البحث عن سيادة جديدة

البنوك الأجنبية ستملأ الفراغ الناتج عن فشل البنوك العمومية وانهيار البنوك الخاصة… المحروقات مطروحة في السوق، وصندوق النقد الدولي يتصرف في التوازنات الاقتصادية الكبرى… بعد أن ضاع القرار الاقتصادي، ماذا تبقى من القرار الوطني الجزائري؟

عابد شارف

مع قرار البنك المركزي الجزائري بوضع حد لنشاط الشركة الجزائرية للبنك في نهاية الشهر الماضي، وضعت الجزائر حدا نهائيا للتحكم في اقتصادها، وتركت لأوساط ودوائر خارجية المجال لتوجه الاقتصاد الجزائري حيث شاءت. وجاء هذا القرار مكملا لمبادرات انتحارية سابقة، بدأت بإعادة جدولة الديون الخارجية سنة 1994 وتواصلت بقانون المحروقات العام الماضي مرورا بتدمير الإدارة والمؤسسات والهياكل المنتخبة.
فرغم أن الخبر المتعلق بإنهاء نشاط الشركة الجزائرية للبنك Compagnie Algérienne de Banque لم يكن له الصدى المنتظر، إلا أنه أعطى الإعلان الرسمي لفشل النظام المصرفي الجزائري. فهذا البنك كان آخر مؤسسة مصرفية جزائرية ذات رأس مال خاص ينشط في البلاد.
والحقيقة تفرض أن نقول أن البنوك الخاصة انتهت منذ مدة لما ضاعت ثقة المواطنين والمتعاملين فيها. فبعد الفضائح السابقة التي زعزعت البلاد مثل فضيحة الخليفة وبنك BCIA، ضاعت لم يبق للبنوك الخاصة إلا وجود رمزي لا أثر له على النشاط الاقتصادي الوطني. وارتكبت السلطة أول خطأ غي الميدان لما تغافلت عن الأخطاء المتتالية التي ارتكبتها تلك البنوك، مما فتح الباب أمام طرق عمل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكارثة. وفعلا، بينما كان الخبراء يتكلمون عن الانهيار المنتظر لبنك الخليفة مثلا، كانت السلطة تقدم صاحب هذا البنك كنموذج للجزائر الجديدة التي تستثمر وتنجح وتمثل بذلك صورة الجزائر المستقبلية.
وإلى جانب فشل البنوك الخاصة، لم تتمكن البنوك العمومية أن تخطو خطوة واحدة في طريق التغيير، بل تراجعت إلى درجة مذهلة كما أكدت ذلك الفضائح التي سجلت خلال السنوات الماضية. وسواء تعلق الأمر بالبنك الوطني الجزائري أو القرض الشعبي الجزائري أو بنك الفلاحة والتنمية الريفية وغيرها، فإنها أفرزت نفس التعاملات التي تتلخص كلها في تحويل الأموال بمبالغ خيالية إلى جانب عجز شامل في مسايرة النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن الفضائح المتتالية دفعت إطارات تلك البنوك إما إلى البحث عن طرق جديدة للتحايل على الأموال، إما إلى التشكيك في كل العمليات وفرض نوع من الجمود على نشاطها.
والخطر لا ينتهي هنا، بل أنه يبدأ من هنا. ففي الوقت الذي تفتخر البلاد بامتلاك ما يقارب 70 مليار دولار من العملة الصعبة، لم يبق في البلاد بنك جزائري يحسن التصرف في هذا الميدان. وهذا ما يفتح الباب أمام البنوك الخارجية، وخاصة منها البنوك الفرنسية، للتصرف في الأموال الجزائرية. وقد فهمت البنوك الفرنسة أهمية انتشارها في البلاد، وبدأت فعلا تحتل الميدان تدريجيا، مما سيجعل منها المتعامل المالي الأول لما سيتعلق الأمر بالتصرف في المخزون الجزائري من العملة الصعبة.
ومما يزيد القضية مرارة هو أن هذا الفشل التام في ميدان الإصلاح البنكي أصبح رسميا 15 سنة بعد المصادقة على قانون القرض والصرف الذي كان يشكل الوسيلة الأساسية للإصلاح الاقتصادي. وبذلك تكون الجزائر قد قضت خمسة عشر سنة لتعود إلى نقطة الصفر، بل لتعود إلى أدنى من نقطة الصفر لأنها لم تكتف بالقضاء على البنوك الخاصة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك لتسحب منها الثقة بصفة نهائية. وأمام عجز البنوك العمومية، فإنه لم يبق إلا اللجوء إلى البنوك الأجنبية للنجاة…
هذا المسار لم يأت صدفة. إنه نتيجة تصرف سيطر على البلاد منذ سنوات طويلة. إنه تصرف يسعى إلى القضاء على الهياكل والمؤسسات الجزائرية بطريقة أو أخرى لتأتي مؤسسات أجنبية أو دولية تتصرف مكانها. وإذا كان تصرف من هذا النوع يظهر على شكل خطأ، فإن تراكم هذه التصرفات يمنع من الكلام عن أخطاء متتالية، ويدفع إلى القول أنها سياسية. فيمكن للوزير أو الرئيس أن يخطئ مرة أو مرتين، لكن لما يرتكب عشر مرات نفس الخطأ، لا بد أن ننظر إلى الواقع كما هو ونقول أن هذا التصرف ليس خطأ إنما هو خيار سياسي لا بد لصاحبه أن يتحمل مسؤوليته.
فابتداء من سنة 1992 مثلا، رفضت السلطة الجزائرية أن تقوم بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية، مما دفعها في نهاية المطاف إلى إعادة جدولة الديون الخارجية. وبذلك أصبح القرار الاقتصادي بيد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. وأصبحت القرارات الاقتصادية الكبرى تأتي من واشنطن.
وفرضت تلك المؤسسات فكرا جديدا لم تأخذ منه الجزائر إلا الجانب السلبي. فلما رأت الجزائر أن تلك المؤسسات الدولية تبني عملها على الفكر الليبرالي، نسي البلاد كل ماضيها وتجربتها، وجعلت من الخوصصة والاستثمار الخارجي مثلا أساس النمو الاقتصادي. وكانت الكارثة أكبر لأن الخوصصة فشلت، والاستثمار الخارجي مازال غائبا رغم أكاذيب الوزراء والمسئولين.
وأكثر من هذا كله، فإن انهيار القرار الوطني أدى إلى المساس بأهم ورقة اقتصادية للبلاد وهي المحروقات. ولجأت السلطة إلى قانون لا يوجد له أي مبرر اقتصادي ولا سياسي، حيث فرضت قانونا جديدا لا يعرف له مثيل في العالم العربي. ولا بد لكل جزائري أن يعرف أن الجزائر فقدت التحكم في كل البترول الذي يمكن اكتشافه مستقبلا، مع العلم أن حجم الاكتشافات المنتظرة كبير جدا.
وإذا تخلى بلد عن تسيير أمواله لصالح بنوك أجنبية، بعد أن حول القرار الاقتصادي إلى المؤسسات الدولية، وتخلى كذلك عن التصرف في قطاع بحجم المحروقات، فإنه يكون قد تخلى عن قراره السياسي. وبقي عليه أن يختار أي سؤال يجب أن يطرحه على نفسه: هل يجب أن نتساءل كيف سيتعامل معنا أصحاب القرار، أم نتساءل ما العمل لاستعادة القرار السياسي؟
ع.ش
abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

3 Commentaires

  1. Alexis

     /  25 janvier 2006

    aaaaah je comprend pas !!lol tant pis pour moi !

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s