Abou Djerra menace

 

عابد شارف

إنقلبت الساحة السياسية الجزائية رأسا على عقب بعد شهر من الحملة التحضيرية للاستفتاء حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي سيتم تنظيمه في 29 سبتمبر المقبل بمبادرة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ويبرز هذا التغيير في مظهرين أساسيين، يتمثل الأول في التحالف بين السلطة -بأحزابها وجيشها وإدارتها ومخابراتها- مع الأعضاء السابقين في المجموعات المسلحة للترويج لصالح ميثاق السلم. أما المشهد الثاني، فإنه يبرز في تحفظ أو معارضة مبادرة الرئيس بوتفليقة من طرف التيارات السياسية والشخصيات التي كانت تدعو للسلم منذ بداية الأزمة في التسعينات.

وقد نظم كل من مدني مزراق، القائد السابق للجيش الإسلامي للإنقاذ، وهو الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ، مهرجانات شعبية قال خلالها أنه يدعو الشعب الجزائري إلى الموافقة على مشروع الرئيس بوتفليقة. وظهر مداني مزراق وأحد مساعديه السابقين أحمد بن عائشة في تجمعات في الجزائر العاصمة وفي مدن داخلية عانت من العنف مدة عشر سنوات ليؤكدوا أنهم يعتبرون أن ميثاق السلم "أحسن طريق لتجاوز الأزمة".

وفي نفس الوقت، كان الرئيس بوتفليقة والوزير الأول أحمد أويحيى وقادة الأحزاب الحكومية يرددون نفس الكلام ويطالبون الشعب الجزائري بالمصادقة على ميثاق السلم. واكتشف الجزائريون من عشية إلى ضحاها أن الرئيس بوتفليقة ورئيس الوزراء أحمد أويحيى ومداني مزراق يناضلون لصالح نفس المشروع، مع العلم أن بوتفليقة قد هدد المجموعات المسلحة في جانفي يناير 2000 بتسليط "سيف الحجاج" عليها، وأن الوزير الأول أحمد أويحيى يوجد في الحكومة منذ عشر سنوات بعد أن شغل منصب أمين عام رئيس الجمهورية، كما كان أحد أبرز المسئولين المعروفين بانتمائهم إلى التيار "الاستئصالي" الذي يرفض أي مفاوضات مع الإسلاميين، وأن مداني مزرق كان على رأس أكبر المجموعات المسلحة التي أدى عملها إلى موت حوالي 200 ألف جزائري.

لكن هذا التحالف ليس غريبا في الحقيقة، بل أنه كان منتظرا منذ سنوات طويلة، وتم تطبيق الخطوات الأولى منه سنة 1997 لما توصل قادة الجيش إلى اتفاق مع أهم المجموعات المسلحة من أجل الوصول إلى هدنة ثم تطبيع الوضع السياسي. وأدى ذلك الاتفاق إلى استقالة الرئيس السابق اليمين زروال الذي لم يكن على علم بمسعى قادة الجيش وخاصة المخابرات التي كان لها الدور الأساسي في العملية.

بعد رفض اليمين زروال أن يتبنى هذا الاتفاق، تمكن قادة الجيش من إقتاع عبد العزيز بوتفليقة أن يتبناه مقابل تعيينه في رئاسة الجمهورية ليطبق "خارطة الطريق" التي كانت مسطرة منذ أشهر. وفعلا، مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية التي نظمت في أفريل 1999، صادق البرلمان الجزائري على قانون الوئام في جويلية من نفس السنة ثم تم تنظيم استفتاء في سبتمبر لمباركة القانون. وتمكن حوالي 15.000 من أعضاء المجموعات المسلحة من العودة إلى ديارهم بموجب هذا القانون، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في أعمال العنف.

