إستعمار أنيق

 

باسم التعاون والتضامن، وباسم التفتح والعولمة، تستعد الجزائر لاستقبال الاستعمار. إنه استعمار عصري، أنيق، يشكر قادة بلدان الجنوب على تفهمهم…

 

عابد شارف

 

تستعد الجزائر للتعامل مع الاستعمار بكل عزة وافتخار. إنها تتفاوض بشرف وكرامة، وتطالب بكل احترام من الاستعمار الجديد أن يسمح لها بالوصول إلى الفتات الذي سيكون من حقنا بعد عملية إعادة توزيع الأوراق على المستوى العالمي، وهي العملية التي تجري أمام أعيننا دون أن يكون لنا فيها نصيب ولا حتى حق في الكلام.

فالاستعمار الذي يغزونا اليوم من نوع جديد. إنه يستعمل طرق عصرية غير العنف والقتل الذي استعمله الكثير من الجنرالات في السابق من أمثال بيجو وشال ولاكوست وأوساراس. إنه استعمار متحضر، ينتظر منا أن نفتح له الأبواب، ونعرض عليه ما نملك، ونتركه يختار بحرية بأي طريقة يمضعنا وكيف يبلعنا. إن هذا الاستعمار الجديد لا يكتفي بإقناعنا أنه ضروري لحياتنا، بل أنه دفعنا إلى أن نطالب به لأن حياتنا اليومية أصبحت مستحيلة من دونه.

فنحن قوم متخلفون لا نعرف كيف نبحث عن النفط، ولا كيف نبيعه في السوق، ولا بد أن يأتينا العلماء والخبراء من العالم المتحضر ليعلمونا كل هذا، ونحن لا نعرف التجارة ولا الصناعة ولا حتى كيف نتكلم في التلفزيون… وبطبيعة الحال فإننا لا نعرف كيف نشفي مرضانا ولا كيف نبني ونسير المستشفيات… ومن الضروري أن يأتي هؤلاء العلماء ليشرحوا لنا في نهاية المطاف كيف أن الجزائريين أصبحوا أغبياء إلى درجة أنهم يطلبون من الآخرين أن ينهبوا خيراتهم…

والاستعمار هذا يأتي باسم التعاون. تأتي شركة أمريكية تستثمر دولارا واحدا وتجني عشر دولارات. ورغم هذا يأتي خبراؤنا ليقولوا أن قوانين البلاد ليست كافية لجلب المستثمرين، فيجب تقديم تنازلات أخرى. يجب للشركة الأمريكية أن تجني عشرين دولارا أو ثلاثين لما تستثمر دولارا واحدا. وبهذه الطريقة يرضى عنا الأقوياء ويقولون عنا أنا متفتحون ولدينا قابلية للعصرنة.

والاستعمار الجديد يعمل باسم القيم الأخلاقية الكبرى، مثل التضامن. وباسم التضامن، يتعاطف وزير الداخلية الفرنسي نيكولا صاركوزي معنا ويتكرم على أبنائنا بمنحهم فرصة للاستيطان في فرنسا. وقال صاركوزي أنه سيقترح عن قريب قانونا جديدا ينهب بواسطته كل ما يمكن أن تنتج بلدان الجنوب من نخبة. فهذا القانون الذي تحضر له فرنسا يعطي فرصة العمل والسكن في فرنسا وفي أوربا لكل من تحصل على شهادات دراسية عليا، ولكل من يمكن أن يقدم بفضل عمله أو فكره خدمة لفرنسا.

وليست فرنسا البلد الغربي الوحيد الذي ينهب بهذه الطريقة. فالولايات المتحدة تستولي على مليون باحث سنويا يأتون من كل بلدان العالم. وقال بيل غيتس رئيس شركة مايكروصوفت أنه سيشغل لوحده 5.000 خبير في الإعلام الآلي من إحدى المدن الهندية التي أصبحت قبلة جديدة في الميدان. فهؤلاء ينتظرون أن يبذل بلد من بلدان الجنوب مجهودا ماليا جبارا لتكوين نخبة قليلة، ثم يأتي الأغنياء للاستيلاء على تلك النخبة لأن المدخول في بلدان الجنوب ضعيف والحياة مرة والحريات غائبة والنظام السياسي لا يفتح آفاقا.

لكن كل هذا النهب يتم باسم التعاون والتضامن ومساعدة بلدان الجنوب للخروج من التخلف. واقتنع الكثير من حكام الجنوب أن العولمة قضية حتمية، وأن لا حيلة لهم. فتسارعوا ليدخلوا في مفاوضات مع المجموعة الأوربية ومع المنظمة العالمية للتجارة، وأبرموا اتفاقيات لم يكن يحلم بها أرباب العمل في البلدان الغنية. والاتفاق الذي توصلت إليه الجزائر يحول البلاد إلى مستعمرة تتدفق فيها كل منتوجات أوربا، لتمتص كل مداخيل النفط، لكنها في المقابل لا تفتح أي مجال للاقتصاد الجزائري لأن البلاد لا تكسب صناعة أو اقتصادا يمكن أن يبيع شيء ما في أوربا.

ويجب أن نعترف أن الاستعمار الجديد وجد حلفاء في بلداننا. فقد فتح لهم القادة كل المجال لنهب أموال البلاد وخيراتها، سواء كانت نفطا أم عبادا. فالجزائر وضعت قانونا جديدا للمحروقات يسمح صراحة بنهب البلاد. وتمت المصادقة على هذا القانون رغم أن الخبراء والعقلاء قالوا أنه خطير جدا، ولا فائدة منه اليوم، ولا داعي للإسراع في قضية حساسة مثل هذه.

و قال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه أن هذا القانون مفروض علينا، لكنه لم يبد استعدادا لمقاومة هذه الضغوط الخارجية، ولم يعمل لدفع المقاومة وتنظيمها، والبحث عن قاعدة شعبية لها. فالاستعمار الجديد يفرض قواعده بطرق أخرى: إنه يفضل القرارات التي نتخذها نحن، بحكومتنا وبرلماننا، لنفتح له طريق بيوتنا.

ويؤدي كل هذا إلى تساؤل يفرض نفسه: هل نلوم المستعمر الذي وجد الفراغ فملأه، أم نلوم أنفسنا، أي تلك الفئة التي قيل عنها سياسية، والتي شغلت نفسها بفتح الباب أمام الاستعمار؟

وللحديث بقية.

abc@wissal.dz

 

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s