أزمة مياه حادة في إفريقيا بسبب ضعف الاستثمار وسوء التسيير

 

إفريقيا تموت عطشا 

عابد شارف

 

وجهت الجمعية الإفريقية للمياه نداء إلى مواصلة الإصلاحات في ميدان تسيير الماء، لكنها رفضت اختيار صيغة محددة حيث اعتبرت أن وضع كل بلد وكل مجتمع يختلف ويتطلب قرارات تتلاءم مع المجتمع المذكور. ورغم ضغوط الشركات العالمية التي تحتكر الميدان، خاصة منها الفرنسية الموجودة بقوة في إفريقيا، فإن الجمعية التي عقدت مؤتمرها الثالث عشر في منتصف فيفري في الجزائر رفضت أن تتبنى خصخصة توزيع المياه كحل أساسي للأزمة، واختارت أن تترك لكل طرف حرية التصرف بما يلاءم واقعه الاجتماعي.

وتبقى إفريقيا القارة الأكثر تضررا من عدو توفر المياه لصالح المواطنين، حيث يبقى ثلث سكان القارة أي 300 مليون نسمة محرومون من هذه المادة الحيوية. ويعتبر أحد الخبراء أن الأمراض الناتجة بصفة مباشرة عن هذه الوضعية تؤدي إلى وفاة أكثر من نضف مليون شخص سنويا. إضافة إلى ذلك، فإن انعدام النظافة الناتج عن ندرة المياه يفتح المجال إلى انتشار أمراض أخرى عند المصابين بالإيدس Sida، مما يجعل من تزامن الإيدس وانعدام النظافة أول متسبب للوفيات في إفريقيا.

وعكس ما هو شائع، فإن ندرة المياه لا تمس إلا عددا قليلا من البلدان في المنطقة الشمالية والصحراوية من القارة، بينما يوجد فائض في الكثير من المناطق كما توجد منابع مستغلة إلى درجة مختلفة مثل أنهار الكونغو والنيل والنيجر إلى جانب بحيرات كبرى في إفريقيا الوسطى. أما المشكل الحقيقي فإنه يتمثل في عجز القارة عن استغلال مواردها المائية حيث لا تتجاوز نسبة المياه المستغلة أربعة بالمائة من الكميات المتوفرة. وإذا كانت بعض البلدان في شمال إفريقيا قد شرعت في إنجاز مشاريع كبرى لتدارك الوضع، مثل ليبيا والجزائر، فإن ندرة التمويل وانعدام التكنولوجيا وضعف التأطير يمنع أكثر الدول الإفريقية من الأمل في الوصول إلى وضع لائق في آجال قريبة أو متوسطة.

وقد حاولت مؤسسات متعددة أن تفكر في وضع خطة تسمح لإفريقيا أن تتقدم في مجال توزيع المياه، منها الأمم المتحدة التي حددت "عشرية" للمياه، والبنك الإفريقي للتنمية الذي يشارك في تمويل العديد من المشاريع، والمجموعة الأوربية التي تبقى أكبر المانحين. لكن المنظمة الإفريقية للمياه تعتبر أنه يجب استثمار 20 مليار دولار سنويا خلال الخمسة وعشرين سنة القادمة لتتمكن إفريقيا من تدارك تأخرها والوصول إلى وضع مقبول، وهو رقم من الصعب الوصول إليه حسب المعطيات الحالية.

ولا حظ البيان الختامي لمؤتمر الجمعية الإفريقية للمياه أن الإصلاحات التي تم تطبيقها لحد الآن في العديد من البلدان الإفريقية لم تأخذ بعين الاعتبار بصفة كافية أصحاب الدخل الضعيف في المدن، بينما تجاهلت بصفة شبه كاملة سكان الريف. وقال الأمين العام للمنظمة السيد سيلفان أوشار Sylvain Usher (كوت ديفوار) في تقرير أعده للمؤتمر أنه لا يمكن أن نعتبر أية طريقة للتسيير كطريقة نموذجية يجب أن تتبناها المنظمة، وأضاف أن الحل النهائي يرتبط بالمحيط الذي يتم فيه تطبيق الإصلاح من جهة، وبالإرادة السياسية عند أصحاب المشروع من جهة أخرى. ورغم ذلك، أضاف أن "الإصلاح يبقى ضروريا" لكنه يجب أن يتم وفقا لبرنامج يسمح لكل الأطراف أن تستفيد من المشروع. ودعا كذلك إلى تحديد "أهداف واقعية ومعقولة" منذ البداية.

