العار يقضي على التضامن في الغرب العربي

 

فضيحة اللاجئين الأفارقة في المغرب أكدت فشل المغري العربي وانهيار القيم السياسية والأخلاقية الكبرى مثل الأخوة والتضامن والعطف على الضعيف…

 

عابد شارف

 

 

تخلت بلدان المغرب العربي عن فكرة "الزلط والتفرعين"، لتتبنى مبدأ جديدا يمكن أن نلخصه في عبارة "الفقر والعار". فكانت شعوب هذه المنطقة حسب ما جاء في كتب التاريخ تدافع وتحافظ على شرفها وعرضها قبل الخبز والحياة. لكن حكام هذه البلدان حولوا التاريخ إلى خرافات، حيث غاب "النيف"، وسقط الحياء، وأصبحت الهرولة جرأة، و"الرخس" دليلا على الفطنة السياسية، وإهانة الفقراء شجاعة. وأصبحت بلدان الغرب العربي تعيش اليوم تحت أنظمة تحسب حسابات غريبة أدت بها إلى القضاء على مشاعر العطف والأخوة والتضامن، واللجوء إلى المناورات التي تضمن لكل حاكم أن يبقى في عرشه.

وإذا كان من الضروري أن يبدأ المؤمن بنفسه، فيجب أن نذكر أن الجزائر تخلت عمليا عن معظم المبادئ التي صنعت شخصيتها الوطنية، سواء بقرارات سياسية كبيرة أو بتصرفات أدت إلى تراكم التنازلات يوما بعد يوم لتتنازل البلاد في نهاية المطاف عن جزء كبير من سيادتها. ولن نذكر هنا إلا الميدان الاقتصادي لنتأكد من ذلك.

فالجزائر أمضت اتفاقا مع المجموعة الأوربية يؤدي عمليا إلى انهيار جزء كامل من الاقتصاد الوطني، وذلك دون مقابل لأن الجزائر تبقى تبيع البترول والغاز وبعض الكيلوغرامات من التمر، وتستورد كل الباقي. ولا يمكن لأي مسئول عن هذا الملف أن يذهب إلى التلفزيون في مواجهة حرة ليقنع الجزائريين أن القرار ناجع. وتستعد البلاد للانخراط في المنظمة العالمية للتجارة دون أن يستطيع أحد أن يعطي فكرة عن النتائج الحقيقية لهذا القرار على اقتصاد البلاد.

وإذا كان هذا غير كافي، يمكن أن نذكر قانون المحروقات الجديد الذي قال عنه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أنه مفروض علينا من الخارج. فلا يوجد أي مبرر اقتصادي لهذا القانون، بل أن العديد من البلدان التي يقال عنها أنها صديقة لأمريكا مثل دول الخليج لم تذهب إلى ما ذهبت إليه الجزائر من تنازلات.

وجاء هذا المسار موازيا مع الخيارات التي توجهت إليها ليبيا وزعيمها معمر القذافي، حيث أقام هذا الأخير صلاة الجنازة على المبادئ الثورية، وكتب قصائد شعرية ليرثي الوحدة العربية، وأقام النواح على التضامن الإفريقي، وتجاهل بصفة شبه مطلقة بغداد والفلوجة. وأصبحت طرابلس تستقبل أكبر المسئولين لإيطاليين والإنجليزيين وغيرهم من الذين مازالت أسماؤهم ترمز إلى مآسي المغرابة والعرب بصفة عامة.

وبجوار الأخ الزعيم البطل، مازالت تونس تعتبر الابن المدلل للرأي العام الأوربي. واكتفى النظام التونسي بالقضاء على كل مظاهر الحرية تحت غطاء مكافحة الإرهاب ليصبح الصديق المفضل للعواصم الأوربية. وأهان النظام التونسي شعبه ليركع أمام الآخرين.

