دعاء

عابد شارف

بعد الاطمئنان على صحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، تبقى الجزائر في وجه لوجه مع واقعها. فمهما كان الخطاب الرسمي رنانا، ومهما حاول المسئولون الهروب من الواقع، فإن ذلك لن يغير أحوال البلاد، ولا يمكن للجزائر أن تخرج من جلدها لتأخذ اسما آخر أو تدعي أنها نجحت في عدد من القضايا الكبرى التي أصبحت تجسد الفشل السياسي.
فمع مرض الرئيس بوتفليقة، ظهرت على الأقل أربع نقاط فشلت فيها البلاد، ولا يمكن أن نتجاهلها. وأكثر من ذلك، على أهل السياسة، وأهل السلطة بالدرجة الأولى، أن يتكفلوا بها إن أرادوا ألا تحكم عليهم البلاد بالفشل، بل بالخيانة، لأن الجرح مطروح في السوق السياسية، وعدم معالجته يشكل جريمة في حق البلاد. والسلطة تبقى المسئول الأول عن ذلك، وخاصة أكبر المؤسسات داخلها، لأنها صاحبة الحل والربط، ولا يمكن لأي آخر طرف في الظرف الحالي أن يأتي بالحل إذا رفضت السلطة أن تفتح أعينها وتعترف بضرورة التغيير الذي يسمح للبلاد أن تدخل عهدا جديدا.
وقد فشلت البلاد أولا في بناء مؤسسات حقيقية. ولا نتكلم هنا عن المؤسسات الشكلية التي تملأ الواجهة. فالكل يعرف أن البرلمان ليس برلمانا وهو لا يملك سلطة، ولا الحكومة حكومة لأن رئيسها وأعضاءها لا يتصرفون بموجب الدستور لتطبيق برنامج سياسي إنما يحكمهم ميزان القوى السياسية بين الأطراف الفاعلة في السلطة. ولا مجال للكلام عن العدالة وعن ذلك المجلس الدستوري الموقر الذي يصدر أحكاما ترضي السلطة حتى وإن كانت مخالفة للقانون.
إن ضعف المؤسسات ترك البلاد عارية. وتكلم الكثير عن الدستور، ودخل الفقهاء في نقاش عن الوضع الحالي، ليقولوا هل أن مرض الرئيس يشكل فراغا دستوريا أم لا، وتكلم آخرون قبلهم ليطالبوا بتغيير الدستور. والحقيقة أن السؤال يطرح بصفة مختلفة تماما، لأن القضية تتعلق في الأصل بوجود الدستور واحترامه، لأن تسيير البلاد يتم على حاشية الدستور، إن لم يتم خارج الدستور تماما.
فالكل يعرف مثلا أن القضايا السياسية تحسم حسب ميزان القوى، ثم يأتي بعدها العلماء ليزينوها بلباس دستوري. فذهاب اليمين زروال ومجيء عبد العزيز بوتفليقة تم طبقا للدستور من الناحية الشكلية، لكن العملية الدستورية اقتصرت على شكليات سمحت بتطبيق قرار سياسي مسبق. وبنفس الطريقة تم اتخاذ قرار في أعلى السلطة حول ميثاق السلم والمصالحة، ولم يأت الاستفتاء إلا لتزيين القرار ويعطيه الطابع القانوني. وبصفة عامة، لا توجد أي مؤسسة تقوم بصلاحياتها الدستورية كاملة وتكتفي بذلك.
ومن الواضح أن ضعف المؤسسات يرهن كل المشاريع السياسية. فالنواب الموقرون مثلا تم انتخاب أغلبيتهم على أساس برنامج حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يرأسه علي بن فليس. ولما انقلبت الأمور، نسي النواب حزبهم وبرنامجهم وزعيمهم وهويتهم، وأعلنوا الولاء لرئيس الجمهورية. وقد أساؤوا بذلك للفكر السياسي وللسلوك السياسي، ودفعوا المواطن إلى اعتبار السياسة مجرد أكاذيب للوصول إلى السلطة، والابتعاد عن النضال، وحتى إلى الكفر بالسياسة والنضال. وهل يمكن بناء بلد دون الممارسة السياسية؟
