى. والمشروع نفسه يطرح أسئلة جديدة أكثر مما يأتي بأجوبة حول مستقبل البلاد. فهو من جهة يطرح مبادئ عامة ويعطي للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كل الصلاحيات لتطبيقها ميدانيا بإصدار قوانين أو مراسيم أو قرارات مختلفة. ولا أحد يعرف اليوم كيف سيتصرف الرئيس بوتفليقة في الموضوع مع العلم أنه سيجد نفسه مضطرا إلى مراعاة "الموازين’ الداخلية للسلطة.

ومن جهة أخرى، فإن ميثاق السلم يعطي حصانة لمن ارتكبوا جرائم في حق المواطنين، كما يمحو ما تم ارتكابه من أعمال خارجة عن القانون من طرف أعوان الدولة، وبالأخص ما يتعلق بملف المفقودين. ولا أحد يعرف ماذا سيكون أثر مثل هذا القرار على المجتمع الجزائري بصفة عامة وعائلات الضحايا بصفة خاصة. كما أن لا أحد يستطيع اليوم أن يضمن أن الجزائر ستستطيع أن تبني مستقبلا إذا اختارت أن تتجاهل مثل هذه الجرائم.

وإذا كان الميثاق يضمن عدم المتابعة القضائية تجاه مرتكبي الجرائم، فهل سيكون ذلك كافيا فعلا لحماية هؤلاء؟ فالكل يعلم مثلا أن من ارتكب جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن يحصل على أي شكل من أشكال العفو. كما أن الجزائر قد أمضت عددا كبيرا من المعاهدات الدولية التي تفرض مبدئيا عدم نسيان هذه الملفات. وهناك من جهة أخرى عدة مبادرات في عدد من البلدان الغربية تسمح بمتابعة مرتكب جريمة في بلد غير بلده. وأخيرا فإن الظروف السياسية الحالية في الجزائر والتوازنات في صفوف السلطة لا تسمح بمتابعة عدد من المسئولين في الدولة وفي المجموعات المسلحة. ولكن ما الذي يضمن أن الظروف لم تتغير وأن متابعة هؤلاء ستصبح ممكنة يوما ما سواء في الجزائر أو في الخارج؟

ويبقى سؤال آخر أساسي مطروحا في الساحة السياسية بعد مبايعة مشروع الرئيس بوتفليقة: هل سيفتح هذا المشروع مرحلة جديدة للبلاد تتميز بانتصار الديمقراطية والحريات، أم أنه سيبقي على النظام الحالي، أو سيؤدي إلى تراجع في ميدان الحريات؟ وفي هذا الميدان فإن الشكوك قليلة جدا. فالبلاد عاشت مرحلة صعبة أدت إلى انهيار المؤسسات والقيم، وتراجع روح المواطنة، وعدم احترام فكرة الصالح العام.

إضافة إلى ذلك، لم تبق أية هيئة أو مؤسسة تشكل سلطة مستقلة عن رئاسة الجمهورية. والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يجد نفسه حرا للقيام بأية مبادرة تخدم مصالحه ومصالح السلطة بشرط واحد فقط وهو أن يقنع الأطراف الأخرى في السلطة. وفي هذا الظرف، اختار بوتفليقة أن يطلب من الشعب أن يعطيه سلطة جديدة إضافية ليتصرف مثلما شاء للخروج من المأزق. ولا يمكن أن نرى في مثل هذه المبادرة نزعة نحو الديمقراطية وتشجيع الحريات، بل أنها خطوة جديدة لتكريس نظام مستبد لا سلطة للشعب عليه.

وهذا ليس شكا. إنه يقين. أما الشك، فإنه يتعلق بنقطة أخرى وأخيرة: هل سيستطيع هذا النظام أن يتجاهل الشعب إلى الأبد؟ وما العمل ليتحرك الشعب ويأخذ المبادرة ليفرض على النظام التغييرات الضرورية حتى يسترجع حرياته وكرامته، ويعيد بناء "جزائر العزة والكرامة"؟

ع.ش

  abc@wissal.dz

 

Publicités

إستفتاء في الجزائر لإقامة سلطة مطلقة ومصادرة الديمقراطية

 

عابد شارف

 

إذا كان الاستفتاء يشكل عادة رمزا للعمل الديمقراطي، فإن الجزائر تمكنت من تحويل الاستفتاء إلى عملية تفتح الباب أما إقامة سلطة مطلقة. وهذا ما سيتأكد في نهاية الأسبوع مع الاستفتاء الذي سيتم تنظيمه غدا الخميس حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي اقترحه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وينص هذا الميثاق على عفو شبه شامل فيما يتعلق بأعمال العنف التي وقعت خلال ثلاثة عشر سنة، منذ أن لجأ أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العمل المسلح بعد إلغاء الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ في ديسمبر 1991. فمشروع الميثاق ينهي المتابعات القضائية ضد مرتكبي أعمال العنف، ويفتح الباب أمام إطلاق سراح المعتقلين، كما يسمح للقياديين الإسلاميين الموجودين في المنفى بالعودة إلى الجزائر. ومن جهة أخرى يقترح المشروع وضع حد لملف المفقودبن الذين تسبب الجيش وقوات الأمن في اغتيالهم، مقابل منح تعويضات مالية ومساعدات اجتماعية لأهاليهم. ويبلغ عدد المفقودين 7.000 حسب منظمات حكومية، إلى 15.000 حسب منظمات مستقلة لحقوق الإنسان.

ولا يستثني المشروع من العفو إلا مرتكبي المجازر الجماعية وجرائم الاغتصاب ومن تسببوا في تفجير قنابل في المراكز العمومية. لكن لم يتم لحد الآن أي تحقيق لتحديد هوية المسئولين عن مثل هذه العمليات، مما يؤكد أن العفو سيكون شاملا، علما أن المؤسسات الجزائرية، وخاصة القضاء، يبقى عاجزا عن القيام بالتحقيقات الضرورية لتحديد المسؤوليات.

بالمقابل، يفرض المشروع على المسئولين السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التخلي عن أي نشاط سياسي. وقد وافق على هذا الاقتراح معظم القياديين الإسلاميين، سواء منهم الموجودين في الخارج مثل رابح كبير، أو الذين كانوا على رأس المجموعات المسلحة مثل مدني مزراق. وقد قام هذا الأخير بتنظيم تجمعات شعبية وجه خلالها نداء للمناضلين السابقين في حزبه بالتصويت لصالح المشروع. ورغم تحفظ عباسي مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الموجود حاليا في الخليج، ونائبه علي بلحاج المسجون حاليا، فإن التيار الإسلامي بصفة عامة يساند المبادرة، موافقا بذلك الجناح العسكري الذي خاض المعركة، والذي سيطر على الموقف على حساب الجناح السياسي في جبهة الإنقاذ.

