الجزائر تغرق في الأموال والفضائح المالية

عابد شارف

غرقت الجزائر في الأموال التي تتدفق عليها بفضل ارتفاع أسعار النفط، لكنها غرقت في نفس الوقت في الفضائح المالية التي بلغت حجما لا مثيل له بسبب انتشار الرشوة وسوء التسيير وانعدام هياكل الرقابة.
فبينما صرح وزير المالية نورالدين مدلسي هذا الأسبوع أن مخزون الجزائر من العملة الصعبة قد بلغ 55 مليار دولار، أعلنت مصالح الأمن الاثنين الماضي أن 19 شخصا قد قدموا للعدالة في إطار التحقيق المتعلق بآخر فضيحة مالية، تتمثل في الاستيلاء على 12 مليار دينار –ما يعادل 120 مليون أورو- من وكالة بنكية تابعة للبنك الجزائري للتنمية الفلاحية الموجودة في بئر خادم في الجزائر العاصمة.
وتم تحويل هذه الأموال على شكل قروض لشركات وهمية، واستعمل جزء منها لأغراض لا علاقة لها مع النشاطات المعلنة رسميا، في حين تبخر الجزء الآخر بين مستفيدين وعملائهم داخل البنك. ومن الطرق المستعملة كذلك لتحويل الأموال اللجوء إلى سجلات تجارية لأشخاص عاجزين طعنوا في السن من أجل الحصول على قروض وهمية باسمهم، ثم الاستيلاء على هذه الأموال، تاركين البنك يتخبط مع أشخاص ليسوا على علم بما حصل.
ودائما في البنك الجزائري للتنمية الفلاحية، أعلن منذ شهرين عن اكتشاف فضيحة أخرى تمثلت في منح قروض تبلغ 15 مليار دينار -150 مليون أورو- لصالح شركة خاصة معروفة في الجزائر وهي -طونيك- التي عجزت عن تسديد ديونها. وكانت التهمة آنذاك أن الشركة المعنية حصلت على قروض دون ضمان، ولم تسدد ديونها الأولى، لكنها تمكنت من الحصول على قروض جديدة من نفس البنك.
أما البنك الوطني الجزائري فإنه ضيع 15 مليار دينار -150 مليون أورو- في عملية مماثلة حيث منح قروضا دون أي مقابل، مما يشير إلى تواطؤ عمال البنك مع المستفيدين ليقتسموا الغنيمة. وقالت جرائد أخرى أن الأموال التي ضاعت تبلغ 30 مليار دينار – 300 مليون أورو-. وقد ذكرت مبالغ خيالية في معاملات أخرى، واعترفت مصالح الأمن التي تقوم بالتحقيق أنها لم تنشر إلا القضايا التي تأكدت من المبالغ التي ضاعت خلالها. وقال محافظ شرطة مكلف بالتحقيق في العاصمة السيد صالح دراجي أن هناك قضية أخرى سيتم الإعلان عنها في الأيام القادمة.
وشملت الفضائح عددا من البنوك الأخرى لا يمكن حصرها، أهمها بنك التنمية المحلية الذي لم يتمكن المحققون لحد الآن حصر الأموال التي ضاعت منه، وبنك BCIA الذي قررت السلطات وضع حد لعمله.
وقال السيد محمد لقصاصي، محافظ البنك المركزي الجزائري، أمام البرلمان الجزائري في 14 نوفمبر الماضي أن تسعة بنوك وضعت تحت الرقابة للتحقيق في عمليات التجارة الخارجة وتحويل الأموال إلى الخارج، بينما قامت مفتشية البنك المركزي بتحقيقات في تسيير ستة بنوك. واعترف أن الأخطاء كثيرة جدا لأن معظم البنوك لا تحترم القواعد المصرفية كما أنها تمنح قروضا بمبالغ تتجاوز بكثير قدرتها الحقيقية.
وتبقى أكبر فضيحة تلك التي تتعلق ببنك الخليفة الذي شكل شبه زلزال في الأوساط المالية. وتقول أحسن المصادر أن فضيحة بنك الخليفة كلفت الجزائر 2.5 مليار دولار بالعملة الصعبة تم تحويلها إلى الخارج، ومبالغ بالدينار لم يتمكن المحققون إحصاءها لأنها فاقت كل ما كان منتظرا.
وقال النائب في البرلمان حسن عريبي أنه تم تحويل 12 مليار دولار إلى الخارج بصفة غير شرعية بين سنة 1994 وسنة 2000، كما تم تحويل ما يقابل سبعة مليار دولار من البنوك إلى الخواص في السوق الجزائرية بصفة غير شرعية في نفس الفترة. وأضاف أن أشخاصا ذوي نفوذ قاموا بفضل تواطؤ إطارات في البنك وفي إدارة المالية من تحويل 1.5 مليار دولار من البنك الوطني الجزائري ومليار دولار من بنك التنمية المحلية.