ومن جهة أخرى، فشلت السلطة بصفة مطلقة في التعامل مع معاناة عبدالعزيز بوتفليقة مع المرض. فقد قيل في بداية الأمر أنه سافر إلى فرنسا لإجراء بعض التحليلات، وسيطرت الإشاعة على الوضع لمدة عشرة أيام قبل أن يستيقظ أهل السلطة. وقال أحمد أويحيى أن رئيس الجمهورية يقضي فترة نقاهة في المستشفى، دون أن يعلن عن العملية الجراحية التي أجريت له، مع العلم أن فترة النقاهة تأتي بعد مرض ثقيل أو عملية جراحية، مما فتح الباب لكل الإشاعات.
ونطق دحو ولد قبلية ليلوم الجزائريين بسبب إشاعات أخرى تداولها الشارع حول مرض وزير الداخلية يزيد زرهوني. وقال ولد قابلية أن هذه الإشاعات مناقضة لأخلاقنا وقيمنا. ونسي الرجل أن يتكلم عن أخلاق السلطة وأخطائها التي كانت السبب الأول في ظهور الإشاعة. فهل من المعقول أن يبقى رجل يتحمل مسئولية وزارة الداخلية في المستشفى لمدة شهرين دون أن تعلن السلطة عن ذلك؟ وهل يعقل ألا تظهر إشاعات في مثل ه آخره الحال؟
إن سلوك السلطة في قضية مرض رئيس الجمهورية ووزير الداخلية يشكل إهانة للجزائريين واحتقارا لهم. بل ويشكل كذلك مساسا بسيادة الجزائر. وهذا الكلام ليس من باب لغة خشب أو مزايدة حول الوطنية، إنما هو واقع مر. فالسلطات الفرنسية والأمريكية وغيرها كانت على علم بكل التفاصيل حول وضعية بوتفليقة وزرهوني. وكان بإمكان هذه البلدان أن تتصرف بما يخدم مصلحتها، لتضغط أو تناور أو تستغل الفرصة لفرض مصالحها. أما الجزائريون فإنهم يبقون في حالة انتظار، لا يعرفون كيف يتصرفون ولا كيف يتعاملون مع هذا الوضع الصعب، لا قدرة لهم على التأثير في القرار بينما يستطيع قادة البلاد الأخرى أن يمارسوا كل الضغوط.
ولا يمكن في الأخير أن نتجاهل فشل السلطة الواضح في إقامة نظام صحي مقبول في الجزائر. ففي مدة شهرين فقط، رحل إلى باريس من أجل العلاج ثلاثة مسئولون جزائريون يحتلون أعلى المناصب في البلاد، وهم رئيس الجمهورية ومدير ديوانه ووزير الداخلية. وبينما تعرف فرنسا كلها، من رئيسها ووزرائها ومخابراتها ومدراء الشركات فيها، تعرف الملف الطبي لأكبر المسئولين الجزائريين، لا يسمح للجزائيين أن يعرفوا أن وزير الداخلية موجود في المستشفى منذ شهرين…
ومن باب آخر، يمكن أن نسأل وزير الصحة ومن سبقوه في هذا المنصب: كيف تمكنتم من تحويل باريس إلى أكبر مستشفى للمسئولين الجزائريين؟ لماذا يسافر كل من يملك جزء من السلطة إلى الخارج للتداوي، بينما تبقى مستشفيات البلاد وهياكلها الصحية تشبه الخراب، ويبقى المواطن العادي يعاني من جحيم المستشفيات الجزائرية؟ وماذا فعل رئيس الجمهورية نفسه في هذا الميدان، مع العلم أنه اعتلى السلطة منذ خمس سنوات وهي فترة لم تعرف إلا تدهور ثقة الجزائريين في النظام الصحي؟
لقد صدق دحو ولد قابلية لما قال أن الأخلاق الإسلامية والإنسانية بصفة عامة تفرض على كل إنسان أن يدعو بالشفاء للمريض، ويحترم مشاعره ويتضامن معه ومع أهله. إنها قيم تصنع الأخوة والتضامن، وتنمي سلوك المواطنة والتحضر. لكن في نفس الوقت، لا يمكن لمن يمارس نصيبا من السلطة أن ينكر العبرة التي أفرزتها معاناة رئيس الجمهورية مع المرض. ولما سيعود رئيس الجمهورية معافى، سيكون أول من تطرح أمامه دروس هذه الفترة الأليمة التي مر بها.
هذا دعاؤنا لعبدالعزيز بوتفليقة وللجزائر.
ع.ش
abc@wissal.dz

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s