ورغم الحذر الذي يظهر في كلام السيد سيلفان أوشار، إلا أنه يشير إلى الصفقات التي تم إبرامها من طرف عدد من البلدان الإفريقية للتكفل بتسيير المياه والتي انتهت دون أن تضمن تحسنا رغم أن الشركات الغربية الكبرى التي تكفلت بالمشروع قد استفادت إلى درجة غير معقولة. فالشركات الغربية تقوم بدراسات لا تأخذ بعين الاعتبار المجتمع الإفريقي، وتحدد أهدافا تشبه تلك الموجودة في أوربا، لكنه لا يمكن تطبيقها ميدانيا، مما يؤدي إلى فشل المشروع مع ضياع الوقت والأموال.

وترددت كثيرا عبارة "حسن التسيير" خلال هذا المؤتمر، وهي طريقة محتشمة للكلام عن الرشوة والتبذير واستعمال الأموال في غير محلها، سواء عند إبرام الاتفاقات أو عند مراقبة تطبيقها، مما يسمح للشركات الغربية أن تحقق أرباحا رغم فشل المشاريع.

ويقول أجد الخبراء مثلا أن المدن الإفريقية لا تحترم الطرق العصرية للعمران، إلى جانب وجود أحياء قصديرية كبرى لا يمكن إيصال الماء إليها. لكن أثناء المفاوضات حول مشروع ما، كثيرا ما تتمكن الشركات الغربية أن تفرض وجهة نظرها على الطرف الإفريقي وتقنع المانحين أنها قادرة على تدارك الوضع. وفي آخر المطاف تحصل الشركة الغربية على أرباح كبرى بينما يزداد الوضع تدهورا في البلد الذكور.

ويعتبر هذا الخبير أنه من الضروري للبلدان الإفريقية أن تفكر في "تسيير متكامل" يسمح بتخفيض تكلفة المياه وحجم الاستثمار. ويقول مثلا أنه من الأفضل للبلدان الإفريقية أن تعتني بالعمران وتتحكم في نمو المدن خلال العشريات المقبلة، مما يسهل عملية التموين بالمياه. ويؤكد بصفة خاصة على هذه النقطة لأن إفريقيا ستحتوي سنة 2020 على 11 مدينة كبرى يفوق عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، إلى جانب 720 مدينة يفوق عدد سكانها 100 ألف نسمة. وسيشكل آنذاك عدد السكان في المدن نصف سكان إفريقيا، ويصبح تزويدهم بالمياه مستحيلا إذا لم يتم التحكم في توسع المدن.

وفي الوضع الحالي، تبقى المناطق الريفية الأكثر حرمانا، لأسباب عديدة منها جانب سياسي يتجاهله معظم الحكام الأفارقة. فالمناطق الريفية تبقى عادة هي الأفقر، ولا تعتني بها السلطة السياسية إلا يوم الانتخابات إذا كانت هناك انتخابات. إلى جانب ذلك، فإن الفلاحين يبقون الفئة الأقل وجودا في الساحة السياسية، ولا تستطيع الضغط على أصحاب القرار. ويبلغ عدد سكان الريف في إفريقيا 60 بالمائة من المجموع، ويبلغ في الكثير منها سبعين بالمائة، ويعني ذلك حسب أحد الخبراء أن "سبعين بالمائة من السكان لا وجود لهم على الساحة السياسية".