وجاءت هذه الفضائح كنتيجة لسلسة من العوامل تراكمت منذ سنوات، منها ضعف البنوك الجزائرية، وانعدام الرقابة، وتواطؤ شبكات كاملة داخل البنك وخارجه، إلى جانب الوضع السياسي الذي لا يسمح للبنوك مثل المؤسسات الأخرى أن تعمل حسب القواعد القانونية المسطرة رسميا. ومن الأفكار السائدة مثلا في الجزائر أن القروض لا تمنح للشركات الخاصة نظرا للضمانات التي يتم تقديمها أو نظرا لنجاعة المشروع، إنما القروض تأتي بفضل تدخل مسئول كبير أو وزير أو ضابط في الجيش. وقد تشكلت ثروات هائلة بهذه الطريقة خلال العشرية الماضية تحت ظل الإرهاب وانحراف أجهزة الدولة عن القانون.
وقد تشكلت شبكات كاملة للقيام بعمليات السطو هذه كما كشفت ذلك قضية البنك الوطني الجزائري. فقد كشف التحقيق أن الأموال كانت تحول من ثلاث مقرات موجودة في بوزريعة، أحد أحياء العاصمة، والقليعة، التي تبعد 35 كيلومتر من الجزائر، وشرشال، على بعد 100 كيلومتر من العاصمة. ويتم تحويل هذه الأموال إلى شركات لتستعملها مبدئيا لاستيراد مواد من الخارج. بعدها يتم تحويل الأموال إلى شركات في الخارج يملكها نفس الأشخاص. وعندها يرحل كل أعضاء الشبكة إلى الخارج ويختفون بعد اقتسام الغنيمة. وعادة لا يتم القبض إلا على بعض الأشخاص الذين لم يرحلوا بعد إلى الخارج لأنهم يحضرون لعملية أخرى، أو بعض الموظفين الذين لا حول ولا قوة لهم لأنهم كانوا خارج شبكة التهريب ولم يكونوا على علم بالعملية رغم مناصبهم.
ولا تقتصر عمليات السطو هذه على البنوك العامة أو الخاصة، بل تشمل كل القطاعات رغم الاختلاف في الطريقة. وبصفة عامة، إذا تعلق الأمر بالبنوك الخاصة، يكون صاحب البنك نفسه مسئولا عن عملية التحويل سواء بسبب سوء التسيير أو لأنه يستفيد منها. أما بنوك القطاع العام، فإن التحويل يتم بتنظيم شبكة داخل البنك وخارجه على حساب أموال الشعب لأن الدولة هي التي تتكفل بإنقاذ البنك في آخر المطاف. ففي قضية بنك التنمية الفلاحية مثلا، قامت فرقة من البنك نفسه بحقيق داخلي السنة الماضية، وأعدت تقريرا لا يشير إلى أية عملية غير قانونية. ثم قامت مصالح الأمن بتحقيق مماثل فاكتشفت فضيحة كبرى، مع العلم أن إطارات البنك أكثر تأهيلا للتحقيق في مثل هذه الحالة، مما دفع إلى الشك في تواطؤ فرقة التحقيق نفسها.
ومع ظهور الفضائح الأولى، حاول وزير المالية الأسبق عبداللطيف بن اشنهو أن يضع حدا للنزيف فجعل المرض أخطر. واعتبر أن الفضائح تراكمت بسبب استقلالية البنك المركزي الجزائري الذي يتولى مراقبة البنوك، فأزال تلك الاستقلالية الرمزية ووضع البنك المركزي تحت سلطته مباشرة، مما جعل البنك المركزي يتخلى عن مهمة المراقبة، مع العلم أن الوزير لا يستطيع متابعة الملفات نفسه وعليه أن يكلف الإدارة بذلك. وقال أحد الخبراء الماليين أن هذا القرار يعني -أن تكلف الذئب برعاية الغنم لأن الإدارة هي أكبر وكر للرشوة في الجزائر-.
واعترف وزير المالية الحالي مراد مدلسي بتواطؤ إدارات البنوك في الفضائح في خطاب أمام مجلس الأمة في 22 نوفمبر الماضي. وقال أن –النظام الحالي للبنوك قد تجاوزه الدهر- وأضاف -أن البلاد بحاجة إلى وسائل أخرى لمراقبة الدوائر المالية-، كما قال أن الفضائح الحالية وقعت بسبب -تواطؤ داخل البنوك-. واستعمل عبارة واضحة حيث قال أن نظام البنوك –متعفن من الداخل-، وهو الوضع الذي دفع المنظمة العالمية انترناشيونال طرااسبرنسي – شفافة عالمية international transparency إلى تصنيف الجزائر في المرتبة 129 عالميا في ميدان الرشوة.
