البحث عن سيادة جديدة

البنوك الأجنبية ستملأ الفراغ الناتج عن فشل البنوك العمومية وانهيار البنوك الخاصة… المحروقات مطروحة في السوق، وصندوق النقد الدولي يتصرف في التوازنات الاقتصادية الكبرى… بعد أن ضاع القرار الاقتصادي، ماذا تبقى من القرار الوطني الجزائري؟

عابد شارف

مع قرار البنك المركزي الجزائري بوضع حد لنشاط الشركة الجزائرية للبنك في نهاية الشهر الماضي، وضعت الجزائر حدا نهائيا للتحكم في اقتصادها، وتركت لأوساط ودوائر خارجية المجال لتوجه الاقتصاد الجزائري حيث شاءت. وجاء هذا القرار مكملا لمبادرات انتحارية سابقة، بدأت بإعادة جدولة الديون الخارجية سنة 1994 وتواصلت بقانون المحروقات العام الماضي مرورا بتدمير الإدارة والمؤسسات والهياكل المنتخبة.
فرغم أن الخبر المتعلق بإنهاء نشاط الشركة الجزائرية للبنك Compagnie Algérienne de Banque لم يكن له الصدى المنتظر، إلا أنه أعطى الإعلان الرسمي لفشل النظام المصرفي الجزائري. فهذا البنك كان آخر مؤسسة مصرفية جزائرية ذات رأس مال خاص ينشط في البلاد.
والحقيقة تفرض أن نقول أن البنوك الخاصة انتهت منذ مدة لما ضاعت ثقة المواطنين والمتعاملين فيها. فبعد الفضائح السابقة التي زعزعت البلاد مثل فضيحة الخليفة وبنك BCIA، ضاعت لم يبق للبنوك الخاصة إلا وجود رمزي لا أثر له على النشاط الاقتصادي الوطني. وارتكبت السلطة أول خطأ غي الميدان لما تغافلت عن الأخطاء المتتالية التي ارتكبتها تلك البنوك، مما فتح الباب أمام طرق عمل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكارثة. وفعلا، بينما كان الخبراء يتكلمون عن الانهيار المنتظر لبنك الخليفة مثلا، كانت السلطة تقدم صاحب هذا البنك كنموذج للجزائر الجديدة التي تستثمر وتنجح وتمثل بذلك صورة الجزائر المستقبلية.
وإلى جانب فشل البنوك الخاصة، لم تتمكن البنوك العمومية أن تخطو خطوة واحدة في طريق التغيير، بل تراجعت إلى درجة مذهلة كما أكدت ذلك الفضائح التي سجلت خلال السنوات الماضية. وسواء تعلق الأمر بالبنك الوطني الجزائري أو القرض الشعبي الجزائري أو بنك الفلاحة والتنمية الريفية وغيرها، فإنها أفرزت نفس التعاملات التي تتلخص كلها في تحويل الأموال بمبالغ خيالية إلى جانب عجز شامل في مسايرة النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن الفضائح المتتالية دفعت إطارات تلك البنوك إما إلى البحث عن طرق جديدة للتحايل على الأموال، إما إلى التشكيك في كل العمليات وفرض نوع من الجمود على نشاطها.
والخطر لا ينتهي هنا، بل أنه يبدأ من هنا. ففي الوقت الذي تفتخر البلاد بامتلاك ما يقارب 70 مليار دولار من العملة الصعبة، لم يبق في البلاد بنك جزائري يحسن التصرف في هذا الميدان. وهذا ما يفتح الباب أمام البنوك الخارجية، وخاصة منها البنوك الفرنسية، للتصرف في الأموال الجزائرية. وقد فهمت البنوك الفرنسة أهمية انتشارها في البلاد، وبدأت فعلا تحتل الميدان تدريجيا، مما سيجعل منها المتعامل المالي الأول لما سيتعلق الأمر بالتصرف في المخزون الجزائري من العملة الصعبة.