وبقي مضمون الاتفاق بين السلطة والمجموعات المسلحة غامضا، ولحد الآن رفضت الأطراف التي توصلت إليه أن ترفع السر عنه. واكتفى بعض قادة المجموعات المسلحة بالقول أن الاتفاق ينص على إدماج أعضائها في صفوف الجيش وهياكل الأمن، العمل إلى إدماج المناضلين السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ في المجتمع.

واتضح مع ممر الأيام أن المجموعات المسلحة كنت آنذاك في مأزق لأنها فشلت سياسيا، وعجزت على قلب النظام عسكريا، مما دفعها إلى البحث عن مخرج مشرف. وفعلا اكتفت بالقليل، مما دفع السلطة إلى المماطلة لإقناع قادة المجموعات المسلحة إلى المزيد من التنازلات. وتم إقناع هؤلاء بضرورة إبعادهم عن العمل السياسي في المستقبل، وتحملهم مسئولية المأساة التي عاشتها البلاد، وهو ما يتضمنه صراحة مشروع ميثاق السلم والمصالحة.

لكن أعضاء المجموعات المسلحة ضمنوا لأنفسهم عدم المتابعة القضائية. فرغم أن قانون الوئام المصادق علية سنة 1999 ومشروع ميثاق السلم يرفضان العفو لمرتكبي الجرائم الجماعية والاغتصاب وغيرها، إلا أن العدالة الجزائرية عاجزة عن القيام بأي تحقيق، وبالتالي فإن الحصانة تبقى مضمونة للكل.

وكانت الحصانة في قلب مشروع السلم والمصالحة الذي تقدم به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو المشروع الذي يضمن الحصانة لأعضاء المجموعات المسلحة وكذلك لأعوان الدولة من جيش وشرطة وغيرهم. فقد اعترفت لجنة رسمية يترأسها المحامي فاروق قسنطيني بوجود أكثر من 6.000 ملف لمفقودين كان أعوان الدولة سببا في اغتيالهم. وقال المحامي علي يحيى عبد النور أن هذا العدد يبلغ 15.000 ملف، مما يؤكد مسؤولية الدولة في ارتكاب أعمال غير قانونية بصفة متكررة، مما يعطيها طابع جريمة ضد حرب أو جريمة ضد الإنسانية، حسب المحامي عبد النور علي يحيى.

وقد رفضت هياكل العدالة الجزائرية التحقيق في هذه الملفات، مما دفع عائلات المفقودين إلى اتهام القضاة بالتواطؤ مع المجرمين، بينما يكتفي عبد النور علي يحيى بالقول أن الجزائر لا تكسب عدالة لأن هذه الهيئة لا تكسب أي استقلال تجاه السلطة التنفيذية. ومن المفروض أن تسحب من العدالة كل الصلاحيات للتحقيق في الموضوع مستقبلا لأن مشروع ميثاق السلم ينص صراحة، بحجة تجنب عودة الفتنة، أنه يمنع اتهام أعوان الدولة أو المس بشرفهم.

ويتضح من ذلك أن مشروع ميثاق السلم يرتكز أساسا على الحصانة التي يمنحها لأعضاء المجموعات المسلحة من جهة، ولأعوان الدولة من جيش وشرطة ومخابرات من جهة أخرى، حتى يمنع متابعتهم قضائيا في المستقبل. وهذه أكبر خلاصة توصلت إليها التيارات التي أبدت تحفظا تجاه المشروع، مثل الزعماء التاريخيين عبد الحميد مهري وحسين آيت أحمد ورئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عبد النور علي يحيى.

وبهذا الموقف، تظهر هذه الشخصيات وكأنها ترفض السلم والمصالحة، مع العلم أنه سبق لها وأن أمضت معاهدة الحلف الوطني سنة 1995 في روما إلى جانب ممثل للجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما أن هذه الشخصيات قد أمضت في نفس السنة "نداء من أجل السلم"، بمشاركة الوزير الأول الأسبق مولود حمروش. لكن السلطة التي كانت آنذاك ترفض التفاوض مع الإسلاميين منعتهم من أي تحرك سياسي كما منعتهم من تنظيم مسيرة للسلم في الجزائر.

