قال المسئول وقال الواقع…

بين كلام المسئولين وواقع البلاد وادي… بل نهر… يكفي أن نتكلم عن الاقتصاد ايتضح لنا الفارق
عابد شارف

خطب حميد تمار، فقدم حصيلة حول الاقتصاد الوطني وما قام بع وزير الخوصصة في ميدان الخصخصة، قبل أن يعطي وعودا جديدة عن الخصخصة والخوصصة. وخطب قبله وزراء آخرون واقتصاديون يعملون في صفوف السلطة، وخبراء موالين للسلطة، فمدحوا أنفسهم وذويهم، وقالوا أن الاقتصاد الوطني في تحسن مستمر، وأن البرامج التي سطرها فخامته قد حسنت الوضع بصفة واضحة كما أنها ستعطي نتائج رائعة بعد حين.
وتكلم آخرون فثرثروا وقالوا ما لا يقال. قالوا أن الاقتصاد الجزائري سمح بإنشاء عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من مناصب الشغل. ونطق كل وزير في زاويته الخاصة فأعطى الأرقام التي رأى أنها سترضي الشعب وترضي أهل السلطة، وهي الأرقام التي لا علاقة لها إطلاقا مع الواقع. ولما انتهى كل واحد منهم من الكلام، اعتبر أن الجزائر نجحت، وأنها في طريق الخروج من الأزمة، بعد أن تجاوزت أصعب المراحل. وبرهن هؤلاء على براعتهم في التلاعب بالأرقام، وفي الهروب من الحقيقة، وحسن تصرفهم الذي يمنعهم من مواجهة مشاكل المواطنين.
فرغم الخطب والقوانين، ورغم الوعود وتدفق الأموال، فإن الاقتصاد الجزائري يبقى ضعيفا إلى درجة أنه من الصعب أن نجد في بلد آخر كل السلبيات التي تمكن الاقتصاد الجزائري أن يجمعها. فهو اقتصاد يستهلك أموالا كثيرة ويفرز أرباحا ضعيفة جدا، إن أفرز أرباحا. وهو اقتصاد غير متوازن، سيموت إذا غابت المحروقات، كما أننا نكاد لا نجد فيه للإنتاج أثرا باستثناء ميدان النفط .
هذا واقع تكلم عنه الجزائريون في مرحلة أولى. لكن لم تصغ لهم السلطة، وفشلت المؤسسات الجزائرية في دق ناقوس الخطر رغم التدهور المستمر للاقتصاد وانتشار سوء التسيير. وفي نهاية المطاف، تدخلت الهيئات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والمنظمات غير الحكومية للمطالبة بتسيير أحسن لشؤون البلاد…
وقال صندوق النقد الدولي في تقريره لسنة 2005 أن الجزائر من أضعف البلدان العربية في سلم حسن التسيير، كما طالب السلطات الجزائرية بشفافية أكبر في تسيير مداخيل المحروقات. وأوصى الصندوق بإعادة النظر في تسيير الأموال بإعطاء دوري جديد لبنك الجزائر، لأن البنوك الأخرى لا تقدم الضمانات الضرورية للتسيير المقبول. وعبر الصندوق بصفة واضحة عن تخوفه من أن تبتلع الرشوة والتبذير وسوء التسيير المبالغ الهائلة التي قيل أنها ستخصص لبرنامج الإنعاش الاقتصادي.
ومن جهته قال البنك العالمي في تقرير مماثل أن تسيير الاقتصاد الجزائري ضعيف، ودعا السلطات الجزائرية إلى ضرورة التفكير في فعالية الاستثمار لأن الأموال التي تصرف بكثرة لا تعني بالضرورة أن البلاد تتقدم. ويعترف البنك العالمي أن الجزائر في حاجة كبرى إلى استثمارات قاعدية ضخمة، لكن ذلك لا يمنع من التركيز على فعالية الاقتصاد ومراقبة الأموال العامة.
ومن جهة أخرى، قيل عن الفريق الذي تسلط على الاقتصاد الجزائري أنه ليبرالي متطرف، وأنه يعمل لوضع حد للدولة في الميدان الاقتصادي. وتغنى وزير الخوصصة حميد تمار بذلك وقال أنه قطع مشوارا كبيرا في بيع المؤسسات العمومية. لكن بيع المؤسسات الاقتصادية والثرثرة حول قضية تشجيع الخواص لا تعني حرية الاقتصاد كما أكدته دراسة أمريكية بريطانية. وقد تم تصنيف الاقتصاد الجزائري في المرتبة 119 من ضمن 161 بلد شملتهم دراسة قامت بها المؤسسة الأمريكية –إيريتاج فواندايشن-. وتأخذ هذه الدراسة بعين الاعتبار سلسلة من المؤشرات منها التجارة ونظام الضرائب وتدخل الحكومة والسياسة النقدية وغيرها والاستثمار الخارجي والبنوك وغيرها. ومما يثير القلق أكثر أن الجزائر تراجعت من سنة لأخرى من الرتبة 100 إلى 119 حسب هذا التصنيف، مما يؤكد أن الوضع يتدهور في البلاد عكس ما يقول شعراء السلطة.
ولا يتردد التقرير في اعتبار الجزائر بلدا مغلقا من جانبه الاقتصادي، ويذكر العلل التي تعاني منها البلاد مثل البيروقراطية والرشوة في صفوف الإدارة وسيطرة أوساط غامضة على القرار الاقتصادي وعدم وجود استقلال القضاء مما يدفع إلى انتشار الشكوك حول حماية الممتلكات.
ومن جهتها قالت منظمة العالمية للشفافة Transparency International أن الجزائر تحتل الرتبة 97 في ميدان انتشار الرشوة، بينما لم تتردد تنظيمات أخرى في تصنيف الجزائر بعد الرتبة 120. وقالت المنظمة أن تدفق أموال النفط زاد من حدة الرشوة خاصة وأن أطرافا كثيرا تعتبر أنها تجري وراء الغنيمة ولا تحترم إطلاقا القوانين المتعلقة بالصفقات العمومية.
وبعد كل هذا، يمكن لحميد تمار أن يتكلم، ولشكيب خليل أن يدعي ما شاء، ولوزير العدل أن يثرثر، فذلك لن يغير الواقع. وهذا الواقع يؤكد يوميا أن الجزائر اختارت الرشوة والتبذير وسوء التسيير والفشل بينما كان منتظرا أن تختار النمو والتقدم والإصلاح والشفافية وحسن التسيير. وبهذا الخيار دخلت السنة الجديدة، سنة خير…
ع.ش
abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s