فشل نابليون وعنترة أمام روراوة وقيدوم

 

تعددت الحروب، وتعددت نظريات الحرب… لكنها فشلت في دراسة حرب من نوع خاص ظهرت في الجزائر.

 

عابد شارف

 

إنها حرب طاحنة، حرب لن تنتهي إلا يوم القيامة. حرب لا تهدف إلى احتلال بلد أو الاستيلاء على ثروته النفطية، كما أنها لا تشبه الحرب الباردة ولا الحرب ضد الإرهاب. إنها حرب لم يدرسها الخبراء والعلماء لأن علمهم ليس كافيا ليسمح لهم أن يتفقهوا مراحلها وطرقها. حرب لم يخوضها قيصر ولا خالد بن الوليد، ولا يحسن فنها نابليون ولا عنترة. حرب لا يتم من خلالها احتلال قلاع وتنظيم عمليات عسكرية وكمائن. إنها حرب تدفعنا إلى اعتبار الداحس والغبراء مجرد  »لعب ذراري ».

إنها الحرب الجزائرية التي اندلعت منذ مدة بين عملاقين، السيدان محمد روراوة، رئيس الفدرالية  الجزائرية لكرة القدم، ويحيى قيدوم، وزير الرياضة. حرب تشرح لنا ظاهرتين غريبتين انتشرتا في الجزائر، أولها انيهار القيم، وثانيها التمسك بمصالح شخصية ثانوية حتى لو أدت إلى انهيار البلاد والعالم معه.

فالسيد محمد روراوة قد برهن على قدراته. إنه رجل تمكن من دفع كرة القدم الجزائرية إلى نقطة الصفر، بل إلى ما هو أدنى من الصفر. إنه تمكن من عدم تأهل الفريق الوطني للدورة النهائية لكأس إفريقيا للأمم، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من ربع قرن. إنه اجتهد وتمكن أن يصل إلى طريقة تسمح له من عدم استعمال أموال أهدتها له الفيدرالية الدولية لكرة القدم بهدف إقامة مقر جديد ولائق لصالح الفدرالية، فأعاد تلك الأموال لأهلها. إنه استطاع أن يصل إلى رأس "الفاف"، ويبقى في منصبه رغم انتشار العنف في الملاعب والرشوة بين اللاعبين والمسيرين. وأكثر من هذا كله، فإنه استطاع أن يقصي الآخرين ويقضي عليهم، سواء كانوا مسئولي الفرق الوطنية أو إطارات مختلف الهياكل، ويتهمهم بكل التهم، ويبقى هو في المنصب. وفي نهاية المطاف، عاد الأستاذ روراوة، أعطي تقييما لعمله، واعتبر أن واجبه الوطني يفرض عليه أن يترشح مرة أخرى، لعله يجد شيء ما لم يقضي عليه في الماضي فيقضي عليه في العهدة القادمة.

وقال محمد روراوة أنه يتحمل مسئوليته كاملة ولوحده. لكنه استخلص نتيجة غريبة من هذا الموقف. فبينما كان المتتبعون للساحة الرياضية ينتظرون منه أن يستقيل، ويطلب العفو من الجزائريين عامة والرياضيين خاصة، اختار أن يترشح لعهدة ثانية. وشرع في تجنيد أنصاره من رؤساء الفرق والرابطات الرياضية في انتظار القرار الذي سيأتي من أهل الحل والربط.

وفي الجهة المعادية، قرر البروفيسور يحيى قيدوم أن يقضي على محمد روراوة. ولما رأى أن القانون لا يسمح له من عزل رئيس فدرالية كرة القدم، قرر أن يغير القانون ليمنع روراوة من الحصول على عهدة الثانية. ومن المعهود في الجزائر أن تقوم السلطة بتغيير القانون إن لم يرضها، كما تؤكد ذلك المحاولات التي يقوم بها أنصار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لتغيير الدستور لفتح الباب أمامه لعهدة ثالثة. ويظهر روراوة وكأنه مسكين حيث أنه لا يريد إلا عهدة ثانية فجاء قيدوم ليحسده عنها.

ولم يكتف قيدوم بذلك بل ذهب إلى القول: "إما أنا، إما هوما". ورغم غضب الأطراف الأخرى، ورغم تحفظ الفدرالية الدولية لكرة القدم التي لا تقبل تدخل السياسية في الرياضة، ورغم الرياح والإعصار، بقي قيدوم مصمما متمسكا بموقفه وكأنه طارق بن زياد عشية فتح الأندلس.

والحقيقة أن قيدوم لم يجد مساندة كبيرة، باستثناء حاشيته والدوائر البيروقراطية المقربة منه وبعض الجهات التي كانت في مواجهة مع روراوة من قبل. فالوزير لا ينتمي إلى الشبكات التي تتحكم في الرياضة، ولا يمكنه أن يجند لأن الكثير يعتبرون أنه جاء إلى الميدان لمدة محددة ثم سيرحل بينما روراوة سيبقى في المكان إلى يوم الدين. إضافة إلى ذلك، فقد اشتهر الوزير بقراراته العشوائية، خاصة تلك المتعلقة بعزل الإطارات، مما دفع إلى ظهور تضامن أهل الرياضة ضده.

ولا يمكن أن نتهم الوزير أو رئيس الفدرالية أنه درس الوضع، واستخلص العبرة، وأنه وضع مخططا لرفع مستوى الرياضة. فقد برهن محمد روراوة أن فشله أعظم من فشل الجيش الفرنسي سنة 1940. ومن جهته، فإن يحيى قيدوم يظهر مثل ذلك "الكاو بوي" cow-boy " الذي يشهر مسدسه في الشارع و"يقرص" على كل من تحرك، إلى يقضي عليه من هو أقوى منه.

ولما تندلع حرب بين شخصيتين من هذا النمط، فلا بد أن تكون الحرب من نوع خاص، وتكون النتيجة كذلك من طراز لم يعرف له مثيل. فالحرب هذه ستكون لها نتيجة واحدة ممكنة: سينتصر الطرفان، سواء بالبلقاء في المنصب، أو بتحويل أحدهما ليحتل وزارة أخرى أو يصبح سفيرا، بينما تنهزم القضية التي يتصارعان من أجلها. وكورزويتس Clauzewitz نفسه لم يدرس مثل هذه الحرب، لأنه يعرف الحروب التي يموت فيها الناس لتنتصر القضية، لكنه لا يعرف الحروب التي ينتصر فيها الناس وتموت القضية.

ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

3 Commentaires

  1. Unknown

     /  10 novembre 2008

    cheap wow power leveling
    cheap wow power leveling
    cheap wow power leveling -440140557481208

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s