الفقير يفضل الخبز على الفن الفن

الفن

 يعطي نكهة للحياة. لكن الفقر يقتل الفن، ويعطي الأولوية للخبز، مثلما تؤكده مدينة جليدة، بولاية عين الدفلى

 

عابد شارف

أهل جليدة لا يعرفون الفن. إنهم أعراب يطغى عليهم طابع البداوة، يرعون أغنامهم وأولادهم على حد سواء. إنهم ينتمون إلى تلك الشعوب التي لم تدخل الحضارة بعد، ولم تكتشف الإبداع، ولا تعرف قيمة الفنان. إن سكان جليدة ينتمون إلى تلك الشعوب المتأخرة التي تؤمن أن حسن النية أشرف من المال، وأن غنى القلب أفضل من البورصة. وكيف يمكن لقرية جليدة أن تدخل الحضارة وهي التي لا توجد على شاطئ البحر، ولا يوجد فيها بترول ولا مسئولون كبار. جليدة ليست مدينة، حيث لم تكتمل فيها صفات المدينة إذا أخذنا بعين الاعتبار الجانب العمراني والتكامل الاجتماعي والانسجام الاقتصادي الذي يتوفر في المدن العريقة. إنها خليط من السكان الأصليين وآخرين جاء بهم النزوح الريفي سنوات الجحيم. إنها نقطة التفت حولها مجموعة من السكان، ثم جاءت البيروقراطية، إلى أن اكتمل الوضع مع وصول الرموز التقليدية لقوة وعظمة الدولة، مثل الشرطة والدرك. وحاول بعض أهل الأدب والفن أن يغيروا الوضع ذات يوم، فذكروا تلك الحسناء التي جاءت من مكان بعيد واختارت أن تصبح فلاحة (بتشديد اللام)، تزرع الأرض وتربي الحيوان وتعتني بأشجار تثمر برتقالا عجيبا، لكن لم يبال أحد بهذا الخطأ، وبقيت حيث تحولت الغريبة بدورها إلى امرأة ريفية هي الأخرى. ومن الطبيعي أن قرية مثل هذه لا يمكن أبدا أن تسمو إلى مستوى يسمح لها أن تفهم قرار السلطات المحلية التي فكرت في زرع الثقافة والفن والإبداع في جليدة. وبمناسبة هذه السهرات الكريمة من شهر رمضان، شرعت الإدارة المحلية في تنظيم تلك السهرات الفنية المملة التي تمجدها صحافة القطاع والعام ويحضرها مسئولون رسميون يرتدون "كوستيم كرافاط" costume-cravate وبعض الأرامل وجيوش من الأطفال، لتضعها مديرية الثقافة في حصيلتها الشهرية. ماذا كان رد سكان جليدة أمام مبادرة البيروقراطية لتنظيم السهرات؟ بطبيعة الحال، نزل القوم بعصيهم مثلما نزل المغول على بغداد، فكسروا المدينة وحاصروا الفنانات، ولعنوا الشيطان الذي أراد أن يكسر حرمة المدينة وشرفها. ولحسن الحظ أن الإسلاميين لم يشاركوا في الغزوة هذه، مما غلق الباب أمام الصحافة التي تتهم عادة "الظلامية" وأهلها بمحاربة تطور الفن في البلاد. أما هؤلاء الشباب الذين ارتكبوا الجريمة ومنعوا تنظيم الحفل الرمضاني البهيج، فإنهم كانوا يطالبون بالخبز والعمل. صحيحا أن أغلبيتهم الساحقة بطالون، وأن الكثير منهم كانوا ينتظرون من الدولة أن تعطيهم منحة الدراسة التي أقرتها الدولة لكن البيروقراطية المحلية منعتها عنهم، مما يدفع الأطفال إلى رعاية الغنم في الصيف أو العمل في حقول الدلاع والبطيخ لشراء الكتب المدرسية. صحيحا كذلك أن جليدة، بولاية عين الدفلى، لا تتوفر على أية فرصة للعمل، وأن الشباب فيها سواء كان جامعيا أو جاهلا فإنه لا يجد إلا الهجرة أو العنف كأفق للحياة. ولا يمكن لمثل هؤلاء الصعاليك أن يفهموا كبرياء دولة تقترح عليهم الفن إذا كان طموحهم الوحيد في الحياة يقتصر على الخبز. لكن عند هذا القوم الذي لا يكسب ذوقا فنيا ولا يعرف الإبداع ولا ينطرب لسماع البندير ومتابعة الشطاحات، فإن الخبز يبقى الدافع الوحيد الذي يحركهم ويدفعهم إلى قطع الطريق والاعتصام. فبعد جليدة، جاء دور قرية العطاف التي اعتصم أهلها من الأعراب والريف من الدواوير المجاورة ليطالبوا بدورهم بمنحة المدرسة. والعطاف هي كذلك شبه مدينة تجمع خليطا من الفقراء الذين يعيشون الفقر صباحا ومساء، خاصة في تلك المناطق البعيدة على حواشي جبال الونشريس والأرياف التي لا تثمر إلا الحرمان والإرهاب. وقد جاء المئات من سكان الأرياف إلى المدينة ليطالبوا الدولة أن تدفع لهم 2.000 دينار للطفل الواحد، وأمام غياب أي سلطة تحاورهم، كسروا المدينة واعتدوا على رموزها. وقد غاب الحياء تماما عند هؤلاء، ونسوا "النيف" والشرف، وتخلوا عن كل شيء ليطالبوا بمبلغ لا قيمة له، مبلغ 2.000 دينار. ولم يفهم سيادة المسئول الكبير في الدولة كيف يمكن لهؤلاء أن يعتصموا للمطالبة بمبلغ بخص مثل هذا، مع العلم أن السيد المسئول يكرس كل جهده من أجل تحسين معيشة هؤلاء، وهو يفكر في مشروع ضخم لإعادة النازحين إلى أريافهم ليعودوا إلى محيطهم الطبيعي بالقرب من حيواناتهم، في انتظار أبنائهم الموجودين في السجن بسبب مشاركتهم في أعمال العنف… هذا ما يحدث في الجزائر الأخرى، جزائر الفقر والبؤس والحرمان، تلك الجزائر البعيدة عن نادي الصنوبر والأحياء الراقية في العاصمة، تلك الجزائر التي عانت الإرهاب والتي اعتادت الصحافة ألا تتكلم عنها إلا إذا ثارت أو إذا مات أهلها بسبب الإرهاب. ولا تصدقوا أن جليدة مدينة من مدن عين الدفلى، أو أن العطاف قريبة منها. هذا خطأ، بل كذب، لأن كل قرى الجزائر تعيش نفس المآسي التي عاشتها جليدة.

ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s