ومما يزيد المشكل حدة الأزمات التي تعيشها العديد من البلدان الإفريقية. وطالب المؤتمر أن تتبنى كل الشركات المكلفة بتوزيع المياه بمخطط للقيام بمهمتها في ظروف استثنائية تشمل الأزمات السياسية والحروب وانهيار الإدارة والإفلاس الاقتصادي والجفاف وغيرها من العوامل التي تؤدي إلى انهيار في الخدمات. وبما أن إفريقيا تبقى القارة الأكثر تضررا من الأزمات، فإن عدد الضحايا بسبب انعدام الماء يتضاعف في القارة أثناء الحروب والكوارث مثلما أكد ذلك ارتفاع عدد الضحايا في الكونغو ورواندا وجنوب السودان. وقالت تقارير أغلبية المنظمات غير الحكومية أن  عدد ضحايا الحروب لا يتجاوز عشرة بالمائة خلال العمليات العسكرية، بينما يتم تسجيل العدد الأكبر من الضحايا بسبب تدمير الإدارة والخدمات في الفترة التي تلي الحرب مباشرة، ومن أهم هذه العوامل انعدام الماء والنظافة.

ولاحظ المؤتمر أن أصعب معادلة في الميدان في إفريقيا بالنسبة للماء تبقى تلك المتعلقة بالتكلفة. واعترف المؤتمر أن الشركات الموزعة للماء يجب أن تحصل على أرباح لكنها مضطرة إلى توفير المياه للفئات المحرومة التي لا تكسب الموارد المالية الضرورية لذلك. وباستثناء القليل من البلدان التي تعرف فائضا ماليا أو تتميز بمدخول معقول، مثل ليبيا والجزائر وأنغولا، فإن البلدان الأخرى عاجزة عن الاستثمار في ميدان الماء لأن هذا النوع من الاستثمار لا يعطي نتيجة إلا في الأمد البعيد من جهة، ولأن تلك البلدان مضطرة إلى التكفل بمشاكل مستعجلة من جهة أخرى.

ويقول السيد سغو لامبتي Sgo Lamptey، رئيس المنظمة الإفريقية للمياه، أن هناك عامل آخر يؤدي إلى تدهور الوضع وهو وجود قطاعات أخرى تضمن أرباحا أكبر من ميدان الماء. وعلى هامش المؤتمر، قال أحد المندوبين أن الهاتف النقال مثلا يشكل كارثة بالنسبة لإفريقيا لأنه استولى على قسط كبير من الاستثمار الخارجي بينما تبقى القطاعات الأولوية لا تجد الأموال الضرورية. وقال أن بعض الشركات الغربية ذات النفوذ فكرت في التخلي عن قطاع نشاكها التقليدي لتتحول إلى الهاتف النقال الذي يضمن أرباحا لا يمكن مقارنتها مع القطاعات الأخرى.

وقال خبير جزائري أن التعامل مع مشكل توفير المياه في إفريقيا يتطلب نظرة جديدة تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي الجزائر مثلا، قال أن اللجوء إلى تحلية مياه البحر اختيار معقول بشرط أن تفكر البلاد في تطوير الطاقة النووية. ويقول أن الطاقة كانت تشكل نصف ثمن الماء قبل أربع سنوات، لكن مع ارتفاع أسعار البترول، ف، ثمن الطاقة سيبلغ ثمانين بالمائة، ويدفع الثمن الحقيق للماء إلى أسعار غير معقولة. ولذلك يجب التحكم في الطاقة النووية لأنها تضمن سعرا منخفضا للماء المستخرج من البحر. وأضاف بسخرية أنه سعر الماء سيصبح أعلى من سعر البترول إذا بقيت البلدان التي اختارت تحلية مياه البحر تستعمل الطاقة المولدة من النفط. أما في جنوب القارة ووسطها، فيجب الاستثمار في السدود بكثافة، لأنها توفر في نفس الوقت الطاقة الكهربائية والمياه التي يمكن توزيعها.