وقد قاد الحملة لصالح ميثاق السلم والمصالحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نفسه، حيث ترأس تجمعات شعبية عديدة في مختلف مناطق البلاد. وساعده في العملية رؤساء الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي مثل عبدالعزيز بلخادم عن جبهة التحرير الوطني والوزير الأول أحمد أويحيى عن التجمع الوطني الديمقراطي. ومع ممر الأيام، تحول الاستفتاء إلى عملية مبايعة، حيث لم يبق أي شك حول نتيجة الاقتراع. ومن المحتمل أن تقارب نسبة المصادقة على مشروع الرئيس بوتفليقة 90 بالمائة، بينما ركز أصحاب المبادرة على نسبة المشاركة التي يريدونها عالية حتى تعطيهم التزكية الضرورية لاتخاذ مبادرات جديدة في الأشهر القادمة. وقد قال فاروق قسنطيني، رئيس لجنة حكومية مكلفة بملف المفقودبن، أنه سيتم إصدار حوالي 20 قانونا لتطبيق الأفكار التي يقترحها مشروع ميثاق السلم والمصالحة.

ولم تتمكن التيارات أو الأحزاب المعارضة أو المتحفظة عن المشروع أن تبدي رأيها خلال الحملة الانتخابية، ومن أبرزها جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها حسين آيت أحمد والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان برئاسة علي يحيى عبدالنور وعدد من الشخصيات مثل الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني عبدالحميد مهري. واحتكرت السلطة وسائل الإعلام وجندت وسائل الدولة لتنظيم الحملة، بينما لم تتمكن التيارات المخالفة من التعبير إلا بواسطة عدد قليل من الجرائد الخاصة. وقد كانت حجة المعارضين مبنية على عدد من الاعتبارات، منها رفض النسيان، وعدم اقتناعهم أنه يمكن بناء المستقبل على حساب الضحايا، وأن مشروع الميثاق يعطي حصانة لمرتكبي الجرائم ويشجع بذلك على ارتكاب جرائم في المستقبل، وأخيرا أن الميثاق يفتح الباب أمام حكم استبدادي ويقضي على الديمقراطية والحريات.

وفي هذا الإطار، فإن مشروع ميثاق السلم والمصالحة يحمل فكرتين أساسيتين. فمن جهة يمنع الميثاق أي استغلال سياسي للأزمة التي عاشتها الجزائر، ومن جهة أخرى، يكلف الرئيس بوتفليقة باتخاذ كل المبادرات التي يراها ضرورية لتطبيق الميثاق. ومن هذا المنطلق، فإن المتابعة القضائية لمرتكب عملية اغتيال تمت خلال السنوات الماضية ستصبح مستحيلة بعد المصادقة على المشروع. ولا يمكن كذلك متابعة أحد أعوان الدولة سواء كان في الشرطة أو الجيش أو المخابرات أو الميليشيات حتى ولو ثبت أنه شارك في عملية اغتيال أحد المفقودين. وبصفة عامة، فإن ملف سنين الإرهاب سيتم غلقه رسميا.

أما من الناحية السياسية، فإن الرئيس بوتفليقة سيفتح لنفسه بفضل مشروع الميثاق مجالا للتحرك بحرية أكبر رغم أن سلطته تكاد تكون غير محدودة منذ اختاره الجيش لرئاسة البلاد سنة 1999. فالنظام الجزائري لا يعرف الفصل بين السلطات، والبرلمان يصادق على كل اقتراحات رئيس الجمهورية، والقضاء أصبح جهازا من أجهزة السلطة. ولا توجد المعارضة إلا داخل السلطة نفسها، بين الدوائر التي تحيط برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات.

ومن هذه الزاوية، يظهر استفتاء 29 سبتمبر بصورة جديدة، فهو مبايعة من طرف الشعب لاتفاق تم بين الأطراف الفاعلة في السلطة، من رئيس الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات للخروج من المأزق. ويقضي هذا الاتفاق بإقرار عفو شامل يقوم الرئيس بوتفليقة بتطبيقه. ويحظى هذا الاتفاق بالشرعية الشعبية الضرورية بفضل الاستفتاء، لكن دون اللجوء إلى البرلمان والقوى السياسية المتواجدة في المجتمع.

ولما تدخل الجزائر مرحلة التطبيق العملي للاتفاق، ستقتصر المشاركة على نفس الأطراف الفاعلة في السلطة، علما أن الرئيس بوتفليقة يبقى مرتبطا بالأطراف التي سمحت له بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، والتي ستشاركه حتما في اتخاذ قرارات ما بعد الاستفتاء. والأولوية بالنسبة لهذه الأطراف، خاصة في قيادة الجيش، تتمثل في العفو لوضع حد للاتهامات الموجهة إليهم والمتعلقة بالقمع الذي عاشته البلاد خلال التسعينات. وأول ملف يهددهم هو ملف المفقودين، حيث أن تنظيمات حقوق الإنسان المعارضة للنظام تقول علنا أن اغتيال أكثر من 10.000 شخص من طرف أعوان الدولة لا يمكن أن يتم بصفة منعزلة، وبالتالي أن ذلك يشكل جريمة ضد الإنسانية لا يمكن إصدار عفو عنها.

وهذه أقوى ورقة يستعملها الرئيس بوتفليقة تجاه خصومه في قيادة الجيش. وقد قال عدة مرات أنه لن يسمح أبدا بالمساس بالمؤسسة العسكرية، وبرهن منذ وصل إلى السلطة أنه مستعد لتغطية أخطاء قيادة الجيش، وأنه سيواصل في هذا الاتجاه إذا سمحوا له بالبقاء في السلطة بعد انتهاء عهدته الحالية سنة 2009.

و تشكل هذه النقطة جوهر المفاوضات الحالية في أعلى هرم السلطة الجزائرية. فالدستور الحالي لا يسمح لبوتفليقة بعهدة ثالثة، ولا بد من تغيير الدستور إذا أراد أن يبقى في الرئاسة بعد 2009، مما دفع أنصاره مثل زعيم جبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم إلى التركيز على ضرورة تغيير الدستور مباشرة بعد الاستفتاء.

ومن الواضح أن الأوضاع ستتغير بعد استفتاء 29 سبتمبر. فإذا اتخذ الرئيس بوتفليقة التدابير الضرورية لتبرئة ذمة قيادة الجيش، لا شك أن هؤلاء سيوافقون بدورهم على فتح المجال له لعهدة رئاسية ثالثة. وسيحقق بذلك بوتفليقة تحالفا لا مثيل له، حيث أنه سيحظى بمساندة الجيش من جهة، والأحزاب الكبرى من جهة أخرى، والإدارة من جهة ثالثة، إلى جانب المجموعات المسلحة الإسلامية التي حاربت السلطة خلال التسعينات. وقد أكد مداني مزراق زعيم أكبر تنظيم مسلح وهو الجيش الإسلامي للإنقاذ هذا الأسبوع أنه سيساند بوتفليقة مهما كانت الظروف.

ومن الواضح أن بوتفليقة سيجد نفسه في موقع قوة لا نظير له مثلما أشار إليه زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي. فالوضع السياسي الجديد يسمح له بتجاهل كل معارضة تنادي بالديمقراطية. وأكثر من هذا كله، فإن بوتفليقة تمكن من بناء تحالف جديد يسمح له بإقامة حكم استبدادي انطلاقا من عملية استفتاء من المفروض أن تكون رمزا وانطلاقا للديمقراطية.

وقد عرفت الجزائر سابقة مماثلة في الماضي. ففي سنة 1991، انفجرت الأزمة في البلاد مع عملية انتخابية حرة فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مما دفع الجيش إلى وضع حد للمسار الانتخابي ودخول البلاد أزمة تميزت بسلطة مطلقة. واليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالجزائر تباشر استفتاء يفتح الباب أمام سلطة مطلقة لمرحلة جديدة.