وتبني هذه التيارات والشخصيات موقفها على أساس سياسي وأخلاقي. ويؤكد حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يتزعمه حسين آيت أحمد أنه "لا يمكن بناء دولة على النسيان وعدم معاقبة المجرمين". ويضيف أنه إذا كان لا بد من عفو، يجب أن يتم بعد التحقيق في الجرائم، وإثبات الحقيقة ومعرفة مرتكبيها، مثلما وقع في جنوب إفريقيا مثلا، لكنه لا يمكن بناء مجتمع إذا أعطى القانون حصانة لمن ارتكب جرائم متكررة.

واكتفى الوزير الأول الأسبق مولود حمروش بالقول أن الجزائر تحتاج إلى من يبحث عن مخرج للأزمة، بينما أن هذا المشروع يكرس الوضع القائم. ورفض أن يناقش مشروعا يشكل بنفسه "مأزقا سياسيا"، حيث أن ميثاق السلم يحاول أن يجد حلولا إدارية وأمنية لجانب من لأخطاء الماضي لكنه لا يفتح أي باب للمستقبل. وأكثر من هذا، فإنه يمنع النشاط السياسي الحر ويغلق باب الديمقراطية.

وتأكد تنبؤ مولود حمروش ميدانبا حيث أن الحملة التحضيرية للاستفتاء الذي سيجرى بعد أسبوعين تحولت إلى عملية مبايعة للرئيس بوتفليقة ومشروعه. وأصبحت الصحف تتكلم عن "عملية شرح وتوعية" لصالح الميثاق لا نقاش حر واستفتاء وآراء متناقضة. وأصبحت الأصوات المعارضة غائبة في وسائل الإعلام الكبرى، وانعدم النقاش بصفة شبه كلية حيث يقتصر على بعض الدوائر السياسية وعدد من الصحف التي لها تأثير في النخبة لكنها لا تؤثر على الرأي العام. واحتكرت السلطة وسائل الإعلام العمومية من تلفزيون وإذاعة وجرائد كما فرضت مضايقات على التيارات المعارضة لتمنعها من تنظيم التجمعات. ولم يبق أي شك حول نتيجة الاستفتاء، باستثناء نسبة المشاركة ونسبة الموافقة، التي من المنتظر أن تقترب من 90 بالمائة إن لم تتجاوزها.

وفي هذا الجو، أدت "نشوة" الحملة الانتخابية إلى انزلا قات في الخطاب السياسي وتصريحات عشوائية متضاربة أكدت عدم وجود أي انسجام بين أنصار ميثاق السلم باستثناء ولائهم للسلطة. فبينما يقول الرئيس بوتفليقة أن هناك خطوات أخرى لا بد منها في المستقبل، وأن الوضع الحالي لا يسمح باتخاذ كل الإجراءات مرة واحدة، قال الوزير الأول أحمد أويحيى أنه لا يمكن تقديم تنازلات جديدة في المستقبل.

وقال الوزير الأول كذلك أنه لم يكن أبدا "استئصاليا"، رغم أنه يبقى أبرز ممثل للتيارات التي كانت ترفض التفاوض مع الإسلاميين في السنوات الأولى للأزمة. أما أبو جرة سلطاني، رئيس حزب مجتمع السلم الذي يوصف أنه إسلامي معتدل، فإنه هدد علانية من لا يوافق مشروع المصالحة، حيث قال خلال مهرجان حضره مئات الأنصار أن الرئيس بوتفليقة سيعاقب من لا يصوت لصالح ميثاق السلم. وكان هذا التصريح كافيا لتحويل عملية استفتاء حول مشروع للخروج من الأزمة إلى مجرد ديكور يتم من خلاله فرض قرار اتخذته قيادة الجيش الحقيقة لتضمن لنفسها حصانة تامة.

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s