ومما يزيد القضية مرارة هو أن هذا الفشل التام في ميدان الإصلاح البنكي أصبح رسميا 15 سنة بعد المصادقة على قانون القرض والصرف الذي كان يشكل الوسيلة الأساسية للإصلاح الاقتصادي. وبذلك تكون الجزائر قد قضت خمسة عشر سنة لتعود إلى نقطة الصفر، بل لتعود إلى أدنى من نقطة الصفر لأنها لم تكتف بالقضاء على البنوك الخاصة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك لتسحب منها الثقة بصفة نهائية. وأمام عجز البنوك العمومية، فإنه لم يبق إلا اللجوء إلى البنوك الأجنبية للنجاة…
هذا المسار لم يأت صدفة. إنه نتيجة تصرف سيطر على البلاد منذ سنوات طويلة. إنه تصرف يسعى إلى القضاء على الهياكل والمؤسسات الجزائرية بطريقة أو أخرى لتأتي مؤسسات أجنبية أو دولية تتصرف مكانها. وإذا كان تصرف من هذا النوع يظهر على شكل خطأ، فإن تراكم هذه التصرفات يمنع من الكلام عن أخطاء متتالية، ويدفع إلى القول أنها سياسية. فيمكن للوزير أو الرئيس أن يخطئ مرة أو مرتين، لكن لما يرتكب عشر مرات نفس الخطأ، لا بد أن ننظر إلى الواقع كما هو ونقول أن هذا التصرف ليس خطأ إنما هو خيار سياسي لا بد لصاحبه أن يتحمل مسؤوليته.
فابتداء من سنة 1992 مثلا، رفضت السلطة الجزائرية أن تقوم بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية، مما دفعها في نهاية المطاف إلى إعادة جدولة الديون الخارجية. وبذلك أصبح القرار الاقتصادي بيد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. وأصبحت القرارات الاقتصادية الكبرى تأتي من واشنطن.
وفرضت تلك المؤسسات فكرا جديدا لم تأخذ منه الجزائر إلا الجانب السلبي. فلما رأت الجزائر أن تلك المؤسسات الدولية تبني عملها على الفكر الليبرالي، نسي البلاد كل ماضيها وتجربتها، وجعلت من الخوصصة والاستثمار الخارجي مثلا أساس النمو الاقتصادي. وكانت الكارثة أكبر لأن الخوصصة فشلت، والاستثمار الخارجي مازال غائبا رغم أكاذيب الوزراء والمسئولين.
وأكثر من هذا كله، فإن انهيار القرار الوطني أدى إلى المساس بأهم ورقة اقتصادية للبلاد وهي المحروقات. ولجأت السلطة إلى قانون لا يوجد له أي مبرر اقتصادي ولا سياسي، حيث فرضت قانونا جديدا لا يعرف له مثيل في العالم العربي. ولا بد لكل جزائري أن يعرف أن الجزائر فقدت التحكم في كل البترول الذي يمكن اكتشافه مستقبلا، مع العلم أن حجم الاكتشافات المنتظرة كبير جدا.
وإذا تخلى بلد عن تسيير أمواله لصالح بنوك أجنبية، بعد أن حول القرار الاقتصادي إلى المؤسسات الدولية، وتخلى كذلك عن التصرف في قطاع بحجم المحروقات، فإنه يكون قد تخلى عن قراره السياسي. وبقي عليه أن يختار أي سؤال يجب أن يطرحه على نفسه: هل يجب أن نتساءل كيف سيتعامل معنا أصحاب القرار، أم نتساءل ما العمل لاستعادة القرار السياسي؟
ع.ش
abc@wissal.dz