ع.ش

Les ingrédients de la paix

Les ingrédients de la paix

 

Nouvelle charte, nouveau référendum, nouveaux espoirs, peut-être. Mais l’Algérie est plus habituée aux illusions qu’à l’espoir.

 

Par Abed Charef

 

Les doutes se sont dissipés. Les illusions se sont envolées, pour laisser place à de nouvelles certitudes, plus modestes, plus réalistes. Et c’est une Algérie presque rassérénée qui s’apprêt à se rendre aux urnes jeudi, pour se prononcer sur le projet de charte sur la paix et la réconciliation.

Cette sérénité est cependant loin de signifier un quelconque enthousiasme, bien au contraire. Elle confirme plutôt une sorte de résignation qui semble durablement installée dans la société. Elle reflète un constat d’impuissance des Algériens à influer sur leur sort de manière collective, à peser sur les grandes options du pays.

La campagne en faveur du « oui » a confirmé cette tendance prononcée d’une société qui n’arrive pas encore à se doter des instruments pour imposer ses choix, et qui se trouve dans l’obligation de suivre, ou de subir les choix faits en son nom. Déjà, il y a treize ans, le choix de la confrontation avec l’islamisme politique a été le fait du pouvoir, non de la société. Aujourd’hui, le choix de la paix émane également du pouvoir. Indépendamment du jugement qu’on peut porter sur ces choix, ils ont été prix au sommet de l’état, sans l’avis de la société, et pris en charge par les relais du pouvoir qui, à quelques variantes près, sont toujours les mêmes. Le citoyen s’est trouvé pris dans l’engrenage, enrôlé dans un camp ou dans l’autre, poussé à s’engager toujours davantage, pour se retrouver aujourd’hui dans une curieuse situation où Madani Mezrag, le chef de l’AIS, et Ahmed Ouyahia, le premier ministre et fer de lance de l’éradication à l’ère des grands massacres, font campagne ensemble pour le même projet !

Cette évolution a aussi confirmé, si besoin  en était, que l’Algérie a encore beaucoup de chemin à faire dans le domaine de la pratique démocratique. Certes, c’est mieux que la Corée du Nord, mais cela ressemble beaucoup à l’Egypte, comme le montre le climat qui a dominé pendant la campagne du référendum, devenu un simple plébiscite par lequel on exprime sa « moubaya ‘a » (allégeance). L’idée de voter « non » est, de fait, devenue une hérésie.

Par contre, l’Algérie a cultivé cet art sublime de transformer une opération à priori démocratique en un acte qui ouvre la voie au despotisme. Déjà, en décembre 1991, l’organisation d’une élection libre a mené le pays à la plus grave crise qu’ait connue le pays depuis son indépendance.

Cette fois-ci, avec le référendum sur le projet de charte de la paix, c’est un tour de passe-passe d’une rare ingéniosité qui est mis en place. Dans un premier temps, le jeu a consisté à présenter le président Abdelaziz Bouteflika comme quelqu’un d’étranger au pouvoir, en opposition avec les généraux qu’il veut mater. Ensuite, chef de l’état se présente comme un homme de paix, à l’opposé de ces généraux éradicateurs partisans de la guerre à outrance. Engagé dans un terrible bras de fer, Abdelaziz Bouteflika réussit pourtant à imposer ses choix face à ses adversaires, bien qu’il soit encore contraint de mettre un peu le frein pour tenir compte des fameux « équilibres » internes qui l’empêchent d’aller encore plus loin.

En vérité, cet habillage masque une réalité totalement différente. Le choix de la négociation a été fait par le pouvoir dès 1995, quand ont commencé les premiers contacts avec l’AIS, lesquels ont débouché sur un accord en 1997. Choisi pour légaliser ces accords, Abdelaziz Bouteflika, devenu président en 1999, a totalement endossé les nouvelles options « pacifiques », qui ont donné la loi sur la concorde de 1999.

Cette loi a permis un recul certain de la violence, mais ne l’a pas éliminée. Mais c’est une loi qui a surtout débouché sur une situation d’attente, avec de nombreux problèmes en suspens : une fois la violence retombée, comment réintroduire les repentis dans la société, comment disqualifier les islamistes du FIS, comment amnistier les uns et les autres, et comment protéger les agents de l’état contre d’éventuels retombées du douloureux dossier des disparus ?

Encore une fois, c’est le pouvoir qui prendra les mesures nécessaires, à travers un « opposant » aux généraux, qui n’est autre que le chef de l’état ! Celui-ci, par une belle opération de légitimation, organise donc un référendum, à travers lequel il obtient carte blanche pour décider des mesures nécessaires en vue de dépasser la crise. Tout ce qu’il entreprendra est donc légitime. Et, au bout du compte, le pouvoir aura obtenu par référendum le droit de s’assurer une immunité !

Dans ce cheminement, il y aura bien quelques jeux d’appareils, quelques tentatives de la part du chef de l’état, par exemple, pour élargir son pouvoir aux dépens d’autres clans, comme il y aura des tentatives d’autres cercles pour mieux asseoir leur influence. On parlera du limogeage de tel général, et de la mise à l’écart de telle personnalité influente. Mais ceci relève de l’anecdote, car ces actes n’influent en rien sur l’architecture générale du système. Leur portée reste secondaire face à l’enjeu fondamental qui unit tout ce monde au sein du pouvoir, un pouvoir qui n’a rien cédé sur le fond, qui impose encore une fois sa logique, qui continue à étouffer la société et à empêcher l’exercice des libertés. Et, plus que tout, un pouvoir qui tente de corriger les conséquences de ses mauvais choix du passé, mais qui se trouve incapable d’anticiper, de concevoir de grandes ambitions pour le pays et de lui donner les institutions et les instruments nécessaires pour assurer la liberté, la dignité et le bien être de ses citoyens, des ingrédients sans lesquels la paix n’a pas de sens.

abc

Ne pas être trop ridicule

 L’absence de débat est un handicap insurmontable. Mais quand s’y ajoute la faiblesse de l’administration, l’échec est inévitable. Il n’y a pas qu’à éviter d’y ajouter le ridicule.

