جزائر السلم وجزائر العزة والكرامة

استفتاء جديد ومشروع جديد… ورغم تعدد المواعيد مع صناديق الاقتراع، فإن حل الأزمة مازال ينتظر، ومازالت البلاد تبحث عن عزتها وكرامتها…

عابد شارف

 

مع اقتراب موعد الاستفتاء حول مشروع ميثاق السلم والمصالحة الذي يجري اليوم، زال الشك، وجاء وقت اليقين. ورغم احتكار أنصار الميثاق على الكلام والخطاب، فإن المعطيات السياسية تبلورت مع مرر الأيام، كما أن ملامح النتائج المحتملة لهذا المشروع أصبحت أكثر وضوحا.

أما عن الشكوك التي زالت، فإنها عديدة. فلم يبق أي شك حول نتيجة الاستفتاء، اللهم إلا فيما يتعلق بنسبة المشاركة وحجم الموافقة على مشروع الرئيس بوتفليقة. ومن المنتظر أن يبلغ هذا الرقم 90 بالمائة أو أكثر، وهو ما يتمناه رئيس الجمهورية ليقول أن الشعب الجزائري بأغلبيته الساحقة يوافق مسعاه من أجل الصلح ويعطية صكا على بياض لاتخاذ ما يريد مت مبادرات.

وقد زال الشك كذلك حول معنى الاستفتاء، فقد تحولت عملية 29 سبتمبر إلى مبايعة، حيث أن الأصوات المعارضة أو المتحفظة تجاه مشروع الميثاق غابت بصفة شبه كاملة. ولم يتكلم معارضو الفكرة إلا بالحجم الذي يسمح للسلطة أن تقول أنها لم تمنع خصومها من التعبير، وأن الجرائد كانت مفتوحة أمامهم. وتأكد من خلال الحملة الانتخابية أن الديمقراطية مازالت غريبة في البلاد، وأن أصحاب الرأي المخالف لا يجدون مجالا للكلام والتحرك والنشاط السياسي بصفة مقبولة.

كما تأكد كذلك أن الاستفتاء لا يشكل بالضرورة عملية ديمقراطية، بل أنه يمكن أن يؤدي إلى إقامة نظام مستبد مثلما اعتادت عليه أنظمة الحزب الواحد، ومثلما اعتادت عليه البلدان العربية. فالعملية الانتخابية لوحدها ليست كافية للتأكيد على وجود الديمقراطية، التي تتطلب تحضيرا طويلا يتم من خلاله تحرير المؤسسات والإدارة والأحزاب والمواطن. والنتائج التقنية لعملية انتخابية لا معنى لها إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المناخ السياسي وإمكانية التنظيمات السياسية من التحرك لمدة طويلة لفرض وجودها في المجتمع. ولا أحد يؤمن أن صدام حسين كان ديمقراطيا رغم أنه فاز بما يقارب مائة بالمائة من الأصوات في آخر انتخابيات رئاسية بالعراق، كما أن لا أحد يؤمن أن الاستفتاء حول الدستور العراقي سيكون حرا مادام يجري تحت حماية قوى الاحتلال.

وأنهت الجبهة الإسلامية للإنقاذ ما تبقى من شكوك حول انسجام صفوفها. فبينما عبر عباسي مدني وعدد من الذين يقال عنهم السياسيين عن تحفظه تجاه مشروع بوتفليقة، اختار أفواج كبيرة من الفيس مساندة مشروع المصالحة. ولم تقتصر المساندة على السياسيين مثل رابح كبير، بل توسعت إلى الجناح العسكري الذي أبدا حماسا لا مثيل له. وتكلم مدني مزراق كثيرا في الأسابيع الماضية باسم الجيش الإسلامي للإنقاذ ليؤكد أنه يساند السلطة ولو كانت من الأرندي…

كما أكد هذا الموقف سيطرة "السلاح" في البلاد. ففي صفوف الإسلاميين، انتهى عهد السياسيين ولم يبق مكان إلا للذين استعملوا السلاح، حيث أنهم سيطروا على الموقف واحتكروا الكلام باسم الإسلاميين خلال الحملة الانتخابية، وذلك بحجة شرعية الحرب. أما في صفوف السلطة، فإن كل ما صدر من كلام كان يهدف بالدرجة الأولى إلى تبرئة ذمة الجيش ومختلف مصالح الأمن، خاصة فيما يتعلق بملف المفقودين. ورغم أن منشطي الحملة الانتخابية يحملون بذلة عسكرية، إلا أنهم أكثر عسكرة من العسكريين.