لكن هذا الخبير أبدى تشاؤمه حيث قال أن "هذه الخيارات الكبرى من الممكن أن تسمح للبلدان الإفريقية أن تتقدم، لكنها لا تضمن بقاء الأنظمة". وهو ما يطرح في نظره المشكل السياسي الذي يبقى في نظره "أول مشكل يجب التطرق إليه، فبدون حل المشكل السياسي، تبقى العديد من المشاكل الأخرى، منها توفير الماء للمواطنين، شبه أبدية".

ع.ش

Publicités

حرب على العمال في عيد العمال

 

عابد شارف

 

في ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، قال عبد النور علي يحيى، وهو أحد مؤسسي النقابة أثناء حرب التحرير، أن إطارات النقابة الموقرة تحولوا اليوم إلى موظفين في الدولة. وأضاف أن النقابة العجوز أصبحت حركة سياسية يمينية، أي أنها تتجاهل مصالح العمال، ولا تدافع عنهم، بل تساند سلطة قررت التخلي عن الضعفاء والفقراء.

وقبل أن تنشر تصريحات علي يحيى في الصحافة، قام الزعيم الحالي لتلك النقابة، المناضل عبد المجيد سيدي سعيد، بمبادرة يظهر من خلالها أنه يريد أن يؤكد تصريحات علي يحيى. فقد وجه سيدي سعيد دعوة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطلب منه ترأس الاحتفالات بهذه الذكرى… وبهذا يتضح إن النقابة تقوم بدور غريب. إنها لا تدافع عن العمال، ولا تنظم نضالهم، ولا تعمل لإيصال مطالبهم وطموحاتهم إلى السلطة، بل تجتهد لتسمح للسلطة أن تخاطب العمال، وكأن الرئيس بوتفليقة في حاجة إلى البحث عن منابر لمخاطبة الجزائريين…

وقد ابتعدت النقابة عن العمال منذ سنوات طويلة، حيث تحولت إلى شبه مديرية لاحتواء الغضب العمالي تارة، وإلى لجنة مساندة للسلطة مهما كان ممثلها تارة أخرى. ورغم العواصف والحروب، ورغم الدماء التي سالت، والمصانع التي أغلقت، والأموال التي حولت، فقد تميز الاتحاد العام للعمال الجزائريين بمساندته المطلقة لكل الرؤساء ولكل الحكومات التي تسلطت على البلاد منذ خمسة عشرة سنة، سواء كانت يسارية بيروقراطية أو يمينية ليبرالية أو انتهازية متطرفة. ولم تحرك النقابة ساكنا رغم الحرب المعلنة على العمال من طرف السلطة في مراحل متعددة، سواء لما دمرت القطاع العام دون توفير بديل له، أو لما فرضت السلطة قانون محروقات جديد يرهن أول ثروة مادية للبلاد، أو لما قامت السلطة بالقضاء على أي تمثيل مستقل للعمال.

وفي هذه المسيرة الكبرى التي تهدف إلى إهانة الجزائريين بصفة عامة والعمال بصفة خاصة ، اختار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ذكرى تأسيس النقابة التاريخية ليعلن قبل سنة أن قانون المحروقات مفروض علينا من الخارج. واختار بذلك ذكرى تأميم المحروقات وتأسيس النقابة ليقضي على الاثنين بضربة واحدة، وذلك تحت تصفيقات سيدي سعيد وأصدقائه من المناضلين الصامدين… وتحول 24 فيفري من ذكرى مجيدة إلى ذكرى أليمة، ذكرى أليمة بالنسبة للعمال ومنظمتهم، كما أنها أليمة بالنسبة للبلاد التي تجد نفسها على وشك التخلي عن التحكم في محروقاتها.

ومقابل الجزائر الرسمية هذه، جزائر البيروقراطية والأرندي والفضائح المالية والتبعية، فإن جزائر أخرى، نقابية وعمالية، تبرز في الميدان. إنها تلك الجزائر التي اعتبرت أن النقابة تبنى انطلاقا من القاعدة لا انطلاقا من السلطة، وتعتبر كذلك أن التمثيل الحقيقي للعمال لا يخضع بالضرورة لرضا السلطة، وأن نقابة تحرك الشارع رغم أنها غير قانونية أفضل من نقابة تحصل على رضا السلطة وتقضي على العمال ومصالحهم.