 Par Abed Charef

Un ministre, en mal d’inspiration, a annoncé il y a deux ans qu’il avait trouvé la solution miracle pour régler la question du transport à Alger. La capitale algérienne est une grande ville de la Méditerranée, mais elle n’utilise pas assez les ressources offertes par la mer, avait-il dit. Il n’y a qu’à se lancer dans le transport maritime. Dans la foulée, le ministre en question avait défini les dessertes, tracé les lignes et fixé les travaux d’aménagement nécessaires pour le bon fonctionnement de son projet. Les habitants de Koléa travaillant à Alger se voyaient proposer de descendre sur Sidi Fredj par bus, de prendre ensuite une navette maritime pour le port d’Alger, et de là, un autre bus pour se rendre sur leur lieu de travail. Ils risquaient de n’y parvenir que vers midi, mais ce n’est qu’un détail. Ce projet lumineux n’a évidemment jamais vu le jour. Il a été oublié, tout comme son initiateur. Il a laissé la place à une autre idée, plus simple, dans laquelle excelle l’Algérie : l’interdit. Pour régler la circulation à Alger, on interdit la circulation des poids lourds dans la capitale pendant la journée. Depuis, la circulation est, parait-il, plus fluide, malgré un petit inconvénient : le ralentissement de l’activité économique. Mais là encore, ce n’est qu’un détail. Alger est une ville de services. Elle n’a que faire de ce monde de labeur et de sueur qui encombre ses belles rues blanches et entache son image. C’est une manière très algérienne de gérer. Pour régler un problème, on en crée un autre. Le nouveau problème fera oublier l’ancien, il ne le résout pas. Et l’Algérie, à défaut d’accumuler du capital, du savoir-faire, de l’expérience, accumule les problèmes. Comme si elle les collectionnait. Car l’administration algérienne est définitivement incapable d’anticiper, d’innover et de manager des projets. Comme celui du métro d’Alger, qui traîne depuis une bonne vingtaine d’années, sans qu’on sache exactement où il en est. Ou encore celui de l’aéroport d’Alger, une simple aérogare comme il en existe des milliers dans le monde, mais qui reste en construction depuis des années, voire des décennies. Quand, par miracle, un projet arrive à terme, il n’y a guère matière à se réjouir. Il aura coûté deux à trois fois son prix initial, il a connu des retards tels qu’il est déjà dépassé au moment même de son inauguration, ou bien il comporte tant de malfaçons que son entretien se révèlera ruineux. Même dans les grands moments d’émotion et de solidarité, on retrouve ces travers. A Boumerdès, des centaines d’entreprises, qui s’étaient lancées dans les travaux de réhabilitation, n’ont toujours pas été payées. Mais les responsables de l’opération ont la conscience tranquille : ils ont aidé des sinistrés. Si, au passage, des entreprises ont été ruinées, c’est un autre détail. Il ne s’agit pourtant pas d’incompétence individuelle. Les responsables de ces échecs répétitifs sont souvent des ingénieurs, des énarques ou des financiers de haute voltige. Parfois, ils sont des élus. Comme Mohamed Raouraoua, président de la Fédération algérienne de football, incapable de trouver un terrain pour construire un nouveau siège de la fédération, financé par la FIFA, ce qui a contraint cette dernière à reprendre son argent. Ou encore les organisations de journalistes, incapables de consommer cinq millions d’euros offerts par l’Union européenne. Ces acteurs de la gestion du pays sont en fait pris dans un engrenage devant lequel ils sont impuissants, quand ils n’en sont pas complices. Ils sont eux-mêmes des jouets, au service d’une machine monstrueuse qui génère l’échec et qui les pousse, au bout du compte, à la tricherie et au mensonge. Acceptent-ils de vivre dans le mensonge par intérêt, par démission, ou par bêtise ? En fait, peu importe. Le résultat est le même. C’est le pays qui en paie le prix. Mais cela n’empêche pas de se poser cette question intrigante : pourquoi un haut responsable, gérant des milliards de dinars, détenant entre ses mais le sort de centaines de milliers de personnes, pourquoi prend-il une décision absurde ? Qu’est-ce qui pousse un ministre à annoncer cet absurde projet de lancement du transport maritime à Alger ? Quel est le système de décision qui l’encadre, et qui est supposé lui préparer les études d’un projet, d’envisager les étapes et le mode de réalisation, et d’en évaluer les retombées économiques et sociales ? Ces structures, en amont de la décision, existent-elles encore, et comment fonctionnent-elles ? Si elles existent encore, ces structures ne peuvent plus avoir qu’une mission, la dernière : éviter aux responsables le ridicule. Leur éviter de se lancer dans des projets, des déclarations et des opérations qui ont fini par amener le simple citoyen à regarder le haut responsable comme un être bizarre, incohérent, velléitaire, sans raison logique, ni rationalité. Eviter que Boudjerra Soltani ne menace de représailles ceux qui s’opposent à la charte de la paix, qu’un ministre ne propose des hélicoptères pour se déplacer à Alger, et inviter les partisans du « oui » au référendum du 29 septembre à éviter de répéter que Abdelaziz Bouteflika est un don du Ciel. Quant au reste, la mauvaise gestion, la corruption, le gaspillage et l’injustice, l’Algérie a appris à vivre avec. Car si l’échec est là, il n’y a pas de raison d’y ajouter le ridicule.

 abc@wissal.dz

Abou Djerra menace

 

عابد شارف

إنقلبت الساحة السياسية الجزائية رأسا على عقب بعد شهر من الحملة التحضيرية للاستفتاء حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي سيتم تنظيمه في 29 سبتمبر المقبل بمبادرة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ويبرز هذا التغيير في مظهرين أساسيين، يتمثل الأول في التحالف بين السلطة -بأحزابها وجيشها وإدارتها ومخابراتها- مع الأعضاء السابقين في المجموعات المسلحة للترويج لصالح ميثاق السلم. أما المشهد الثاني، فإنه يبرز في تحفظ أو معارضة مبادرة الرئيس بوتفليقة من طرف التيارات السياسية والشخصيات التي كانت تدعو للسلم منذ بداية الأزمة في التسعينات.

وقد نظم كل من مدني مزراق، القائد السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ، وهو الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ، مهرجانات شعبية قال خلالها أنه يدعو الشعب الجزائري إلى الموافقة على مشروع الرئيس بوتفليقة. وظهر مداني مزراق وأحد مساعديه السابقين أحمد بن عائشة في تجمعات في الجزائر العاصمة وفي مدن داخلية عانت من العنف مدة عشر سنوات ليؤكدوا أنهم يعتبرون أن ميثاق السلم "أحسن طريق لتجاوز الأزمة".

وفي نفس الوقت، كان الرئيس بوتفليقة والوزير الأول أحمد أويحيى وقادة الأحزاب الحكومية يرددون نفس الكلام ويطالبون الشعب الجزائري بالمصادقة على ميثاق السلم. واكتشف الجزائريون من عشية إلى ضحاها أن الرئيس بوتفليقة ورئيس الوزراء أحمد أويحيى ومداني مزراق يناضلون لصالح نفس المشروع، مع العلم أن بوتفليقة قد هدد المجموعات المسلحة في جانفي يناير 2000 بتسليط "سيف الحجاج" عليها، وأن الوزير الأول أحمد أويحيى يوجد في الحكومة منذ عشر سنوات بعد أن شغل منصب أمين عام رئيس الجمهورية، كما كان أحد أبرز المسئولين المعروفين بانتمائهم إلى التيار "الاستئصالي" الذي يرفض أي مفاوضات مع الإسلاميين، وأن مداني مزرق كان على رأس أكبر المجموعات المسلحة التي أدى عملها إلى موت حوالي 200 ألف جزائري.

لكن هذا التحالف ليس غريبا في الحقيقة، بل أنه كان منتظرا منذ سنوات طويلة، وتم تطبيق الخطوات الأولى منه سنة 1997 لما توصل قادة الجيش إلى اتفاق مع أهم المجموعات المسلحة من أجل الوصول إلى هدنة ثم تطبيع الوضع السياسي. وأدى ذلك الاتفاق إلى استقالة الرئيس السابق اليمين زروال الذي لم يكن على علم بمسعى قادة الجيش وخاصة المخابرات التي كان لها الدور الأساسي في العملية.