أما المغرب، وإضافة إلى قضية الصحراء الغربية، فإنه أضاف العار إلى الفقر. وأكدت فضيحة الأفارقة الذين يحاولون دخول إسبانيا انطلاقا من التراب المغربي أن الرباط مستعدة للذهاب إلى أقصى حد في إهانة من هو أضعف من المغارية لإرضاء من هو أقوى منهم. ولم يجد المغاربة إلا هؤلاء المعذبين في الأرض الذي أرادوا الفرار من جحيم بلدانهم بحثا رغيف ليتعاملوا معهم بطريقة أسوأ من معاملة اليمين المتطرف الفرنسي مع العرب.

ووجدت السلطات الجزائرية والمغربية فرصة لتلعب البينغ بونغ بالعباد. فالشركة الحدودية الجزائرية تعرف أن هؤلاء البؤساء يعبرون الحدود بطريقة غير شرعية للتوجه إلى المغرب والاقتراب من سبتة ومليلة، ومن هناك المحاولة لعبور البحر نحو الجنة الأوربية. أما السلطات المغربية، فإنها تعرف أن هؤلاء وصلوا التراب المغربي عبورا من الجزائر، فجمعوهم مثل حشرة "القرلو" ورموا بهم في الصحراء لعل العطش يقضي عليهم إن لم يتمكنوا من العودة إلى الجزائر.

وتأكد الفشل المغاربي مرة أخرى مع هذه الأزمة التي نشبت قرب حدود مغلقة بين بلدين يؤكد القادة في كل منهما أنهما بلدان شقيقان. وعجز البلدان في التعامل مع أزمة اللاجئين حيث اكتفى كل من المغرب والجزائر بالمناورات والقرارات المهينة، ولم يتغير الموقف إلا بعد تدخل الرأي العام الأوربي ليؤكد حجم الفضيحة. ومن كانت له بعض الشكوك تأكد مرة أخرى أن سلطات المغرب والجزائر لا تخضع لرأي شعوبها ولا إلى المبادئ الإنسانية، لكنها تستجيب بسرعة لضغوط البلدان الأوربية.

وكان من المفروض أن تظهر قضية اللاجئين كفضيحة أوربية بالدرجة الأولى، لأن هذا العالم الغني الذي تمكن من القضاء على جدار برلين قد أقام جدارا جديدا ضد بؤساء العالم، واتخذ قرارات موحدة لمحاربة "القرلو" القادم من الجنوب بصفة جماعية، مؤكدا بذلك أن المبادئ التي يتغنى بها من احترام الإنسانية والتضامن وحقوق الإنسان لا تنطبق على المعذبين في الأرض.

لكن القادة الجزائريين والمغاربة تمكنوا من تأميم الفضيحة التي أصبحت مغاربية. ويظهر اليوم أن المتهم عربيا إفريقيا، بعد أن كان أوربيا. وأصبحت البلدان المغاربية تتحمل عبء البلدان الأوربية حيث أنها مطالبة اليوم بالتحكم في حدودها وعدم السماح لهؤلاء الذين ظلمتهم الحياة أن يصلوا إلى السواحل الأوربية. وعلى بلدان المغرب العربي أن تطور شرطتها وسجونها وتقوم بعملية تحويل اللاجئين إلى بلدانهم لتعفي أوربا من هذه الأعمال الشاقة.

هذا مغرب العار الذي برز مع نمو العنصرية التي انتشرت في الجزائر تجاه الأفارقة. وكل المؤشرات تؤكد أن مستقبل العار مضمون عندنا مادام الحكام المغاربة لم يتوصلوا إلى الاتفاق على حد أدنى للدفاع عن مصالحهم وشرفهم. وكيف يستطيع قادة المغرب العربي أن يقوموا بأي مبادرة إيجابية بعد أن عجزوا عن فتح الحدود بينهم، بل أنهم أقاموا جدارا بينهم رغم أن التاريخ يشهد أن الحدود بينهم لم يكن لها معنى يذكر.

 

 

 

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s