انتشار الإجرام ونخبة الصعاليك

 

فشلت السلطة في إنشاء مؤسسات عصرية، وفشلت معها كل النخب التي كان منتظرا منها أن تفرز قيما وقواعد أخلاقية جديدة لتنظيم العلاقات الاجتماعية.

عابد شارف

 

منذ أن اعتادت مصالح الأمن نشر حصيلة الحملات التي تقوم بها في إطار محاربة الإجرام، ظهرت إلى العلانية أرقام جديدة مخيفة، رغم أنها لا تشير إلا إلى جزء من التصرفات الخارجة عن القانون التي تعرفها البلاد. وأكدت هذه الأرقام أن المجتمع الجزائري تغير بشكل كبير جدا، حيث أن حوادث المرور والإجرام أصبحا يشكلان ظاهرتين يتجاوز حجم كل منهما حجم الإرهاب بكثير.

فحوادث المرور لم تعرف تراجعا رغم ما يقال من طرف المصادر الرسمية في الموضوع. ويكفي أن نلاحظ تصرف السائقين يوميا في الشارع لنتأكد من ذلك. وإذا أصبح السائق يخاف فعلا الشرطي أو الدركي ويحترم ضرورة استعمال حزام الأمن وعدم استعمال الهاتف النقال لما يقترب من ممثل القانون، فإن تصرفه في باقي حياته لم يتغير إطلاقا. وأدى ذلك إلى نتيجة غريبة تتمثل في أن السائق يعتبر الشرطي عدوا يهدده بالعقاب لا حليفا يضمن له الأمن. كما أن المواطن لا يعتبر القانون سلوكا حضاريا ينظم الحياة الاجتماعية ويحافظ على حد أدنى من حقوق كل فرد، إنما يعتبر القانون عائقا يمنع البعض من الوصول إلى الثروة أو السلطة لأنهم ضعفاء في حين أن الأقوياء يتصرفون مثلما شاءوا دون أي اعتبار للقانون.

أما الإجرام فإن دائرته توسعت بشكل مرعب في مجتمع قضى على القواعد الأخلاقية التقليدية دون أن يخلق قواعد جديدة يمكن أن تحصل على إجماع. فالمجتمع التقليدي كانت له قواعد تضمن حدا أدنى من حقوق كل طرف، لكن هذه القواعد أصبحت عاجزة عن تسيير مجتمع جديد برز في ظل العنف والتغييرات الاجتماعية الكبرى التي عرفتها البلاد. وبما أن المجتمع يعيش مرحلة انتقالية ليتحول من مجتمع ريفي تقليدي إلى مجتمع حضري (لا يعني حضاري) عصراني، فكان من المفروض أن ينشئ قواعد وسلوكات جديدة تتماشى مع الوضع الجديد.

ويعتبر علماء الاجتماع أن هذه القيم الجديدة تنبع من النخبة السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية وغيرها، حيث أن خطاب هذه النخبة وسلوكها بصفة خاصة يكون هو الأساس لفرض طريقة جديدة في العمل أو التفكير. فالمنتظر من النخبة السياسية أن تتبنى خطابا ديمقراطيا واضحا وأن يكون سلوكها متطابقا مع الخطاب. كما ينتظر من أهل الثروة أن يستعملوا طرقا شفافة في الوصول إلى الثروة وفي تسييرها، وأن يكون العسكري مخلصا للمهمة التي كلفته بها البلاد. أما أهل الفكر، فإن دورهم يكون أكبر من باقي الأطراف النخبوية لأنهم يبقون الضمير الحي للمجتمع والقوة التي تنتقد مرارا سلبيات الوضع القائم حتى يتأكد القوي والغني أن قوته وثروته لا تسمحان بالطغيان.

وقد استطاعت النخبة الجزائرية أن تنتج عكس كل ما كان منتظرا. فما يمكن أن نسميه بالنخبة السياسية يستعمل كلمة الديمقراطية ولا يتردد في تزوير الانتخابات، ويتكلم كثيرا عن حقوق الإنسان وهو لا يعترف بالحريات ولم يدفع إلى ظهور المؤسسات والهياكل التي تضمن الديمقراطية. ويكفي أن نتابع إطارات الأحزاب التي تشكل الائتلاف الحكومي لنتأكد من ذلك. ومازال الجزائريون ينتظرون ولو مبادرة واحدة ديمقراطية من أحمد أويحيى وأبو جرة سلطاني، الذي لم يتردد في تهديد من يخالف مشروع المصالحة بعقوبات من طرف رئيس الجمهورية…

أما أهل الثروة فإن سلوكهم غامض لا يسمح لأحد منهم أن يشرح كيف تمكن من الوصول إلى ما هو عليه من المال، لأنه "ضرب ضربته"، ويبقى كل جزائري ينتظر الفرصة "ليضرب ضربته" هو الآخر. وأصبحت هذه القاعدة هي السائدة في التعامل الاقتصادي، فالموظف يستعملها للحصول على رشوة، وعامل الجمارك يستغل منصبه بدوره، ومن كان موجودا في منصب يسمح له بتحويل أملاك الشعب لصالحه فإنه لا يتردد أبدا. ولا حاجة أن نذكر أن مثل هذا التفكير لا يشجع العمل…

ولم يسلم من أهل الفكر إلا القليل. فمن من سكت تحت الضغط السياسي، ومنهم من ركب موجة سياسية، ومنهم من اختار الثروة أو الولاء للسلطة، ومنهم من اكتفى بمنصب مقابل ضميره. أما ابلاقي فإن أعلبهم أصبح محروما من الكلام لا يجد جريدة تنشر أفكاره ومواقفه وأصبح ملعونا في أوساط وسائل الإعلام العمومية. وفب نهاية الأمر أصبحت الساحة الفكرة خالية من تلك الأصوات التي ترفض أن يكون الدينار أعلى من حق الضعيف، وأن يكون الوالي أو الوزير أعلى من حق المستضعف. وتبنى الكثير تلك المقالة المشهورة التي صدرت من أحد العلماء لما سئل عن سبب انضمامه إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال "أن الصلاة مع علي أخشع والأكل مع معاوية أدسم".

ولما تفشل النخبة في إفراز أفكار وقيم إيجابية، فإن المجتمع ينهار أخلاقيا. وإذا أصبحت النخبة نفسها تفرز سلوكا تنافس به الصعاليك، فإن المجتمع ينحل نهائيا ويفرز بدوره قواعد جديدة بدأت البلاد تتعرف على البعض منها مثل الإجرام والسرقة والرشوة وأكل القوي حق الضعيف. وما نحن إلا في بدية هذا المشوار الجديد الذي يختلف شكلا عن مرحلة الإرهاب لكنه لا يختلف عنها في المضمون، لأن كلاهما جاء نتيجة لعدم وجود قواعد حضارية تنظم العلاقات بين المواطنين. وما انتشار الإجرام إلا مؤشر لفشل النخب في إفراز تلك العلاقات الاجتماعية الجديدة.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s