بعد رفض اليمين زروال أن يتبنى هذا الاتفاق، تمكن قادة الجيش من إقتاع عبد العزيز بوتفليقة أن يتبناه مقابل تعيينه في رئاسة الجمهورية ليطبق "خارطة الطريق" التي كانت مسطرة منذ أشهر. وفعلا، مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية التي نظمت في أفريل 1999، صادق البرلمان الجزائري على قانون الوئام في جويلية من نفس السنة ثم تم تنظيم استفتاء في سبتمبر لمباركة القانون. وتمكن حوالي 15.000 من أعضاء المجموعات المسلحة من العودة إلى ديارهم بموجب هذا القانون، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في أعمال العنف.

وبقي مضمون الاتفاق بين السلطة والمجموعات المسلحة غامضا، ولحد الآن رفضت الأطراف التي توصلت إليه أن ترفع السر عنه. واكتفى بعض قادة المجموعات المسلحة بالقول أن الاتفاق ينص على إدماج أعضائها في صفوف الجيش وهياكل الأمن، العمل إلى إدماج المناضلين السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ في المجتمع.

واتضح مع ممر الأيام أن المجموعات المسلحة كنت آنذاك في مأزق لأنها فشلت سياسيا، وعجزت على قلب النظام عسكريا، مما دفعها إلى البحث عن مخرج مشرف. وفعلا اكتفت بالقليل، مما دفع السلطة إلى المماطلة لإقناع قادة المجموعات المسلحة إلى المزيد من التنازلات. وتم إقناع هؤلاء بضرورة إبعادهم عن العمل السياسي في المستقبل، وتحملهم مسئولية المأساة التي عاشتها البلاد، وهو ما يتضمنه صراحة مشروع ميثاق السلم والمصالحة.

لكن أعضاء المجموعات المسلحة ضمنوا لأنفسهم عدم المتابعة القضائية. فرغم أن قانون الوئام المصادق علية سنة 1999 ومشروع ميثاق السلم يرفضان العفو لمرتكبي الجرائم الجماعية والاغتصاب وغيرها، إلا أن العدالة الجزائرية عاجزة عن القيام بأي تحقيق، وبالتالي فإن الحصانة تبقى مضمونة للكل.

وكانت الحصانة في قلب مشروع السلم والمصالحة الذي تقدم به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو المشروع الذي يضمن الحصانة لأعضاء المجموعات المسلحة وكذلك لأعوان الدولة من جيش وشرطة وغيرهم. فقد اعترفت لجنة رسمية يترأسها المحامي فاروق قسنطيني بوجود أكثر من 6.000 ملف لمفقودين كان أعوان الدولة سببا في اغتيالهم. وقال المحامي علي يحيى عبد النور أن هذا العدد يبلغ 15.000 ملف، مما يؤكد مسؤولية الدولة في ارتكاب أعمال غير قانونية بصفة متكررة، مما يعطيها طابع جريمة ضد حرب أو جريمة ضد الإنسانية، حسب المحامي عبد النور علي يحيى.

وقد رفضت هياكل العدالة الجزائرية التحقيق في هذه الملفات، مما دفع عائلات المفقودين إلى اتهام القضاة بالتواطؤ مع المجرمين، بينما يكتفي عبد النور علي يحيى بالقول أن الجزائر لا تكسب عدالة لأن هذه الهيئة لا تكسب أي استقلال تجاه السلطة التنفيذية. ومن المفروض أن تسحب من العدالة كل الصلاحيات للتحقيق في الموضوع مستقبلا لأن مشروع ميثاق السلم ينص صراحة، بحجة تجنب عودة الفتنة، أنه يمنع اتهام أعوان الدولة أو المس بشرفهم.

ويتضح من ذلك أن مشروع ميثاق السلم يرتكز أساسا على الحصانة التي يمنحها لأعضاء المجموعات المسلحة من جهة، ولأعوان الدولة من جيش وشرطة ومخابرات من جهة أخرى، حتى يمنع متابعتهم قضائيا في المستقبل. وهذه أكبر خلاصة توصلت إليها التيارات التي أبدت تحفظا تجاه المشروع، مثل الزعماء التاريخيين عبد الحميد مهري وحسين آيت أحمد ورئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عبد النور علي يحيى.

وبهذا الموقف، تظهر هذه الشخصيات وكأنها ترفض السلم والمصالحة، مع العلم أنه سبق لها وأن أمضت معاهدة الحلف الوطني سنة 1995 في روما إلى جانب ممثل للجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما أن هذه الشخصيات قد أمضت في نفس السنة "نداء من أجل السلم"، بمشاركة الوزير الأول الأسبق مولود حمروش. لكن السلطة التي كانت آنذاك ترفض التفاوض مع الإسلاميين منعتهم من أي تحرك سياسي كما منعتهم من تنظيم مسيرة للسلم في الجزائر.

وتبني هذه التيارات والشخصيات موقفها على أساس سياسي وأخلاقي. ويؤكد حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يتزعمه حسين آيت أحمد أنه "لا يمكن بناء دولة على النسيان وعدم معاقبة المجرمين". ويضيف أنه إذا كان لا بد من عفو، يجب أن يتم بعد التحقيق في الجرائم، وإثبات الحقيقة ومعرفة مرتكبيها، مثلما وقع في جنوب إفريقيا مثلا، لكنه لا يمكن بناء مجتمع إذا أعطى القانون حصانة لمن ارتكب جرائم متكررة.

واكتفى الوزير الأول الأسبق مولود حمروش بالقول أن الجزائر تحتاج إلى من يبحث عن مخرج للأزمة، بينما أن هذا المشروع يكرس الوضع القائم. ورفض أن يناقش مشروعا يشكل بنفسه "مأزقا سياسيا"، حيث أن ميثاق السلم يحاول أن يجد حلولا إدارية وأمنية لجانب من لأخطاء الماضي لكنه لا يفتح أي باب للمستقبل. وأكثر من هذا، فإنه يمنع النشاط السياسي الحر ويغلق باب الديمقراطية.

وتأكد تنبؤ مولود حمروش ميدانبا حيث أن الحملة التحضيرية للاستفتاء الذي سيجرى بعد أسبوعين تحولت إلى عملية مبايعة للرئيس بوتفليقة ومشروعه. وأصبحت الصحف تتكلم عن "عملية شرح وتوعية" لصالح الميثاق لا نقاش حر واستفتاء وآراء متناقضة. وأصبحت الأصوات المعارضة غائبة في وسائل الإعلام الكبرى، وانعدم النقاش بصفة شبه كلية حيث يقتصر على بعض الدوائر السياسية وعدد من الصحف التي لها تأثير في النخبة لكنها لا تؤثر على الرأي العام. واحتكرت السلطة وسائل الإعلام العمومية من تلفزيون وإذاعة وجرائد كما فرضت مضايقات على التيارات المعارضة لتمنعها من تنظيم التجمعات. ولم يبق أي شك حول نتيجة الاستفتاء، باستثناء نسبة المشاركة ونسبة الموافقة، التي من المنتظر أن تقترب من 90 بالمائة إن لم تتجاوزها.