قال المسئول وقال الواقع…

بين كلام المسئولين وواقع البلاد وادي… بل نهر… يكفي أن نتكلم عن الاقتصاد ايتضح لنا الفارق
عابد شارف

خطب حميد تمار، فقدم حصيلة حول الاقتصاد الوطني وما قام بع وزير الخوصصة في ميدان الخصخصة، قبل أن يعطي وعودا جديدة عن الخصخصة والخوصصة. وخطب قبله وزراء آخرون واقتصاديون يعملون في صفوف السلطة، وخبراء موالين للسلطة، فمدحوا أنفسهم وذويهم، وقالوا أن الاقتصاد الوطني في تحسن مستمر، وأن البرامج التي سطرها فخامته قد حسنت الوضع بصفة واضحة كما أنها ستعطي نتائج رائعة بعد حين.
وتكلم آخرون فثرثروا وقالوا ما لا يقال. قالوا أن الاقتصاد الجزائري سمح بإنشاء عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من مناصب الشغل. ونطق كل وزير في زاويته الخاصة فأعطى الأرقام التي رأى أنها سترضي الشعب وترضي أهل السلطة، وهي الأرقام التي لا علاقة لها إطلاقا مع الواقع. ولما انتهى كل واحد منهم من الكلام، اعتبر أن الجزائر نجحت، وأنها في طريق الخروج من الأزمة، بعد أن تجاوزت أصعب المراحل. وبرهن هؤلاء على براعتهم في التلاعب بالأرقام، وفي الهروب من الحقيقة، وحسن تصرفهم الذي يمنعهم من مواجهة مشاكل المواطنين.
فرغم الخطب والقوانين، ورغم الوعود وتدفق الأموال، فإن الاقتصاد الجزائري يبقى ضعيفا إلى درجة أنه من الصعب أن نجد في بلد آخر كل السلبيات التي تمكن الاقتصاد الجزائري أن يجمعها. فهو اقتصاد يستهلك أموالا كثيرة ويفرز أرباحا ضعيفة جدا، إن أفرز أرباحا. وهو اقتصاد غير متوازن، سيموت إذا غابت المحروقات، كما أننا نكاد لا نجد فيه للإنتاج أثرا باستثناء ميدان النفط .
هذا واقع تكلم عنه الجزائريون في مرحلة أولى. لكن لم تصغ لهم السلطة، وفشلت المؤسسات الجزائرية في دق ناقوس الخطر رغم التدهور المستمر للاقتصاد وانتشار سوء التسيير. وفي نهاية المطاف، تدخلت الهيئات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والمنظمات غير الحكومية للمطالبة بتسيير أحسن لشؤون البلاد…
وقال صندوق النقد الدولي في تقريره لسنة 2005 أن الجزائر من أضعف البلدان العربية في سلم حسن التسيير، كما طالب السلطات الجزائرية بشفافية أكبر في تسيير مداخيل المحروقات. وأوصى الصندوق بإعادة النظر في تسيير الأموال بإعطاء دوري جديد لبنك الجزائر، لأن البنوك الأخرى لا تقدم الضمانات الضرورية للتسيير المقبول. وعبر الصندوق بصفة واضحة عن تخوفه من أن تبتلع الرشوة والتبذير وسوء التسيير المبالغ الهائلة التي قيل أنها ستخصص لبرنامج الإنعاش الاقتصادي.
ومن جهته قال البنك العالمي في تقرير مماثل أن تسيير الاقتصاد الجزائري ضعيف، ودعا السلطات الجزائرية إلى ضرورة التفكير في فعالية الاستثمار لأن الأموال التي تصرف بكثرة لا تعني بالضرورة أن البلاد تتقدم. ويعترف البنك العالمي أن الجزائر في حاجة كبرى إلى استثمارات قاعدية ضخمة، لكن ذلك لا يمنع من التركيز على فعالية الاقتصاد ومراقبة الأموال العامة.
ومن جهة أخرى، قيل عن الفريق الذي تسلط على الاقتصاد الجزائري أنه ليبرالي متطرف، وأنه يعمل لوضع حد للدولة في الميدان الاقتصادي. وتغنى وزير الخوصصة حميد تمار بذلك وقال أنه قطع مشوارا كبيرا في بيع المؤسسات العمومية. لكن بيع المؤسسات الاقتصادية والثرثرة حول قضية تشجيع الخواص لا تعني حرية الاقتصاد كما أكدته دراسة أمريكية بريطانية. وقد تم تصنيف الاقتصاد الجزائري في المرتبة 119 من ضمن 161 بلد شملتهم دراسة قامت بها المؤسسة الأمريكية –إيريتاج فواندايشن-. وتأخذ هذه الدراسة بعين الاعتبار سلسلة من المؤشرات منها التجارة ونظام الضرائب وتدخل الحكومة والسياسة النقدية وغيرها والاستثمار الخارجي والبنوك وغيرها. ومما يثير القلق أكثر أن الجزائر تراجعت من سنة لأخرى من الرتبة 100 إلى 119 حسب هذا التصنيف، مما يؤكد أن الوضع يتدهور في البلاد عكس ما يقول شعراء السلطة.
ولا يتردد التقرير في اعتبار الجزائر بلدا مغلقا من جانبه الاقتصادي، ويذكر العلل التي تعاني منها البلاد مثل البيروقراطية والرشوة في صفوف الإدارة وسيطرة أوساط غامضة على القرار الاقتصادي وعدم وجود استقلال القضاء مما يدفع إلى انتشار الشكوك حول حماية الممتلكات.
ومن جهتها قالت منظمة العالمية للشفافة Transparency International أن الجزائر تحتل الرتبة 97 في ميدان انتشار الرشوة، بينما لم تتردد تنظيمات أخرى في تصنيف الجزائر بعد الرتبة 120. وقالت المنظمة أن تدفق أموال النفط زاد من حدة الرشوة خاصة وأن أطرافا كثيرا تعتبر أنها تجري وراء الغنيمة ولا تحترم إطلاقا القوانين المتعلقة بالصفقات العمومية.
وبعد كل هذا، يمكن لحميد تمار أن يتكلم، ولشكيب خليل أن يدعي ما شاء، ولوزير العدل أن يثرثر، فذلك لن يغير الواقع. وهذا الواقع يؤكد يوميا أن الجزائر اختارت الرشوة والتبذير وسوء التسيير والفشل بينما كان منتظرا أن تختار النمو والتقدم والإصلاح والشفافية وحسن التسيير. وبهذا الخيار دخلت السنة الجديدة، سنة خير…
ع.ش
abc@wissal.dz

قطعان العيد وقطعان السياسة

عابد شارف

تكلمنا الخميس الماضي عن الاستعمار الجديد الذي يستولي على خيرات الجنوب بطرق عصرية ‘متحضرة". ولكن هل يمكن لهذا الاستعمار أن يحط الرحال ويستوطن دون مساعدة من حكام الجنوب؟

