البترول، الديمقراطية والاحتلال

ثروة العراق النفطية تنهب لأن العراف محتل. وثروة الجزائر النفطية ستنهب…
عابد شارف

قالت منظمة بريطانية غير حكومية في تقرير نشرته بداية الأسبوع أن الشركات البترولية التي دخلت العراق ستحصل على مبالغ خيالية بفضل الاتفاقات التي يتم حاليا التفاوض حولها مع السلطات العراقية. وأكدت منظمة "بلاتفورم" plateform أن هذه الشركات ستحصل على مبالغ تتراوح بين 74 و 195 مليار دولار خلال السنوات القادمة بفضل اللجوء إلى عقود تقضي بتقاسم الإنتاج في الحقول النفطية التي يتم التنقيب عنها.
وأكدت المنظمة أن الشركات البترولية "تستغل عدم الاستقرار في العراق لتضغط عليه وتحصل على شروط مواتية جدا وتفرض هذه الشروط على العراق لمدة عشريات طويلة". ولاحظت المنظمة أن "مجموعة من السياسيين والتقنقراطيين العراقيين ذوي النفوذ يضغطون لفرض صيغة من العقود طويلة الأمد، وهي العقود التي لا يمكن للقضاء العراقي أن يعيد النظر فيها". ولا تخضع هذه العقود "لأية رقابة ديمقراطية".
وتؤكد المنظمة أن مثل هذه العقود هي "الأكثر تكلفة والأقل ديمقراطية". وتضيف أنه من المفترض أن يكون "الشعب العراقي هو المستفيد من ثروته النفطية لا الشركات البترولية، لكن التجربة أكدت في بلدان عديدة أن الشركات البترولية تتمكن من فرض وجهة نظرها على حساب الحكومات".
ودون التطرق إلى الخلاصة السياسية التي توصلت إليها منظمة "بلاتفورم"، وأهمها أن حرب العراق كانت بالدرجة الأولى حرب بترول، فإنه من الممكن أن نقارن بما وقع في العراق بما يقع في الجزائر مع القانون الجديد للمحروقات الذي تم فرضه في الربيع الماضي. ونلاحظ أن الجهات التي ضغطت من أجل فرض هذا القانون هي نفسها التي تفرض نفسها اليوم في العراق من تلك الفئة التي اعتدنا أن نسميها تقنوقراطيين. ومحتوى قانون المحروقات الجزائري الجديد مبني على نفس المنطق حيث يفتح الباب أمام صيغة الشراكة المتمثلة في اقتسام الإنتاج.
وقال خبير جزائري أن تطبيق القانون في الجزائر سيؤدي إلى ضياع مبالغ هائلة من مداخيل البلاد. ورفض هذا الخبير أن يعطي تقييما مدققا للخسارة المنتظرة، بسبب عدم استقرار أسعار النفط وحجم البترول الذي سيتم اكتشافه بهذه الصيغة الجديدة. لكنه قال أنه لا يستبعد أن تفوق الخسارة مائة مليار دولار خلال العشرين سنة القادمة. وفي حالة اكتشاف حقول جديدة كبيرة وبقاء أسعار البترول في المستوى الحالي أو ارتفاعه ، فإن الجزائر ستضيع ما يقارب 200 مليار دولار خلال عشرين سنة القادمة، حسب هذا الخبير.
ولا يمكن للجزائر أن تعيد اختراع السياسة أو الاقتصاد. فنفس الظروف التي دفعت العراق إلى هذا الطريق في تبذير ثروتها النفطية نجدها متوفرة في الجزائر، خاصة فيما يتعلق بغياب الديمقراطية. والكل يعرف أن قانون المحروقات الجديد كان مرفوضا من أغلب التيارات السياسية قبل انتخابات 2004، وقد قام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بإصدار أمر لتتم المصادقة على القانون دون نقاش من طرف المجلس الشعبي الوطني، رغم أن المجلس لا يعرف بمعارضته لمشاريع رئيس الجمهورية. وأشارت منظمة "بلاتفورم" إلى هذه النقطة في العراق، ويمكن أن نقول أن الجزائر لا تختلف في هذه النقطة بالذات، حيث أن غياب الديمقراطية وانعدام النقاش حول قضايا أساسية مثل قانون المحروقات يؤدي حتما إلى خيارات خطيرة. وعكس ذلك، فإن بروز منظمة بريطانية تندد بهذا الوضع يؤكد أن الديمقراطية تحترم حتى حقوق الخصم حتى ولو كانت قائمة حرب ضده.
والملاحظ هو أن البلدان المنتجة للنفط المقربة من أمريكا لم تتجرأ على اتخاذ قرارات مثل التي اتخذتها الجزائر والعراق في التخلي عن التحكم في نفطها. وحتى إن لم تكن هذه البلدان الحليفة لأمريكا تتميز بنظام ديمقراطي، فإنها تأخذ بعين الاعتبار حدا أدنى من المصلحة الوطنية وترفض أن ترهن نهائيا بترولها.
ويصعب القول أن الجزائر والعراق اتخذا نفس الطريق لأنهما في نفس الحالة. فالعراق بلد محتل يوجد في حالة حرب، والظرف السياسي صعب جدا في بغداد، مما يسهل النهب والاستيلاء على ثروات البلاد. أما الجزائر التي تعرف فضائح يومية ونهبا شاملا وسياسة تدفع إلى التخلي عن المصلحة الوطنية العليا، فإنها ليست محتلة من طرف قوى أجنبية. اللهم إلا أن يكون الاحتلال قد تم، والبلاد تعمل بأوامر المحتل، ونحن لا نعلم ذلك.
ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s