وفي هذا الجو، أدت "نشوة" الحملة الانتخابية إلى انزلا قات في الخطاب السياسي وتصريحات عشوائية متضاربة أكدت عدم وجود أي انسجام بين أنصار ميثاق السلم باستثناء ولائهم للسلطة. فبينما يقول الرئيس بوتفليقة أن هناك خطوات أخرى لا بد منها في المستقبل، وأن الوضع الحالي لا يسمح باتخاذ كل الإجراءات مرة واحدة، قال الوزير الأول أحمد أويحيى أنه لا يمكن تقديم تنازلات جديدة في المستقبل.

وقال الوزير الأول كذلك أنه لم يكن أبدا "استئصاليا"، رغم أنه يبقى أبرز ممثل للتيارات التي كانت ترفض التفاوض مع الإسلاميين في السنوات الأولى للأزمة. أما أبو جرة سلطاني، رئيس حزب مجتمع السلم الذي يوصف أنه إسلامي معتدل، فإنه هدد علانية من لا يوافق مشروع المصالحة، حيث قال خلال مهرجان حضره مئات الأنصار أن الرئيس بوتفليقة سيعاقب من لا يصوت لصالح ميثاق السلم. وكان هذا التصريح كافيا لتحويل عملية استفتاء حول مشروع للخروج من الأزمة إلى مجرد ديكور يتم من خلاله فرض قرار اتخذته قيادة الجيش الحقيقة لتضمن لنفسها حصانة تامة.

nouvelles alliances

عابد شارف ظهرت تحالفات جديدة خلال الحملة التحضيرية للاستفتاء، وتحول الاستفتاء نفسه إلى عملية مبايعة غريب أمر الجزائر… وغريب تصرف شعبها ونخبتها السياسية… ومن حاول أن يفهم المواقف التي برزت في الساحة خلال الأسابيع الماضية والمتعلقة بمشروع ميثاق السلم والمصالحة يجد مبررات كثيرة ليستغرب من جديد، ويتساءل بأي منطق يتصرف هؤلاء المسئولون الذين يقسمون ثلاثا أنهم سيتمسكون بمواقفهم قبل أن يخترعوا عبارات جميلة يبررون بها المواقف الجديدة التي أصبحوا يدافعون عنها للبقاء في السلطة أو بالقرب منها. وإذا اكتفينا بالصورة فقط دون البحث عن أسباب وحيثيات الأحداث، نجد ما يدهش. نجد مثلا مدني مزراق يدافع عن مشروع ميثاق السلم والمصالحة، وهو الذي كان على رأس أكبر تنظيم للمجموعات المسلحة… وبجد أنه يوجد اليوم في نفس الخندق مع ـحمد أويحيى الذي كان يظهر لمدة طويلة كأحد أبرز التيار الاستئصالي قبل أن يعود ويصرح أنه لم يكن أبدا استئصاليا… نجد كذلك أن السيدة فاطمة الزهراء فليسي تناضل عن نفس المشروع الذي يناضل من أجله مدني مزراق, مع التذكير أن السيد فليسي اغتالته مجموعة تنتمي إلى الجيش الإسلامي للإنقاذ أو كانت متحالفة معه… ومما يزيد الدهشة، وهذا دائما إذا اكتفينا بالصورة فقط دون بحث الأسباب، نجد أن عبد النور علي يحيى الذي أمضى عقد روما وناضل من أجل السلم منذ بداية الأزمة يرفض المشروع الذي تقدم به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأن عبد الحميد مهري، الذي كان يتزعم تيار التصالح في البلاد لما كان على رأس جبهة التحرير الوطني، بقي في صمت يؤكد أنه يتحفظ على مشروع الرئيس. وحتى تكون الصورة كاملة، نذكر أن هذه الشخصيات ومولود حمروش وغيرهم قد أمضوا سنة 1995 نداء من أجل السلم، وحاولوا تنظيم مسيرة للدفاع عن هذه الفكرة، لكنهم اليوم يرفضون الدخول في حملة لصالح مشروع ميثاق المصالحة. هذا جزء من غرائب الجزائر. ويمكن أن نضيف إليها ظواهر عديدة، فالجزائر بلد غني وأهله فقراء، والجزائر رغم بترولها وأموالها جاءت بعد ليبيا وفلسطين في ترتيب الأمم المتحدة المتعلق بمستوى الحياة… والجزائر اعترفت على لسان رئيسها أنها أخطأت في حق أبناء الحركى أشهر قليلة بعد أن صادق البرلمان الفرنسي على قانون يمجد الاستعمار… والجزائر التي أعلنت أنها ستنظم استفتاء حرا يعبر الشعب خلاله عن رأيه في المصالحة شرعت في تنظيم حملة تشبه الحملات المعهودة في نظام الحزب الواحد حيث لا يدخل الإذاعة والتلفزيون إلا من أعطى ضمانات أنه سيساند مشروع السطة. لكن كل هذه الغرائب تأخذ طابعا آخر إذا حاولنا أن نعرف مبرراتها الحقيقية، ويصبح كل شيء منطقيا لما نبحث أسباب التغييرات في المواقف التي تدهش أحيانا. وإذا أردنا أن نفهم مثلا لماذا يتحالف اليوم مدني مزراق مع أحمد أويحيى للدفاع عن مشروع ميثاق المصالحة، نجد أن المبررات واضحة. فالأول شارك في محاولة لقلب النظام وفشل، وهو اليوم يبحث عن مخرج يضمن له العودة إلى الحياة العادية دون أن يكون مهددا بمتابعات بسبب ما قام به في الماضي. وأحمد أويحيى كان في السلطة، وهو اليوم في السلطة، وميثاق السلم يسمح له بالبقاء في السلطة كما سمح له قانون الرحمة وقانون الوئام أن يبقى في السلطة. فكلاهما مستفيد من مشروع ميثاق السلم، ولا يمكن لهم إلا أن يتحالفا للدفاع عنه. أما السيدة فليسي حفظها الله، فإنها كانت يوما ما في الماضي حجة وراية يستعملها أحمد أويحيى للتأكيد أنه لا يمكن أبدا أن نتحاور مع القتلة والسفاحين، وهي اليوم راية يحملها أويحيى ليؤكد أن الجزائر بلد عظيم يعرف كيف يعاقب ويعرف كيف يعفو. وظهرت السيدة فليسي بارعة في الكلام حيث قالت أن مأساة أهالي ضحايا الإرهاب، كبيرة لكن الجزائر أكبر. وقالت السيدة فليسي أنها مطالبة اليوم بتقديم تضحيات أخرى ولا تستطيع أن ترفض ذلك في سبيل الجزائر… وكيف لا نبكي ونصفق لما نسمع مثل هذا الكلام؟ أما التيارات التي أبدت تحفظا أو رفضا صريحا تجاه مشروع ميثاق السلم، فإن حجتها بسيطة جدا. فمشروع الرئيس بوتفليقة يكتفي بإعطاء طابع قانوني لوضع قائم، لكنه لا يفتح آفاقا جديدة للبلاد لأنه يحاول أن يعالج مشاكل الماضي من الناحية الاجتماعية والأمنية دون أن يعالج الأسباب التي أدت إلى الأزمة. وهو بالدرجة مشروع مبني على الممنوعات: ممنوع استعمال الأزمة سياسيا، وممنوع توجيه اتهامات إلى أعوان الدولة، وممنوع على قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن يدخلوا الساحة السياسية. ولم يكن من الضروري أن يشار صراحة إلى هذه النقطة الأخيرة لأن العمل السياسي بحد ذاته ممنوع في البلاد حيث لا يسمح لأي تنظيم أو تيار ليس مواليا للسلطة أن ينشط بحرية. وبذلك يتأكد أن الجزائر بلد غريب فعلا، حيث أنه مازال هناك من يؤمن أو يدعي أن حل الأزمة يمكن أن يتم في بلد تعتبر الديمقراطية فكرة غريبة لأتها غربية. ع.ش

Oran, ville algérienne

 

Violence, régression sociale. Et, au bout du compte, le racisme, qui se manifeste dans la ville la plus accueillante du pays, Oran.