كان المرحوم مولود قاسم يرفض كلمة "استعمار’، ويفضل استعمال مصطلح "الاستدمار". وكانت حجته في ذلك أن المحتل الذي استولى على الجزائر بالعنف حطم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا يخدم السكان الجزائريين. وهو بذلك دمر النظام القائم، واستبدله بنظام يخدم مصالح "الكولون". وإذا كان المحتلون يرون في الإدارة التي فرضتها فرنسا آلة تخدمهم ليعمروا البلاد، ويمكنهم أم يسموها استعمارا، فإن الجزائريين الذين عانوا تحطيم دولتهم الوطنية يرون أن الإدارة الجديدة تدمير شامل لمصالحهم ومؤسساتهم.
وقال مالك بن نبي أن البلاد التي يتم استعمارها تتميز بعدد من الشروط التي تجعل منها بلدا قابلا للاستعمار. وتتمثل هذه القابلية في سيطرة وضع سياسي واقتصادي وثقافي يؤدي إلى انهيار القيم السياسية والأخلاقية، وسقوط المؤسسات التي ينتظر منها أن تحمي السيادة الوطنية. فانتشار الفساد والرشوة، ووجود سلطة متسلطة، ونظام اقتصادي فاشل، وحكم لا يحترم رأي الشعب، إلى جانب انهيار المؤسسات وغياب الهياكل التي يتوجه إليها المواطن المظلوم، كل هذا يجعل البلاد قابلة للاستدمار.
والجزائر دمرت مؤسساتها بنفسها. إنها قامت بالواجب من أجل الوصول إلى الوضع الذي يفتح الباب أمام الاستعمار. فالعبقرية الجزائرية هي التي استطاعت أن تقضي على العدالة والبرلمان والإدارة، وتقضي على شيء اسمه الروح الوطنية لتستبدله بالنهب والسرقة كنموذج للحياة. وأصبح عبدالمومن خليفة يرمز للجزائر الجديدة، بينما يشكل زعيم كوريا الشمالية نموذجا لتسيير شؤون البلاد في نظر الوالي والوزير.
ولما وصلت البلاد إلى هذه النتيجة، أعلنت الفشل رسميا وطلبت لوحدها من الاستعمار الجديد أن يأتي. فبعد أن رفضت الإصلاحات الاقتصادية لسنوات طويلة، طلبت من صندوق النقد الدولي أن يتكفل باقتصاد البلاد. وكان رضا مالك، أحد من يقال عنهم أنه شارك في تحرير اتفاقيات إيفيان، هو الذي تولى الإعلان عن الفشل واللجوء للاستعمار الجديد، وكأنه يشرح لنا أم الاستقلال خطأ…
وبعد تحويل القرار الاقتصادي إلى الخارج، لم يبق للسلطة في الداخل إلا أن تقوم بتطبيق التوصيات الآتية من واشنطن وإقناع الشعب بضرورتها. وإذا رفضها الشعب فلا بد من إقناعه بالقوة. وفعلا تم تطبيق ما أوصى به خبراء صندوق النقد الدولي حرفا حرفا. وأصبح الوزراء يتباهون بذلك ويقولون بكل افتخار أنهم مرتاحون بسبب رضا المؤسسات النقدية الدولية عنهم.
ومع ممر الأيام اقتنع القوم نهائيا أن رأي الشعب الجزائري ليس مهما بل لا قيمة له إطلاقا. وما هو مهم اليوم بالنسبة لهم هو رأي واشنطن وباريس، فلنرض بما ترضى، ولنحارب ما تحارب. ولما قررت واشنطن أن القانون الجزائري للمحروقات لا يتلاءم مع المصالح الأمريكية، قال حكامنا: حاضر يا سيدي. وغيروا القانون.
ولما قالت أوربا أن النظام الاقتصادي الجزائري لا يسمح بدخول المنتوج الأوربي بالكمية والطريقة المنتظرة، قال الحكام الجزائريون: حاضر… ودخلوا في مفاوضات مع أوربا والمنظمة العالمية للتجارة دون أن يعرفوا أين يؤدي هذا الطريق.
وقال الغرب أن ما يجري في العراق إرهاب. فاختفت كلمة المقاومة من القاموس الجزائري. وحتى الجرائد الخاصة فإنها ترفض استعمال مصطلح "المقاومة" لتتكلم إما عن الإرهاب، إما عن العنف إذا أرادت أن تظهر شجاعتها.
وهناك عالمين آخرين يسوداهما غموض كبير لكن آثار الاستعمار الجديد تظهر فيهما بوضوح، وهما عالم الدبلوماسية والاتفاقيات حول المشاريع الكبرى. ففي تعاملها مع الخارج، ذابت الجزائر وأصبحت تناضل من أجل مشاريع غريبة مثل فرض السيطرة الأمريكية على المغرب العربي وذلك بقرار من السلطة لوحدها دوم استشارة الشعب مثلا. أما في الميدان الاقتصادي، فيقول العديد من الخبراء أن الوصول إلى السوق الجزائرية لا يتم إلا بعد الحصول على الموافقة من باريس أو واشنطن.
هذه صورة تبدو متشائمة. لكن إذا كان الوضع يختلف، فما الذي دفع مسئول بريطاني سامي، وهو السيد مايكل طوماس، مدير العلاقات التجارية بوزارة الخارجية، إلى الاحتجاج والقول أن الجزائر "ليست حكرا لفرنسا"…
وأخيرا، بمناسبة هذا العيد المبارك، كان من المفروض أن نتكلم عن التهاني والأخوة والمحبة والغفران. وبعدها نتكلم عن العيد والخروف والمشوي. لكننا نعتذر عن كل ذلك لأننا في بلد يعتبره الغرب أن حكامه قطيع مسالم، ويعتبر حكامنا أممت قطعانا، زلم يبق لنا إلا أن نثأر ونبحث عن ثطعان نقضي عليها.
ع.ش

abc@wissal.dz

Projets d’échec pour 2006

La nouvelle année est mal engagée. Elle porte trop de projets, trop d’argent, et peu d’institutions en mesure de les réaliser. Trois exemples pour l’illustrer.

