إستفتاء في الجزائر لإقامة سلطة مطلقة ومصادرة الديمقراطية

 

عابد شارف

 

إذا كان الاستفتاء يشكل عادة رمزا للعمل الديمقراطي، فإن الجزائر تمكنت من تحويل الاستفتاء إلى عملية تفتح الباب أما إقامة سلطة مطلقة. وهذا ما سيتأكد في نهاية الأسبوع مع الاستفتاء الذي سيتم تنظيمه غدا الخميس حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي اقترحه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وينص هذا الميثاق على عفو شبه شامل فيما يتعلق بأعمال العنف التي وقعت خلال ثلاثة عشر سنة، منذ أن لجأ أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العمل المسلح بعد إلغاء الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ في ديسمبر 1991. فمشروع الميثاق ينهي المتابعات القضائية ضد مرتكبي أعمال العنف، ويفتح الباب أمام إطلاق سراح المعتقلين، كما يسمح للقياديين الإسلاميين الموجودين في المنفى بالعودة إلى الجزائر. ومن جهة أخرى يقترح المشروع وضع حد لملف المفقودبن الذين تسبب الجيش وقوات الأمن في اغتيالهم، مقابل منح تعويضات مالية ومساعدات اجتماعية لأهاليهم. ويبلغ عدد المفقودين 7.000 حسب منظمات حكومية، إلى 15.000 حسب منظمات مستقلة لحقوق الإنسان.

ولا يستثني المشروع من العفو إلا مرتكبي المجازر الجماعية وجرائم الاغتصاب ومن تسببوا في تفجير قنابل في المراكز العمومية. لكن لم يتم لحد الآن أي تحقيق لتحديد هوية المسئولين عن مثل هذه العمليات، مما يؤكد أن العفو سيكون شاملا، علما أن المؤسسات الجزائرية، وخاصة القضاء، يبقى عاجزا عن القيام بالتحقيقات الضرورية لتحديد المسؤوليات.

بالمقابل، يفرض المشروع على المسئولين السابقين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التخلي عن أي نشاط سياسي. وقد وافق على هذا الاقتراح معظم القياديين الإسلاميين، سواء منهم الموجودين في الخارج مثل رابح كبير، أو الذين كانوا على رأس المجموعات المسلحة مثل مدني مزراق. وقد قام هذا الأخير بتنظيم تجمعات شعبية وجه خلالها نداء للمناضلين السابقين في حزبه بالتصويت لصالح المشروع. ورغم تحفظ عباسي مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الموجود حاليا في الخليج، ونائبه علي بلحاج المسجون حاليا، فإن التيار الإسلامي بصفة عامة يساند المبادرة، موافقا بذلك الجناح العسكري الذي خاض المعركة، والذي سيطر على الموقف على حساب الجناح السياسي في جبهة الإنقاذ.

وقد قاد الحملة لصالح ميثاق السلم والمصالحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نفسه، حيث ترأس تجمعات شعبية عديدة في مختلف مناطق البلاد. وساعده في العملية رؤساء الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي مثل عبدالعزيز بلخادم عن جبهة التحرير الوطني والوزير الأول أحمد أويحيى عن التجمع الوطني الديمقراطي. ومع ممر الأيام، تحول الاستفتاء إلى عملية مبايعة، حيث لم يبق أي شك حول نتيجة الاقتراع. ومن المحتمل أن تقارب نسبة المصادقة على مشروع الرئيس بوتفليقة 90 بالمائة، بينما ركز أصحاب المبادرة على نسبة المشاركة التي يريدونها عالية حتى تعطيهم التزكية الضرورية لاتخاذ مبادرات جديدة في الأشهر القادمة. وقد قال فاروق قسنطيني، رئيس لجنة حكومية مكلفة بملف المفقودبن، أنه سيتم إصدار حوالي 20 قانونا لتطبيق الأفكار التي يقترحها مشروع ميثاق السلم والمصالحة.

ولم تتمكن التيارات أو الأحزاب المعارضة أو المتحفظة عن المشروع أن تبدي رأيها خلال الحملة الانتخابية، ومن أبرزها جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها حسين آيت أحمد والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان برئاسة علي يحيى عبدالنور وعدد من الشخصيات مثل الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني عبدالحميد مهري. واحتكرت السلطة وسائل الإعلام وجندت وسائل الدولة لتنظيم الحملة، بينما لم تتمكن التيارات المخالفة من التعبير إلا بواسطة عدد قليل من الجرائد الخاصة. وقد كانت حجة المعارضين مبنية على عدد من الاعتبارات، منها رفض النسيان، وعدم اقتناعهم أنه يمكن بناء المستقبل على حساب الضحايا، وأن مشروع الميثاق يعطي حصانة لمرتكبي الجرائم ويشجع بذلك على ارتكاب جرائم في المستقبل، وأخيرا أن الميثاق يفتح الباب أمام حكم استبدادي ويقضي على الديمقراطية والحريات.

وفي هذا الإطار، فإن مشروع ميثاق السلم والمصالحة يحمل فكرتين أساسيتين. فمن جهة يمنع الميثاق أي استغلال سياسي للأزمة التي عاشتها الجزائر، ومن جهة أخرى، يكلف الرئيس بوتفليقة باتخاذ كل المبادرات التي يراها ضرورية لتطبيق الميثاق. ومن هذا المنطلق، فإن المتابعة القضائية لمرتكب عملية اغتيال تمت خلال السنوات الماضية ستصبح مستحيلة بعد المصادقة على المشروع. ولا يمكن كذلك متابعة أحد أعوان الدولة سواء كان في الشرطة أو الجيش أو المخابرات أو الميليشيات حتى ولو ثبت أنه شارك في عملية اغتيال أحد المفقودين. وبصفة عامة، فإن ملف سنين الإرهاب سيتم غلقه رسميا.