 

Par Abed Charef

 

C’était une journaliste de radio Monte Carlo. Elle réalisait une émission sur les grandes villes de la Méditerranée. Elle voulait consacrer une émission à Oran, à l’automne 2004, et cherchait un connaisseur pour lui en parler. Je lui citai les noms de quelques amis oranais. Puis, je ne sais comment, la discussion a évolué, et je me mis à lui décrire Oran, celle de mes souvenirs, avec tant d’amour qu’au bout d’une demi-heure, il n’était plus question, pour elle de chercher quelqu’un d’autre. Elle voulait absolument que je sois en quelque son guide dans cette ville, que je considérais comme la plus ouverte, la plus tolérante d’Algérie. La plus belle, tout simplement.

J’évoquai pour elle cette ville où, pendant mon service national, je fus contraint de passer une nuit à la belle étoile, pendant une permission. Je frappai à une porte pour demander un peu d’eau. Désolé, il n’y avait pas d’eau, mais on m’offrit une hrira à la place ! C’était une nuit de début d’automne, un peu fraîche. Je me laissai aller à dormir sur un banc public, sur le front de mer. En me réveillant, je fus émerveillé, autant par la beauté de ce que je voyais que par cette couverture que quelqu’un m’avait discrètement apporté pendant que je dormais.

Oran, c’était aussi Cheb Khaled, alors étoile montante du Raï. C’était Mekki Nouna, mi meddah mi mondain, ainsi que Zouaoui, le célèbre barde et compagnon de Cheïkha Djenia, avec laquelle il formait le couple le plus hard du Raï trab. Ils sont partis il y a un an, à quelques semaines d’intervalle, comme s’ils réfutaient à la mort le droit de briser leur histoire d’amour. Un autre couple Raï,  Sahraoui et Fadhéla, habitaient et recevaient modestement dans une maison du quartier du Derb, juste derrière le théâtre.

Evoquer le théâtre, à Oran, c’est évidemment évoquer ce génie du verbe que fut Abdelkader Alloula et l’incomparable Sirat Boumediène. Il s’agissait probablement de ceux qui avaient la plus grande stature dans le théâtre algérien. La virtuosité des mots chez l’un ne pouvait être servie que par le talent de l’autre.

Mais Oran était aussi un carrefour. C’est là aussi que je rencontrais ce monde des arts de l’ouest, d’obscurs artistes de Sidi Bel-Abbès, de Tiaret et de Saïda, comme de grandes stars du show business. Remiti, Cheikh Djillali Aïn Tadelès, qui me remettait délicatement sa carte de visite après avoir soigneusement rangé son gallal, feu Rachid, assassiné par le terroristes, et une multitude de chebs, certains éphémères, d’autres qui arriveront à s’accrocher pour mener une honnête carrière.

Plus tard, je découvris l’autre Oran, celui des « expatriés », des hommes venus de toutes les régions du pays pour s’installer dans cette ville où on pouvait vivre tranquillement, dans la discrétion. Universitaires fuyant le brouhaha d’Alger et l’étouffement des autres villes, anciens hauts responsables, officiers supérieurs et hommes d’affaires, de l’est, du centre et du sud cohabitaient dans cette ville si accueillante qu’au bout d’une semaine, on avait l’impression d’être chez soi, l’impression d’y avoir toujours vécu.

C’était Oran, celle de mes souvenirs. Une image presque figée, que je gardais, que je voulais garder en fait, car je ne voulais pas admettre cette réalité que j’avais sous les yeux : une ville qui partait en lambeaux, qui se dégradait à vue d’œil. Au fil de mes visites, qui se faisaient de plus en plus espacées, je fermais les yeux sur cette autre ville qui naissait dans les faubourgs, qui envahissait inexorablement les entrailles de la cité, je refusais de voir ces quartiers populaires se transformer en bidonvilles, et cette foule rieuse et insouciante se transformer en une masse qui perdait tout repère.

Car Oran s’était mise à la mode. Elle avait son RND, ses DEC, ses terroristes et sa bureaucratie. La zetla y était un must, elle est devenue un business et une occupation à plein temps. La bureaucratie avait jusque là réussi à s’adapter au climat. Elle prenait désormais le commandement de la ville. Avec tous ses travers. Kamel Daoud en a fait un portrait saisissant à la veille d’une visite du président Abdelaziz Bouteflika.

Ce visage hideux a brusquement explosé cette semaine, avec ce pogrom dont ont été victimes des ressortissants africains. La mort d’un « ould el-bled » a déchaîné le déferlement d’une vague de haine qui couvait, et qui ne cherchait qu’un prétexte pour se déverser. Avec, comme victimes, ceux qui sont au bas de l’échelle, ces clandestins misérables fuyant des contrées impossibles pour trouver refuge dans un pays ravagé par le terrorisme et la haine.

Comment la ville la plus accueillante du pays est-elle devenue le théâtre du premier grand acte collectif de racisme anti-noir du pays ? La question elle-même est un piège, car elle offre un raccourci trop rapide. Oran n’est pas passée d’une situation à une autre du jour au lendemain. En fait, comme tout le reste du pays, elle a vécu ce cheminement infernal de la décennie écoulée, qui a écrasé toute forme de règles sociales, pour ne laisser que la force brute comme moyen de régler les conflits. Cette évolution a provoqué une régression sociale dramatique dans les comportements, dans les rapports sociaux, débouchant sur une libération des instincts les plus primaires dont le racisme n’est qu’une manifestation parmi d’autres. Le régionalisme, l’esprit tribal, le arouchisme, l’esprit de clan sont des réalités sociales que le pays ne peut plus ignorer.

Ce racisme latent n’est pas limité à la « populace », bien au contraire. Il suffit de lire la presse pour s’en convaincre. Les « Africains », ce terme méprisant désignant des ressortissants d’Afrique subsaharienne, installés en Algérie ou en attente d’un moyen de passage vers le nord, vers le paradis européen, ont souvent été accusés d’être à l’origine des « maux sociaux », aussi bien à Maghnia, à Oran, à Ghardaïa ou à Adrar. Prostitution, trafic de drogue, de fausse monnaie et d’alcool leur ont été souvent accolés. Même les footballeurs, dont certains font les beaux jours de clubs algériens, sont désignés par ce vocable d’africain, comme s’ils n’avaient pas d’identité ni de nationalité.