Abed Charef

L’Algérie connaîtra trois grands échecs en 2006 : elle subira une extension sans limite de la corruption, elle connaîtra un gaspillage sans précédent de ses ressources, et verra s’aggraver la crise du logement.
Pourquoi ces échecs, et pas d’autres, pourrait-on dire ? Et pourquoi être aussi tranché sur des questions qui ont fait l’objet d’un effort de la part du gouvernement ? La réponse est d’une très grande simplicité : le pays échouera sur ces dossiers, mais sur d’autres aussi, parce qu’il a décidé de s’y attaquer par de fausses solutions.
L’Algérie s’est dotée d’une loi sur la corruption. C’est un joli texte, mais l’Algérie dispose déjà d’autres très beaux textes, comme la constitution. Cela ne l’a jamais empêché de gérer les affaires du pays sans tenir compte de la constitution, ni d’oublier ce texte dans des situations de crise, comme ce fut le cas lors de la maladie du président Abdelaziz Bouteflika. Toute l’Algérie a évoqué l’hypothèse de la vacance du pouvoir lorsque le chef de l’état a été opéré. Toute le monde, à part la seule instance chargée de se prononcer sur la question, le conseil constitutionnel.
En ce sens, la loi sur la corruption risque d’être aussi utile que la constitution. Elle servira peut-être à mettre quelques indésirables en prison si c’est nécessaire, mais elle ne servira en aucun cas à lutter contre la corruption. De toutes les manières, la gestion du pays restant la même, avec les mêmes méthodes, les mêmes instruments, le même manque de transparence et le même règne de clans et lobbies, elle ne peut générer que les mêmes effets. En premier la corruption.
Ce fléau –peut-on encore parler de fléau quand il s’agit d’un mode de gestion ?- va s’étendre d’abord parce que la gestion actuelle de l’argent public génère automatiquement la corruption. Ensuite, parce que les contre-pouvoirs sont inexistants. Qui peut faire face à un ministre, à un wali, et, de manière plus générale, à un de ces responsables qui signent les contrats et les chèques?
Dès lors, quand le ministre des finances Mourad Medelci annonce sa volonté de renforcer le contrôle de l’argent public, ses déclarations résonnent curieusement. Comment un ministre dont le secteur enregistre les plus grands scandales financiers du pays peut-il rester crédible alors qu’il continue de fonctionner avec les mêmes règles qui ont mené à cette corruption massive ? Quels moyens, quelles structures va-t-il mettre en place pour provoquer le changement proclamé ?
Des spécialistes de premier plan, parmi lesquels plusieurs ambassadeurs, ont déjà affirmé une évidence : en l’état actuel des choses, l’administration algérienne est incapable de gérer l’argent du pays. Encore moins de le contrôler. Avec la manne pétrolière, et la frénésie des dépenses qui s’empare du pays, corruption et gaspillage sont condamnés à prendre des proportions jamais vues.
Quant au logement, on est dans un secteur où le ridicule semble devenu la règle. Alors que les logements ADL 2001, supposés être livrés en 2004, ne sont toujours pas livrés en ce début 2006, malgré l’engagement du chef de l’état lui-même dans ce dossier, le ministre du logement Mohamed Nadir Hamimid a affirmé qu’il peut réaliser non pas un million de logements avant 2009, mais deux millions de logements !
L’engagement de Bouteflika à construire un million de logements en cinq ans était, en lui-même, irréaliste. L’Algérie n’a pas les structures, les entreprises et le fonctionnement adéquat pour un projet d’une telle envergure. La promesse peut cependant être acceptable, si on ferme un peu les yeux, si on admet qu’il s’agissait d’un engagement politique électoral, et que son auteur tenterait de corriger les dysfonctionnements pour atteindre le chiffre promis.
Mais quand cet objectif est repris par des techniciens, des ingénieurs, des « bâtisseurs », qui sont au fait des dossiers, qui connaissent les chiffres et les réalités, cela révèle un aspect très inquiétant du fonctionnement des institutions: on est contraint de tenir des propos absurdes simplement pour ne pas heurter le chef, pour ne pas le contredire. On le conforte ainsi dans l’erreur, parfois dans l’absurde.
Ce fonctionnement constitue d’ailleurs une vraie curiosité : quelqu’un a-t-il discuté avec le chef de l’état du programme de logements, de son financement, des terrains sur lesquels les construire, des matériaux de construction, et des effets de ce projet sur la marché immobilier, sur la gestion des villes, sur l’environnement, etc. ? A-t-on au moins évoqué en sa présence ce qu’un tel projet demande comme entreprises, et quel type d’administration il faudrait pour en assurer le suivi ? A moins que le chef de l’état lui-même ne soit convaincu que le projet est vraiment à portée de main…
Cette dérive dans les déclarations emble avoir atteint Issaad Rabrab, l’homme qui a réussi à bâtir un empire industriel et commercial parce qu’il paraissait justement pragmatique, avec une démarche terre à terre. Cette fois-ci cependant, il n’a pas pu s’empêcher d’aller sur un terrain assez curieux. Il a d’abord déclaré qu’il est possible de réaliser le programme du million de logements, ensuite qu’il avait une solution contre la pénurie de sable : prendre le sable dans les fonds marins, au large…
Sera-t-on capable de chercher ce sable au large quand on n’a pas été capable de s’en servir là où il existe, sur la terre ferme ?
abc@wissal.dz

إستعمار أنيق

 

باسم التعاون والتضامن، وباسم التفتح والعولمة، تستعد الجزائر لاستقبال الاستعمار. إنه استعمار عصري، أنيق، يشكر قادة بلدان الجنوب على تفهمهم…

 

عابد شارف

 

تستعد الجزائر للتعامل مع الاستعمار بكل عزة وافتخار. إنها تتفاوض بشرف وكرامة، وتطالب بكل احترام من الاستعمار الجديد أن يسمح لها بالوصول إلى الفتات الذي سيكون من حقنا بعد عملية إعادة توزيع الأوراق على المستوى العالمي، وهي العملية التي تجري أمام أعيننا دون أن يكون لنا فيها نصيب ولا حتى حق في الكلام.