هذا عن الشكوك التي زالت. أما عن الأسئلة التي تفرض نفسها على الساحة السياسية مع ميثاق السلم، فإنها عديدة لا تحصى. والمشروع نفسه يطرح أسئلة جديدة أكثر مما يأتي بأجوبة حول مستقبل البلاد. فهو من جهة يطرح مبادئ عامة ويعطي للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كل الصلاحيات لتطبيقها ميدانيا بإصدار قوانين أو مراسيم أو قرارات مختلفة. ولا أحد يعرف اليوم كيف سيتصرف الرئيس بوتفليقة في الموضوع مع العلم أنه سيجد نفسه مضطرا إلى مراعاة "الموازين’ الداخلية للسلطة.

ومن جهة أخرى، فإن ميثاق السلم يعطي حصانة لمن ارتكبوا جرائم في حق المواطنين، كما يمحو ما تم ارتكابه من أعمال خارجة عن القانون من طرف أعوان الدولة، وبالأخص ما يتعلق بملف المفقودين. ولا أحد يعرف ماذا سيكون أثر مثل هذا القرار على المجتمع الجزائري بصفة عامة وعائلات الضحايا بصفة خاصة. كما أن لا أحد يستطيع اليوم أن يضمن أن الجزائر ستستطيع أن تبني مستقبلا إذا اختارت أن تتجاهل مثل هذه الجرائم.

وإذا كان الميثاق يضمن عدم المتابعة القضائية تجاه مرتكبي الجرائم، فهل سيكون ذلك كافيا فعلا لحماية هؤلاء؟ فالكل يعلم مثلا أن من ارتكب جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن يحصل على أي شكل من أشكال العفو. كما أن الجزائر قد أمضت عددا كبيرا من المعاهدات الدولية التي تفرض مبدئيا عدم نسيان هذه الملفات. وهناك من جهة أخرى عدة مبادرات في عدد من البلدان الغربية تسمح بمتابعة مرتكب جريمة في بلد غير بلده. وأخيرا فإن الظروف السياسية الحالية في الجزائر والتوازنات في صفوف السلطة لا تسمح بمتابعة عدد من المسئولين في الدولة وفي المجموعات المسلحة. ولكن ما الذي يضمن أن الظروف لم تتغير وأن متابعة هؤلاء ستصبح ممكنة يوما ما سواء في الجزائر أو في الخارج؟

ويبقى سؤال آخر أساسي مطروحا في الساحة السياسية بعد مبايعة مشروع الرئيس بوتفليقة: هل سيفتح هذا المشروع مرحلة جديدة للبلاد تتميز بانتصار الديمقراطية والحريات، أم أنه سيبقي على النظام الحالي، أو سيؤدي إلى تراجع في ميدان الحريات؟ وفي هذا الميدان فإن الشكوك قليلة جدا. فالبلاد عاشت مرحلة صعبة أدت إلى انهيار المؤسسات والقيم، وتراجع روح المواطنة، وعدم احترام فكرة الصالح العام.

إضافة إلى ذلك، لم تبق أية هيئة أو مؤسسة تشكل سلطة مستقلة عن رئاسة الجمهورية. والرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يجد نفسه حرا للقيام بأية مبادرة تخدم مصالحه ومصالح السلطة بشرط واحد فقط وهو أن يقنع الأطراف الأخرى في السلطة. وفي هذا الظرف، اختار بوتفليقة أن يطلب من الشعب أن يعطيه سلطة جديدة إضافية ليتصرف مثلما شاء للخروج من المأزق. ولا يمكن أن نرى في مثل هذه المبادرة نزعة نحو الديمقراطية وتشجيع الحريات، بل أنها خطوة جديدة لتكريس نظام مستبد لا سلطة للشعب عليه.

وهذا ليس شكا. إنه يقين. أما الشك، فإنه يتعلق بنقطة أخرى وأخيرة: هل سيستطيع هذا النظام أن يتجاهل الشعب إلى الأبد؟ وما العمل ليتحرك الشعب ويأخذ المبادرة ليفرض على النظام التغييرات الضرورية حتى يسترجع حرياته وكرامته، ويعيد بناء "جزائر العزة والكرامة"؟

ع.ش

  abc@wissal.dz

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s