وتوجد تلك النقابات خاصة في ميدان التعليم، من الابتدائي إلى الجامعة. وقد دخلت في سلسلة من الإضرابات مع اقتراب ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين. وجاء جواب الحكومة بالطريقة البيروقراطية المعتادة، حيث اختار السادة الوزراء اللجوء إلى عدالتهم ليمنعوا الإضراب. ولا نعرف ما الدرس الذي يريد وزير التربية ووزير الجامعة أن يعطيه لتلامذته وطلبته لما يريد أن يمنع الأساتذة من الإضراب. ولا نعرف كيف يمكن لوزير كلفته البلاد أن ينشر العلم والمعرفة، وتحضير الأجيال القادمة، كيف يمكن له أن يتصرف بهذه الطريقة سواء مع نخبة البلاد المتمثلة في أساتذة الجامعة، أو مع المعلمين الذين كلفناهم بتكوين أبنائنا. كيف يمكن لأستاذ جامعي أصبح وزيرا أن يحتقر الجامعيين إلى هذه الدرجة؟ وأين العلم الذي اكتسبه في الجامعة؟ ألا يبدأ العلم باحترام حامل العلم؟

ومهما يكن من نتائج لهذه النزاعات الاجتماعية، فإنها تؤكد أن الجزائر تسير نحو واقع جديد، وأن المجتمع دخل مرحلة تاريخية تتطلب قواعد جديدة، وتنظيمات جديدة، ومواطنين جدد، ومسئولين جدد. وبينما برزت إطارات نقابية جديدة اختارت التعامل مع هذا الوضع الجديد، فإن السلطة ترفض أن تعترف بهذا الواقع وتتعامل معه، بل اختارت التعامل مع الأحزاب والتنظيمات القديمة البالية التي لا تقدم أي مشروع، ولا تحمل أملا للمستقبل. إنها تنظيمات الماضي، بعضها يمثل الجاهلية السياسية، والبعض الآخر يرمز إلى الفشل. وهي لا تخدم المواطن، إنما تحاول أن تجر المواطن ليخدمها، مثلما تعمل نقابة سيدي سعيد إلى جر العمال إلى خدمة السلطة.

ع.ش

abc@wissal.dz

 

أصدقاء جدد لتبعية جديدة

 

عابد شارف

 

بعد الصديق دونالد، يزور الجزائر صديق حميم آخر، اسمه جاك. إنهم أصدقاء جدد للجزائر، أحدهما يشغل منصب وزير الحرب في أمريكا، وهو دونالد رامسفالد، والثاني يشغل منصب وزير الخارجية في بريطانيا، واسمه فخامة الوزير جاك سطرو. وإذا حاولنا أن نبحث عما يجمع هاتين الشخصيتين المحترمتين، وما يفسر حبهما للجزائر، فإننا نجد أن الجواب صعب جدا. ومن الأفضل أن نبدأ من البداية.

ولنبدأ من الثمانينات، لما كان السيد المحترم دونالد رامسفالد صديقا لصدام حسين. كان رامسافلد يزور العراق بكثافة لما كان من المقربين للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان. وكان رامسفالد يمد بغداد بالأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وكان الغرب آنذاك يعمل أولا لمحاربة الثورة الإيرانية، ونجح الغرب في ذلك بسرعة بسبب الضعف السياسي للنظام الإيراني الجديد وأخطائه المتكررة.

