الديمقراطية، الإهانة والانتحار

مواجهة أمريكا خيار صعب يدفع إلى الانتحار. والخضوع لشروط أمريكا يؤدي إلى الإهانة. فهل من خيار ثالث؟

عابد شارف

نشب جدال بين مصر والولايات المتحدة حول المساعي الأمريكية الرامية إلى دفع البلدان العربية نحو الديمقراطية. ولم تتردد واشنطن في اتهام القاهرة بتدمير منتدى دولي حول الديمقراطية في الشرق الأوسط لأن مصر منعت الندوة من الموافقة على تصريح نهائي. وكانت الوزيرة الأمريكية للخارجية قد شاركت في هذا اللقاء الذي تم تنظيمه في المنامة تحت الرعاية الأمريكية، مما أعطاه طابعا مميزا. ورد وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيث أن هذه الاتهامات باطلة، وأكد أن مصر لم تشارك في صياغة البيان النهائي، مما يبرئها من أية تهمة، خاصة فيما يتعلق بنقطة اعتبرها الأمريكيون أساسية وهي التي تتعلق بتمويل المنظمات الحكومية. ويوحي هذا الجدال من جهة أن أمريكا تعمل بجد لدفع البلدان العربية والإسلامية التي يسودها الظلام الفكري إلى دخول عالم الحريات، خاصة بعد أن أعلنت واشنطن عن مشروع شامل تبناه الرئيس جورج بوش نفسه من أجل الإصلاحات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما يوحي من جهة أخرى أن مصر والبلدان العربية الأخرى تعمل بدورها من أجل التفتح على العالم ودفع الحريات وتكريس الديمقراطية. ولا مجال هنا للحديث عن واقع الأنظمة العربية، لأن تعاملها تجاه الديمقراطية معروف، وتصرفها في ميدان الحريات واضح. إنها تكاد ترفض الديمقراطية "جملة وتفصيلا"، بل، كما قال أحد المفكرين، "لا تكتفي برفضها بل تحاربها بجد". لكن ما يلفت الانتباه هو موقف أمريكا. فهي تعمل وراء واجهة ديمقراطية إلى فرض سياسية تدفع البلدان العربية إما إلى الخضوع والإهانة، أو إلى الانتحار الجماعي. وسنذكر سلسلة من الأمثلة لهذا السلوك الذي وضع البلدان العربية في مأزق مطلق. أول مثل هو العراق. فموطن الجاحظ وهارون الرشيد دخل بمساعدة أمريكية في حرب مدمرة ضد إيران، ثم ارتكب خطأ تاريخيا تمثل في احتلال الكويت. بعد ذلك، فرضت عليه أمريكا احتلالا مدمرا وحصارا بشعا، واتهمته بكل التهم، منها أنه يكسب أسلحة دمار شامل. وفي البداية، حاول نظام صدام حسين المواجهة ففشل. ثم حاول أن يتصرف مثل الآخرين، ويقدم كل التنازلات، ويقبل كل شروط أمريكا، ويدمر بنفسه كل أسلحته. لكن رغم كل ذلك، فإن أمريكا لم ترض عنه، وحطمته واحتلت العراق. ومهما تغير تصرف العراق، فإن النتيجة لم تتغير، لأنها كانت مسطرة منذ البداية بالنسبة لأمريكا التي كانت تبحث عن ديناميكية تدفع العراق إلى الانتحار. ولعل نفس المصير ينتظر سوريا، سواء تعاملت مع الأمم المتحدة في إطار التحقيق حول اغتيال الوزير الأول اللبناني الأسبق رفيق الحريري أم لا. فإذا رفضت دمشق أن تركع، فإنها ستجد نفسها أمام ضغط أمريكي متزايد لا يستثني فكرة الاحتلال وتدمير البلاد. وإذ خضعت للضغوط الأمريكية، فإنها ستجد نفسها أمام مطالب جديدة تفرض عليها تنازلات أخرى، إلى أن تقبل كل الشروط الأمريكية بما فيها الاعتراف بإسرائيل دون مقابل. هذا ما وقع بالنسبة للعديد من البلدان مثل مصر وليبيا وغيرها. فليبيا مثلا قد نسيت الخطب الثورية لزعيمها معمر القذافي، وطوت صفحة الثورة، وسكتت عما كانت تندد في الماضي. بالمقابل، حصلت على تزكية غربية جعلت طرابلس عاصمة يزورها القادة الغربيون الموقرون، من طوني بلار إلى أعلى مسئول أمريكي. وسواء بالنسبة لمصر أو ليبيا أو غيرها، لم تقم واشنطن بأية مبادرة يمكن أن تساعد عمليا إلى توسيع مجال الحريات. فأمريكا تفضل بقاء أنظمة مستبدة تستطيع أن تضغط عليها لضمان حماية المصالح الأمريكية، كما تفرض عليها الخيارات التي تريدها واشنطن. وكلما زاد استبداد النظام القائم في بلد ما، كلما زاد خضوعه لأمريكا إذا أراد أن يتجنب المصير العراقي. ولا تبالي البلدان الغربية أبدا بالوضع الحقيقي للحريات والديمقراطية، فهي تكتفي بالخطاب لتبرئ ذمتها أمام الرأي العام الغربي. ففضيحة المهاجرين المغربة لم تتحول إلى فضيحة إلا بعد أن تبناها الرأي العام الأوربي بواسطة المنظمات غير الحكومية. وفي نفس الوقت فإن أوربا تدفع بلدان شمال إفريقيا إلى إهانة أكبر حيث تطلب منها عدم السماح لهؤلاء الأفارقة بالاقتراب من أووربا مقابل مساعدات مالية ومساندة سياسية. ولا تتطرق تلك البلدان إلى انتهاكات حقوق الإنسان إلا مضطرة. فالكل يعرف مثلا أن تونس أصبحت تشكل سجنا كبيرا لا مجال فيه للحريات. لكن ذلك لم يدفع الأمم المتحدة –أو الولايات المتحدة، لا نعرف بالضبط من صاحب القرار- إلى تنظيم ندوة حول الانترنت في تونس. ولم تنتقد أية حكومة انتهاك الحريات في بلد الحبيب بورقيبة إلا بعد الاعتداء على صحافيين غربيين مما اضطر فرنسا إلى الخروج من صمتها والاحتجاج باحتشام. أما أمريكا فإنها اختارت أسلوبا آخر حيث انتقدت تونس بهدف دفع نظام زين العابدين بن علي إلى تقديم تنازلات جديدة مثل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. ونبقى نبحث في الكتب والجرائد عن مساعدة أمريكية تم تقديمها يوما لبلد عربي إسلامي كان في طريق الإصلاح والتفتح، فلا نجد لها أثرا. ومازلنا نبحث لنزيل الشك. وكلما أكلنا البحث فإننا نجد أن أمريكا دولة قوية تمكنت من وضع البلدان العربية أمام أحد الخيارين، الخضوع أو الانتحار. وسيبقى هذا المنطق منتصرا إلى أن نفهم أن لنا خيار آخر، خيار يبقى اليوم ممنوعا من طرف تحالف بين أمريكا والأنظمة القائمة، لكن خيار لا مفر منه لمن أراد أن يحافظ على شرفه دون أن يحكم بلاده: إنه الخيار الديمقراطي الذي تتبناه قوى سياسية من البلدان العربية. ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s