فالاستعمار الذي يغزونا اليوم من نوع جديد. إنه يستعمل طرق عصرية غير العنف والقتل الذي استعمله الكثير من الجنرالات في السابق من أمثال بيجو وشال ولاكوست وأوساراس. إنه استعمار متحضر، ينتظر منا أن نفتح له الأبواب، ونعرض عليه ما نملك، ونتركه يختار بحرية بأي طريقة يمضعنا وكيف يبلعنا. إن هذا الاستعمار الجديد لا يكتفي بإقناعنا أنه ضروري لحياتنا، بل أنه دفعنا إلى أن نطالب به لأن حياتنا اليومية أصبحت مستحيلة من دونه.

فنحن قوم متخلفون لا نعرف كيف نبحث عن النفط، ولا كيف نبيعه في السوق، ولا بد أن يأتينا العلماء والخبراء من العالم المتحضر ليعلمونا كل هذا، ونحن لا نعرف التجارة ولا الصناعة ولا حتى كيف نتكلم في التلفزيون… وبطبيعة الحال فإننا لا نعرف كيف نشفي مرضانا ولا كيف نبني ونسير المستشفيات… ومن الضروري أن يأتي هؤلاء العلماء ليشرحوا لنا في نهاية المطاف كيف أن الجزائريين أصبحوا أغبياء إلى درجة أنهم يطلبون من الآخرين أن ينهبوا خيراتهم…

والاستعمار هذا يأتي باسم التعاون. تأتي شركة أمريكية تستثمر دولارا واحدا وتجني عشر دولارات. ورغم هذا يأتي خبراؤنا ليقولوا أن قوانين البلاد ليست كافية لجلب المستثمرين، فيجب تقديم تنازلات أخرى. يجب للشركة الأمريكية أن تجني عشرين دولارا أو ثلاثين لما تستثمر دولارا واحدا. وبهذه الطريقة يرضى عنا الأقوياء ويقولون عنا أنا متفتحون ولدينا قابلية للعصرنة.

والاستعمار الجديد يعمل باسم القيم الأخلاقية الكبرى، مثل التضامن. وباسم التضامن، يتعاطف وزير الداخلية الفرنسي نيكولا صاركوزي معنا ويتكرم على أبنائنا بمنحهم فرصة للاستيطان في فرنسا. وقال صاركوزي أنه سيقترح عن قريب قانونا جديدا ينهب بواسطته كل ما يمكن أن تنتج بلدان الجنوب من نخبة. فهذا القانون الذي تحضر له فرنسا يعطي فرصة العمل والسكن في فرنسا وفي أوربا لكل من تحصل على شهادات دراسية عليا، ولكل من يمكن أن يقدم بفضل عمله أو فكره خدمة لفرنسا.

وليست فرنسا البلد الغربي الوحيد الذي ينهب بهذه الطريقة. فالولايات المتحدة تستولي على مليون باحث سنويا يأتون من كل بلدان العالم. وقال بيل غيتس رئيس شركة مايكروصوفت أنه سيشغل لوحده 5.000 خبير في الإعلام الآلي من إحدى المدن الهندية التي أصبحت قبلة جديدة في الميدان. فهؤلاء ينتظرون أن يبذل بلد من بلدان الجنوب مجهودا ماليا جبارا لتكوين نخبة قليلة، ثم يأتي الأغنياء للاستيلاء على تلك النخبة لأن المدخول في بلدان الجنوب ضعيف والحياة مرة والحريات غائبة والنظام السياسي لا يفتح آفاقا.

لكن كل هذا النهب يتم باسم التعاون والتضامن ومساعدة بلدان الجنوب للخروج من التخلف. واقتنع الكثير من حكام الجنوب أن العولمة قضية حتمية، وأن لا حيلة لهم. فتسارعوا ليدخلوا في مفاوضات مع المجموعة الأوربية ومع المنظمة العالمية للتجارة، وأبرموا اتفاقيات لم يكن يحلم بها أرباب العمل في البلدان الغنية. والاتفاق الذي توصلت إليه الجزائر يحول البلاد إلى مستعمرة تتدفق فيها كل منتوجات أوربا، لتمتص كل مداخيل النفط، لكنها في المقابل لا تفتح أي مجال للاقتصاد الجزائري لأن البلاد لا تكسب صناعة أو اقتصادا يمكن أن يبيع شيء ما في أوربا.

ويجب أن نعترف أن الاستعمار الجديد وجد حلفاء في بلداننا. فقد فتح لهم القادة كل المجال لنهب أموال البلاد وخيراتها، سواء كانت نفطا أم عبادا. فالجزائر وضعت قانونا جديدا للمحروقات يسمح صراحة بنهب البلاد. وتمت المصادقة على هذا القانون رغم أن الخبراء والعقلاء قالوا أنه خطير جدا، ولا فائدة منه اليوم، ولا داعي للإسراع في قضية حساسة مثل هذه.