وازداد حجم هذه العمليات كذلك بسبب تهاطل الأموال على الجزائر في السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع أسعار النفط مع انعدام مشروع لاستعمالها بصفة عقلانية. وقد بلغ مخزون الجزائر من العملة الصعبة 55 مليار دولار حسب آخر الأرقام التي صدرت من وزير المالية نورالدين مدلسي. ولما عجزت الحكومة عن دفع الاستثمار والنمو كما عجزت عن محاربة البطالة، اختارت أن تمنح تسهيلات كبرى لاستيراد مواد الاستهلاك، وخصصت لهذا الغرض ميزانيات متضاعفة من سنة لأخرى. وقد بلغت القروض الممنوحة للخواص 16 مليار دولار سنة 2004.
ورغم كل الفضائح ورغم الاعتراف بعجز النظام المالي الجزائري، تصرف وزير المالية الحالي مراد مدلسي بطريقة لا تختلف عن سابقيه، حيث قام بعزل مدراء أربعة من أكبر البنوك الجزائرية وأعلن عن ضرورة الإصلاح، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير يذكر ودون أن يقوم بإجراءات ميدانية. إضافة إلى ذلك، يبقى الخطاب في الجزائر سواء في الحكومة أو غيرها يتناقض مع الواقع، خاصة لما يكون الحديث موجها إلى الأجانب. فقد قال السيد عبدالرحمن بن خالفة، الأمين العام لجمعية البنوك والمؤسسات المالية في حديث لجريدة فرنسية أن النظام المالي الجزائري –آمن وذو مصداقية-… وأضاف: لقد طورنا طاقاتنا داخل البنوك-. واستعمل عبارات لا تختلف عن تلك التي تستعملها أكبر البنوك العالمية، لما يقول: نريد توسيع دائرة catalogue منتوجنا وتحسين المنتوج الحالي…
وقال أن الدفع الإلكتروني ينتشر حاليا بصفة مقبولة بفضل توزيع 200.000 بطاقة مالية carte bancaire . لكن الواقع يعكس ذلك كما تؤكده تجربة أحد المواطنين الذي أراد استعمال بطاقته البنكية في العاصمة فوجد كل الموزعين الأتوماتيكيين distributeur automatique في حالة عطب، واضطر إلى أن يزور إحدى عشر موزعا قبل أن يتمكن من سحب ما كان يحتاج إليه.
أما في باقي المدن، فمازال التعامل التقليدي مع الأموال سائدا. ومازال الجزائريون يستعملون –الشكارة- أي الأكياس لنقل أموالهم، واعترف بذلك وزير المالية نفسه لما قال أن هناك 10 مليار دولار تتداولها السوق خارج الأجهزة الرسمية.

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

2 Commentaires

  1. mel

     /  7 décembre 2005

    Salut salut!C\’est mélanie! Tu es venu participer a mon dernier sondage, et je t\’en remercie, Je t\’invite donc a revenir faire un petit tour par chez moi, et a participer Au nouveau sondage intitulé : " La Préhistoire et Vous "…Comme d\’habitude, il te faut voter, et laisser ton histoire en commentaire… Les meilleurs et plus droles seront diffusés…A bientotMEL …

    Réponse
  2. Unknown

     /  28 décembre 2005

    BonjourTu ne me connait pas mais j\’ai lu ton blog et il m\’a intrigué ,je voudrai te poser quelques questions:Qelle religion pratique-tu ?si c\’est l\’islam est tu un mouslim ??si tu pouvais répondre à mes questions par email je serai ravie et bien je vais te laisser .

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s