Oran est-elle devenue une ville raciste ? Non. Oran est simplement une ville algérienne : elle a logiquement perdu ses anciens repères, en raison de la formidable mutation sociale qu’a connue l’Algérie, mais l’enfermement du pays l’a empêchée d’accéder à de nouvelles règles, celles de la modernité. Elle a donc régressé pour terminer dans l’archaïsme. Habituée à héberger les grands artistes du pays, elle était appelée à donner à l’Algérie une nouvelle élite politique. Elle a été contrainte à animer la rubrique des faits divers. N’a-t-elle pas déjà envoyé en prison un maire et un wali ?

انتشار الإجرام ونخبة الصعاليك

 

فشلت السلطة في إنشاء مؤسسات عصرية، وفشلت معها كل النخب التي كان منتظرا منها أن تفرز قيما وقواعد أخلاقية جديدة لتنظيم العلاقات الاجتماعية.

عابد شارف

 

منذ أن اعتادت مصالح الأمن نشر حصيلة الحملات التي تقوم بها في إطار محاربة الإجرام، ظهرت إلى العلانية أرقام جديدة مخيفة، رغم أنها لا تشير إلا إلى جزء من التصرفات الخارجة عن القانون التي تعرفها البلاد. وأكدت هذه الأرقام أن المجتمع الجزائري تغير بشكل كبير جدا، حيث أن حوادث المرور والإجرام أصبحا يشكلان ظاهرتين يتجاوز حجم كل منهما حجم الإرهاب بكثير.

فحوادث المرور لم تعرف تراجعا رغم ما يقال من طرف المصادر الرسمية في الموضوع. ويكفي أن نلاحظ تصرف السائقين يوميا في الشارع لنتأكد من ذلك. وإذا أصبح السائق يخاف فعلا الشرطي أو الدركي ويحترم ضرورة استعمال حزام الأمن وعدم استعمال الهاتف النقال لما يقترب من ممثل القانون، فإن تصرفه في باقي حياته لم يتغير إطلاقا. وأدى ذلك إلى نتيجة غريبة تتمثل في أن السائق يعتبر الشرطي عدوا يهدده بالعقاب لا حليفا يضمن له الأمن. كما أن المواطن لا يعتبر القانون سلوكا حضاريا ينظم الحياة الاجتماعية ويحافظ على حد أدنى من حقوق كل فرد، إنما يعتبر القانون عائقا يمنع البعض من الوصول إلى الثروة أو السلطة لأنهم ضعفاء في حين أن الأقوياء يتصرفون مثلما شاءوا دون أي اعتبار للقانون.

أما الإجرام فإن دائرته توسعت بشكل مرعب في مجتمع قضى على القواعد الأخلاقية التقليدية دون أن يخلق قواعد جديدة يمكن أن تحصل على إجماع. فالمجتمع التقليدي كانت له قواعد تضمن حدا أدنى من حقوق كل طرف، لكن هذه القواعد أصبحت عاجزة عن تسيير مجتمع جديد برز في ظل العنف والتغييرات الاجتماعية الكبرى التي عرفتها البلاد. وبما أن المجتمع يعيش مرحلة انتقالية ليتحول من مجتمع ريفي تقليدي إلى مجتمع حضري (لا يعني حضاري) عصراني، فكان من المفروض أن ينشئ قواعد وسلوكات جديدة تتماشى مع الوضع الجديد.

ويعتبر علماء الاجتماع أن هذه القيم الجديدة تنبع من النخبة السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية وغيرها، حيث أن خطاب هذه النخبة وسلوكها بصفة خاصة يكون هو الأساس لفرض طريقة جديدة في العمل أو التفكير. فالمنتظر من النخبة السياسية أن تتبنى خطابا ديمقراطيا واضحا وأن يكون سلوكها متطابقا مع الخطاب. كما ينتظر من أهل الثروة أن يستعملوا طرقا شفافة في الوصول إلى الثروة وفي تسييرها، وأن يكون العسكري مخلصا للمهمة التي كلفته بها البلاد. أما أهل الفكر، فإن دورهم يكون أكبر من باقي الأطراف النخبوية لأنهم يبقون الضمير الحي للمجتمع والقوة التي تنتقد مرارا سلبيات الوضع القائم حتى يتأكد القوي والغني أن قوته وثروته لا تسمحان بالطغيان.

وقد استطاعت النخبة الجزائرية أن تنتج عكس كل ما كان منتظرا. فما يمكن أن نسميه بالنخبة السياسية يستعمل كلمة الديمقراطية ولا يتردد في تزوير الانتخابات، ويتكلم كثيرا عن حقوق الإنسان وهو لا يعترف بالحريات ولم يدفع إلى ظهور المؤسسات والهياكل التي تضمن الديمقراطية. ويكفي أن نتابع إطارات الأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي لنتأكد من ذلك. ومازال الجزائريون ينتظرون ولو مبادرة واحدة ديمقراطية من أحمد أويحيى وأبو جرة سلطاني، الذي لم يتردد في تهديد من يخالف مشروع المصالحة بعقوبات من طرف رئيس الجمهورية…

أما أهل الثروة فإن سلوكهم غامض لا يسمح لأحد منهم أن يشرح كيف تمكن من الوصول إلى ما هو عليه من المال، لأنه "ضرب ضربته"، ويبقى كل جزائري ينتظر الفرصة "ليضرب ضربته" هو الآخر. وأصبحت هذه القاعدة هي السائدة في التعامل الاقتصادي، فالموظف يستعملها للحصول على رشوة، وعامل الجمارك يستغل منصبه بدوره، ومن كان موجودا في منصب يسمح له بتحويل أملاك الشعب لصالحه فإنه لا يتردد أبدا. ولا حاجة أن نذكر أن مثل هذا التفكير لا يشجع العمل…

ولم يسلم من أهل الفكر إلا القليل. فمن من سكت تحت الضغط السياسي، ومنهم من ركب موجة سياسية، ومنهم من اختار الثروة أو الولاء للسلطة، ومنهم من اكتفى بمنصب مقابل ضميره. أما ابلاقي فإن أعلبهم أصبح محروما من الكلام لا يجد جريدة تنشر أفكاره ومواقفه وأصبح ملعونا في أوساط وسائل الإعلام العمومية. وفب نهاية الأمر أصبحت الساحة الفكرة خالية من تلك الأصوات التي ترفض أن يكون الدينار أعلى من حق الضعيف، وأن يكون الوالي أو الوزير أعلى من حق المستضعف. وتبنى الكثير تلك المقالة المشهورة التي صدرت من أحد العلماء لما سئل عن سبب انضمامه إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال "أن الصلاة مع علي أخشع والأكل مع معاوية أدسم".

ولما تفشل النخبة في إفراز أفكار وقيم إيجابية، فإن المجتمع ينهار أخلاقيا. وإذا أصبحت النخبة نفسها تفرز سلوكا تنافس به الصعاليك، فإن المجتمع ينحل نهائيا ويفرز بدوره قواعد جديدة بدأت البلاد تتعرف على البعض منها مثل الإجرام والسرقة والرشوة وأكل القوي حق الضعيف. وما نحن إلا في بدية هذا المشوار الجديد الذي يختلف شكلا عن مرحلة الإرهاب لكنه لا يختلف عنها في المضمون، لأن كلاهما جاء نتيجة لعدم وجود قواعد حضارية تنظم العلاقات بين المواطنين. وما انتشار الإجرام إلا مؤشر لفشل النخب في إفراز تلك العلاقات الاجتماعية الجديدة.

ع.ش