و قال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه أن هذا القانون مفروض علينا، لكنه لم يبد استعدادا لمقاومة هذه الضغوط الخارجية، ولم يعمل لدفع المقاومة وتنظيمها، والبحث عن قاعدة شعبية لها. فالاستعمار الجديد يفرض قواعده بطرق أخرى: إنه يفضل القرارات التي نتخذها نحن، بحكومتنا وبرلماننا، لنفتح له طريق بيوتنا.

ويؤدي كل هذا إلى تساؤل يفرض نفسه: هل نلوم المستعمر الذي وجد الفراغ فملأه، أم نلوم أنفسنا، أي تلك الفئة التي قيل عنها سياسية، والتي شغلت نفسها بفتح الباب أمام الاستعمار؟

وللحديث بقية.

abc@wissal.dz

 

 

فشل تام للإصلاح المالي في الجزائر

بعد القضاء على آخر بنك خاص

فشل تام للإصلاح المالي في الجزائر

 

 

سقط آخر بنك جزائري خاص هذا الأسبوع، وسقطت معه كل القرارات والمبادرات التي اتخذتها الجزائر مند خمسة عشر سنة من أجل تغيير النظام المالي والبنكي، مما يعلن الفشل الرسمي لإصلاح النظام المصرفي الذي أصبح يشكل إحدى العراقيل الأساسية للنمو الاقتصادي في الجزائر.

وقد أعلن البنك المركزي الجزائري -المكلف برقابة البنوك- أنه شرع في تطبيق قراراه المتخذ قبل أسبوع لوضع حد لنشاط الشركة الجزائرية للبنك، التي تم وضعها تحت نظام التصفية ووضع صاحب البنك رهن الحبس الاحتياطي بعد أن اتضح أنه لم يحترم القواعد المعمول بها في الميدان. ويكون هذا البنك آخر مؤسسة خاصة تختفي من السوق الجزائرية بعد كل من بنك الخليفة و-يونيان بانك- والبنك التجاري والصناعي والبنك الجزائري الدولي وغيرها.

وقد ظهرت معظم هذه البنوك في التسعينات من القرن الماضي، بعد المصادقة على قانون الصرف والقرض في يناير 1990. وأعطى هذا القانون استقلالية كبرى للبنك المركزي الجزائري ليجعل منه مركزا أساسيا للقرارات المتعلقة بالاقتصاد والمالية والعملة، خاصة فيما يتعلق بقيمة الدينار الجزائري ونسبة القروض ومراقبة البنوك.

لكن هذه الاستقلالية تراجعت تدريجيا خلال التسعينات من القرن الماضي، لما سيطر العنف في البلاد، مما أدى إلى تراجع القانون بصفة عامة واحتكار اللوبيات على القرار السياسي والاقتصادي. إضافة إلى ذلك، كانت السلطة الجزائرية تتغافل عن الأخطاء التي ترتكبها البنوك في محاولة لإقناع الأجانب أن الوضع في الجزائر يتحسن وأن تضاعف البنوك الخاصة دليل على ذلك.

وفي هذه الظروف الغامضة، تأسست البنوك الجزائرية الخاصة، وكان كل بنك معروف عند الجزائريين أنه مرتبط بهذا الجنرال أو ذاك، حتى وإن كان الخبر خاطئا. واعتادت البنوك أن تتعامل بطريقة غير قانونية مثل منح قروض لأهالي صاحب البنك أو لأصدقاء من السلطة لا يقدمون الضمانات الضرورية. ومع انهيار بنك خليفة وما أحدثه من فضائح، اتضح أن كل البنوك الخاصة كانت تعمل بنفس الطرق ولو بدرجات مختلفة.

وفي نهاية المطاف، انهارت هذه البنوك كلها، تاركة أرقام خيالية من الاختلاسات سيتحملها المواطن الجزائري، بينما تبقى البنوك التابعة للدولة تعرف هي كذلك سلسلة من الفضائح التي فاقت المليار دولار. ويبقى الاقتصاد الجزائري من جهته يتيما لا يجد المؤسسات البنكية والمصرفية التي ترافق عملية التنمية. فالبنوك الجزائرية الخاصة انقرضت، والبنوك التابعة للدولة عاجزة تماما على التعامل مع اقتصاد السوق، ولم يبق إلا البنوك الأجنبية، خاصة الفرنسية، التي بدأت تستولي تدريجيا على سوق المعاملات التجارية في البلاد.

ويخشى مسئول في حزب العمال –اليساري- أن يكون هذا الوضع نتيجة لخطة مدبرة لا نتيجة العجز فقط. ويقول هذا المناضل أنه لا يمكن أن نقبل أن كل البنوك الخاصة تنهار في ظرف أشهر قليلة بعد أن كانت الحكومات تتغنى بوجودها. ويضيف أن هذا القرار -بتصفية البنوك الواحدة تلو الأخرى يهدف إلى القضاء على كل المكونات الوطنية للاقتصاد الجزائري-.

و هذا الخطاب المعتاد عند الأحزاب اليسارية أخذ طابعا جديدا بعد التطورات الأخيرة في الجزائر حيث أصبح متداولا في أوساط عديدة، منها بعض الأوساط الليبرالية التي تخشى انهيارا تاما للمتعاملين الجزائريين أمام هجوم رأس المال الأجنبي. ويذكر هؤلاء سلسلة من القرارات الاقتصادية المتتالية تم اتخاذها خلال السنة الماضية، والتي تخدم بصفة واضحة الشركات الأجنبية على حساب الاقتصاد الجزائري. وقد كتب أحد الاقتصاديين أن الجزائر ستضيع بين 50 إلى 150 مليار دولار خلال الخمسة عشر سنة القادمة بسبب القانون الجديد للمحروقات، وهو القانون الذي لا يجد مبررا اقتصاديا. مع التذكير أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قال في 24 فبراير الماضي أن هذا القانون مفروض على الجزائر.

