الإشاعة تهزم السلطة

معركة أخرى من نوع خاص… إنها معركة لا ينفع الانتصار فيها لكنها مفروضة على الجزائر… معركة بين السلطة ومؤسسات الدولة من جهة، والإشاعة من جهة أخرى…

عابد شارف

كتب الصحافي شوقي عماري في إحدى اليوميات أن الوزير الأول أحمد أويحيى طمأن الجزائريين نهائيا لما قال أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بخير، وهو يمر بمرحلة نقاهة بعد عملية أجريت له. وتساءل شوقي عماري: أيوجد في الجزائر مواطن واحد لا يصدق أحمد أويحيى؟ ويمكن أن نفتح هذا السؤال بصفة أوسع ونقول: أيوجد في الجزائر مواطن واحد لا يصدق ما يقوله أهل السلطة؟
من هو الوزير أو المسئول السامي الذي يستطيع أن يخرج اليوم إلى الشارع ويقول أنه يكسب حدا أدنى من المصداقية؟
هذا وضع المجتمع الجزائري، وهذه علاقته بسلطته. إن المجتمع يوجد في عالم، والسلطة في عالم آخر. ولا يكتفي المواطن بالشك في كلام السلطة، بل أنه يعتبر أن العكس صحيح. فإذا قالت السلطة أن السماء زرقاء، يراها المواطن سوداء ممطرة. وإذا قالت السلطة أن الحالة الصحية لرئيس الجمهورية قد تحسنت، فإن الشارع يعتبر أنها تدهورت.
ومع رفضه للأخبار الناجمة عن السلطة، يلجأ المجتمع إلى طرقه الخاصة لإنتاج الأخبار، على شكل إشاعات، بينما تضطر السلطة إلى تصريحات وبلاغات تتوجه بها إلى باقي دوائر السلطة أكثر من أنها تتوجه للرأي العام. فالشارع بحاجة إلى نوع من الكلام، يأتيه بطرق يصدقها، بينما تختار السلطة طرقا أخرى لا يمكن للمواطن أن يصدقها. ولعل ذلك ما دفع السلطة إلى اختيار عبدالعزيز بلخادم ليعطي انطباعات حول الحالة الصحية لرئيس الجمهورية بعد أن فشل أحمد أويحيى في إقناع الرأي العام. لكن بلخادم جاء متأخرا، وحتى إن كانت له مصداقية، فإنها ماتت مع التدخلات الأولى لرئيس الحكومة.
وفي مرحلة متأزمة مثل التي تعيشها البلاد منذ مرض الرئيس عيد العزيز بوتفليقة، تنشب حرب بين ما يصدر من السلطة من أخبار وما يصدر من الشارع من إشاعات. وفي أغلب الأحيان، تكون الإشاعة قد سبقت الخبر، مما يضع السلطة في مرحلة دفاعية تفرض عليها محاولة الرد على الإشاعة.
وفعلا، بعد صمت طويل، تكلم عدد من المسئولين بهدف واحد هو تكذيب الإشاعات. ولم يتكلم أحد لأنه يعتبر أن للجزائريين الحق في معرفة الحالة الصحية لرئيسهم، ولهم الحق في التعاطف معه. بل تكلم المسئولون لما وجدوا أنفسهم مضطرين لذلك للدفاع عن ذويهم.
وصدقت ليلى عسلاوي – ومن الصعب أن تصدق ليلى عسلاوي- لما قالت أن وزير الجماعات المحلية دحو ولد قابلية كان فاشلا ومخطئا لما قال أن الإشاعات التي صدرت حول الحالة الصحية لوزير الداخلية غير لائقة وغير مقبولة ضمن قيمنا الأخلاقية. وهل من اللائق أن تجمع –بضم التاء- سلطة بكاملها للقول أن رئيس الجمهورية سافر إلى باريس لإجراء بعض التحاليل، مع العلم أن أهل السلطة هؤلاء كانوا كلهم على علم بمعاناة الرئيس، وشاركوا كلهم بطريقة أو أخرى في عملية الكذب؟ ماذا بقي لسلطة كهذه، تغطي الحقيقة أمام شعب بكامله؟
وفي سلسل الانحطاط هذا، لا يكفي الكذب على الآخرين، بل يجب للجزائريين أن يكذبوا على أنفسهم. ففي بلد يعيش أزمة مثل الجزائر، يدفع مرض رئيس الجمهورية إلى طرح بعض الأسئلة التي فرضت نفسها في الساحة. ولا بد من معرفة الحالة الصحية لرئيس الجمهورية، حتى يعرف المواطنون هل هناك عجز من طرف أول مسئول في البلاد في القيام بمهامه أم لا؟ وفي هذه الحالة، هل البلاد في حاجة إلى تعيين رئيس بالنيابة مثلما ينص عليه الدستور، قبل عودة رئيس الجمهورية، أم لا؟
ولم يتطرق إلى هذا الموضوع إلا السيد موسى تواتي، رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية، قبل أن يتراجع ويلتزم الصمت، وكأنه ارتكب خطأ كبيرا. ولم يتكلم في الموضوع بعده أي مسئول سياسي آخر. وكان موسى تواتي قد قال أنه لا بد من اللجوء إلى المواد الدستورية المتعلقة بالوضعية التي لا يتمكن فيها رئيس الجمهورية من القيام بمهامه الدستورية.
ونذكر أنه في حالة عجز رئيس الجمهورية من أداء مهامه، يقوم المجلس الدستوري بالإعلان عن حالة العجز، ويتم تعيين رئيس مجلس الأمة على رأس الجمهورية بالنيابة إلى حين عودة الرئيس. وإذا انقضت مدة خمسة وأربعين يوما ولم يعد الرئيس إلى مهامه، يعتبر أنه استقال فعلا، ويتم تنظيم انتخابات رئاسية في مهلة ستين يوما.
لكن الجزائر بعيدة اليوم عن ذلك. إنها تبحث عن حد أدنى من المصداقية لمؤسساتها ومسئوليها. إنها تبحث عن مسئولين يعتبرون أن الجزائري إنسان ومواطن، له الحق في معرفة الحقيقة لما يتعلق الأمر برئيس الجمهورية. إنها تريد أن تخرج من هذه المعارك التي لا جدوى، مثل تلك المعركة بين الإشاعة والسلطة.
ع.ش
abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s