أما من الناحية السياسية، فإن الرئيس بوتفليقة سيفتح لنفسه بفضل مشروع الميثاق مجالا للتحرك بحرية أكبر رغم أن سلطته تكاد تكون غير محدودة منذ اختاره الجيش لرئاسة البلاد سنة 1999. فالنظام الجزائري لا يعرف الفصل بين السلطات، والبرلمان يصادق على كل اقتراحات رئيس الجمهورية، والقضاء أصبح جهازا من أجهزة السلطة. ولا توجد المعارضة إلا داخل السلطة نفسها، بين الدوائر التي تحيط برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات.

ومن هذه الزاوية، يظهر استفتاء 29 سبتمبر بصورة جديدة، فهو مبايعة من طرف الشعب لاتفاق تم بين الأطراف الفاعلة في السلطة، من رئيس الجمهورية وقيادة الجيش والمخابرات للخروج من المأزق. ويقضي هذا الاتفاق بإقرار عفو شامل يقوم الرئيس بوتفليقة بتطبيقه. ويحظى هذا الاتفاق بالشرعية الشعبية الضرورية بفضل الاستفتاء، لكن دون اللجوء إلى البرلمان والقوى السياسية المتواجدة في المجتمع.

ولما تدخل الجزائر مرحلة التطبيق العملي للاتفاق، ستقتصر المشاركة على نفس الأطراف الفاعلة في السلطة، علما أن الرئيس بوتفليقة يبقى مرتبطا بالأطراف التي سمحت له بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، والتي ستشاركه حتما في اتخاذ قرارات ما بعد الاستفتاء. والأولوية بالنسبة لهذه الأطراف، خاصة في قيادة الجيش، تتمثل في العفو لوضع حد للاتهامات الموجهة إليهم والمتعلقة بالقمع الذي عاشته البلاد خلال التسعينات. وأول ملف يهددهم هو ملف المفقودين، حيث أن تنظيمات حقوق الإنسان المعارضة للنظام تقول علنا أن اغتيال أكثر من 10.000 شخص من طرف أعوان الدولة لا يمكن أن يتم بصفة منعزلة، وبالتالي أن ذلك يشكل جريمة ضد الإنسانية لا يمكن إصدار عفو عنها.

وهذه أقوى ورقة يستعملها الرئيس بوتفليقة تجاه خصومه في قيادة الجيش. وقد قال عدة مرات أنه لن يسمح أبدا بالمساس بالمؤسسة العسكرية، وبرهن منذ وصل إلى السلطة أنه مستعد لتغطية أخطاء قيادة الجيش، وأنه سيواصل في هذا الاتجاه إذا سمحوا له بالبقاء في السلطة بعد انتهاء عهدته الحالية سنة 2009.

و تشكل هذه النقطة جوهر المفاوضات الحالية في أعلى هرم السلطة الجزائرية. فالدستور الحالي لا يسمح لبوتفليقة بعهدة ثالثة، ولا بد من تغيير الدستور إذا أراد أن يبقى في الرئاسة بعد 2009، مما دفع أنصاره مثل زعيم جبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم إلى التركيز على ضرورة تغيير الدستور مباشرة بعد الاستفتاء.

ومن الواضح أن الأوضاع ستتغير بعد استفتاء 29 سبتمبر. فإذا اتخذ الرئيس بوتفليقة التدابير الضرورية لتبرئة ذمة قيادة الجيش، لا شك أن هؤلاء سيوافقون بدورهم على فتح المجال له لعهدة رئاسية ثالثة. وسيحقق بذلك بوتفليقة تحالفا لا مثيل له، حيث أنه سيحظى بمساندة الجيش من جهة، والأحزاب الكبرى من جهة أخرى، والإدارة من جهة ثالثة، إلى جانب المجموعات المسلحة الإسلامية التي حاربت السلطة خلال التسعينات. وقد أكد مداني مزراق زعيم أكبر تنظيم مسلح وهو الجيش الإسلامي للإنقاذ هذا الأسبوع أنه سيساند بوتفليقة مهما كانت الظروف.

ومن الواضح أن بوتفليقة سيجد نفسه في موقع قوة لا نظير له مثلما أشار إليه زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي. فالوضع السياسي الجديد يسمح له بتجاهل كل معارضة تنادي بالديمقراطية. وأكثر من هذا كله، فإن بوتفليقة تمكن من بناء تحالف جديد يسمح له بإقامة حكم استبدادي انطلاقا من عملية استفتاء من المفروض أن تكون رمزا وانطلاقا للديمقراطية.

وقد عرفت الجزائر سابقة مماثلة في الماضي. ففي سنة 1991، انفجرت الأزمة في البلاد مع عملية انتخابية حرة فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مما دفع الجيش إلى وضع حد للمسار الانتخابي ودخول البلاد أزمة تميزت بسلطة مطلقة. واليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالجزائر تباشر استفتاء يفتح الباب أمام سلطة مطلقة لمرحلة جديدة.

ع.ش

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s