وبصفة عامة، فإن السياسة الاقتصادية والمالية تخضع منذ عشرية كاملة لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، في إطار الاتفاق الذي تم سنة 1994 مباشرة بعد قرار الجزائر بإعادة جدولة ديونها الخارجية. ومنذ ذلك التاريخ، اعتادت الإدارة الجزائرية أن تطبق ما يأتيها من توصيات من صندوق النقد الدولي، وتخلت تدريجيا عن القرار ثم عن التحاليل، إلى أن أصبحت عاجزة تماما عن إبداء أي رأي في الموضوع. وبعد ذلك، وفي نفس المنطق، تم التفاوض مع الاتحاد الأوربي والمنظمة العالمية للتجارة دون مراعاة لمصالح الشركات الجزائرية، مما حطم ما تبقى من أوراق يملكها الاقتصاد الجزائري.

وأدى هذا التطور إلى ضعف لا مثيل له للمؤسسات الاقتصادية الجزائرية، التي أصبحت موضوع كلام العام والخاص، كما أصبحت محل تعليقات من طرف الدبلوماسيين الأجانب. ووضع الدبلوماسيون جانبا التحفظ المعتاد لديهم ليتكلموا علنا فشل المؤسسات الاقتصادية الجزائرية دون أن تحرك الحكومة ساكنا.

ولما أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الصيف الماضي أنه سيخصص مبلغ 55 مليار دولار لمخطط الإنعاش الاقتصادي، أجابه السفير الأوربي في الجزائر بتصريح واضح حيث قال أن الإدارة الجزائرية عاجزة تماما عن تسيير مثل هذه المبالغ. ولم يتطرق السفير الأوربي صراحة إلى موضوع الرشوة، لكنه أشار إلى هذه الظاهرة التي خنقت الاقتصاد الجزائري.

أما السفير الأمريكي ريشارد إردمان، فإنه استعمل كلامات مشابهة حيث قال في استجواب لإحدى اليوميات أنه من الضروري أن تسود الشفافية. وأضاف أنه من -الضروري أن تواصل الجزائر إصلاحاتها الاقتصادية، وخاصة النظام البنكي الذي يشكل عائقا للنمو الاقتصادي- . وحتى الشرطات الغربية فإنها أصبحت تصدر ما يشبه التوصيات للإدارة الجزائرية. فقد قال رايموند فورتان ممثل الشركة الكندية أس أن سي لافالان أنه –على الإدارة الجزائرية أن تكون في المستوى- إذا أرادت أن تشرف على تسيير المشاريع الكبرى التي تكلم عنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ومن جهة أخرى فإن تراكم هذه العوامل السلبية أدى إلى تراجع ملحوظ في عملية النمو الاقتصادي باستثناء ميدان المحروقات. وقد بلغت الاستثمارات الأجنبية 1.8  مليار دولار سنة 2005، رغم كل التسهيلات التي تقدمها الجزائر للمستثمرين الأجانب. ويحتوي هذا الرقم على عقود كبرى لا ينتظر أن يكون لها مثيل خلال السنوات القادمة، كما أنها تقتصر على عدد من الخدمات مثل بناء الفنادق الضخمة التي يستولي على نصف الاستثمار الأجنبي خارج قطاع المحروقات.

ومما أثبت هذا الفشل كذلك عجز السلطات الجزائرية في خوصصة –خصخصة- البنوك التابعة للدولة رغم أن الخطاب الرسمي يعتبر العملية ذات أولوية كبرى. وقد أعلن وزير سابق قبل عشر سنوات ضرورة خصخصة البنوك، ووضع في قائمته القرض الشعبي الجزائري، وهو من أكبر البنوك الجزائرية. وكان السيد مراد بن اشنهو قد نشر كتابا قبل أن يصبح وزيرا سنة 1994، ركز فيه على ضرورة الخصخصة، لكنه لم يتمكن من خصخصة أي بنك ولا أية مؤسسة. وتتابع الوزراء، منهم أحد أقربائه عبداللطيف بن اشنهو، الذي عجز بدوره أمام انهيار الإدارة الجزائرية.

لكن الإدارة الجزائرية، إن كانت عاجزة على التفكير في مشروع ما أو على تحقيقه، فإنها قادرة على تحطيم أي مشروع يهدف إلى تغيير الوضع الحالي. فهذه الإدارة التي تشكل في الحقيقة غطاء سياسيا لحكم بوليسي عسكري، تمكنت من فرض قواعدها المبنية على الرشوة وعدم احترام القانون في كل الميادين. و استطاعت أن تمنع البنوك الخاصة من البروز بصفة فعالة، خاصة وأن أكبر ممثل لهذه البنوك، وهو صاحب بنك الخليفة، قام بأكبر عملية سطو في تاريخ الجزائر، مما وضع البنوك الأخرى في وضع لا يطاق. ولم يبق من بديل إلا البنوك الأجنبية.

عابد شارف