ثم تفطن الغرب لواقع جديد، لما اكتشف أن كلا من العراق وإيران أصبحا يتحكمان في عدد من الأسلحة المتطورة. وعندها سطر الغرب خطة جديدة تعامله مع البلدين، ترتكز على هدف واحد: العمل حتى لا ينتصر أي طرف في الحرب العراقية الإيرانية، لأن البلد الذي ينتصر يمكن أن يصبح قوة عسكرية واقتصادية وسياسية يمكن أن تهدد إسرائيل. وبينما كان العراق وإيران يقتتلان وكل منهما يدمر جاره، كان الغرب ينشط حتى تنتهي المعركة بالتعادل. وأكثر من هذا، كان الغرب يجتهد لتطول الحرب، وينتشر الدمار، وتتسع دائرة الخراب، وتتحول الحرب في نهاية المطاف إلى هزيمة للبلدين. وفعلا، أدت الحرب إلى سقوط أكثر من مليون ضحية وتدمير اقتصاد البلدين، ولم تنته إلا بعد أن اكتشفت طهران وبغداد أن الحرب أصبحت لا معنى لها إطلاقا.

وكان هذا النجاح الأول لفخامة الوزير دونالد رامسفالد، حيث تمكن من احتواء إيران لما شغلها بحرب مع الجيران، وحطم قدرة العراق وإيران، أكبر البلدان في المنطقة. وكان عمل رامسفالد مبنيا على فكر سياسي وضبوط، لأن الرجل ينتمي إلى دائرة المحافظين الجدد، وهي التسمية التي أطلقت على اليمين المتطرف في أمريكا الذي يؤمن بنظرية حرب الحضارات.

وبعد 11 سبتمبر، وجد دونالد رامسفالد كل الحرية ليعيث في الأرض فسادا، بعد أن أتيحت له الفرصة لتطبيق مشروعه. وقرر رامسفالد أن يحطم العراق، لأن نظام صدام حسين، رغم جرائمه وبشاعته، لم يقضي على قدرات بلده، خاصة منها التكنولوجية والعسكرية. ووجد رامسافالد حليفا ثمينا في شخص الوزير الأول البريطاني طوني بلار وذراعه الأيمن جاك سطرو الذي قرر مساندة كل القرارات الأمريكية، إلى درجة أن الصحافة البريطانية أعطته طوني بلار تسمية –توتو- أي كلب جورج بوش.

وكان للسيد جاك سطرو الدور الأساسي في إعطاء حد أدنى من الدعم السياسي للخطة الأمريكية الهادفة إلى احتلال وتحطيم العراق. وقد رفض العالم أجمع أن يساند الحرب على العراق، بما فيه عدد من البلدان الغربية التي لا تعرف بالمودة الكبيرة تجاه العرب والمسلمين. لكن أمريكا صممت على تطبيق مشروعها وادعت أن العراق يملك أسلحة دمار شامل، وكذب كل من جورج بوش وطوني بلار على شعبيهما، وتم احتلال العراق. واتضح بعد ذلك أن العراق لا يكسب أسلحة دكار شامل، لكن هذا لم يمنع الأمريكيين والبريطانيين أن يعيدوا انتخاب كل من بوش وبلار. فالشعب الأمريكي الذي كاد أن يطرد الرئيس بيل كلنتون بسبب مغامرة جنسية مع إحدى العاملات في البيت الأبيض اعتبر أن تحطيم العراق بحجة كاذبة لا يشكل مبررا كافيا لنزع الثقة من جورج بوش…

هذه قصة دونالد رامسفالد وصديقه جاك سطرو. ولا نعرف كيف تحول هؤلاء إلى أشخاص يتم الترحيب بهم في الجزائر. يقول البعض أن هذه هي العولمة. ويقول آخرون أن الواقعية السياسية تتطلب التشاور والتفاوض مع كل الأطراف، سواء كانوا أعداء أم أصدقاء. ويقول من قتلهم الغرور أن الجزائر أصبحت طرفا مهما في محاربة الإرهاب، وكل البلدان القوية تصغي لها. لكنه من الواضح أن كل هذه الحجج باطلة، لأن الواقع يؤكد حقيقة أخرى يمنك أن نفسرها بطريقتين.

يمكن أن نقول أن الجزائر لم تتمكن أن تحدد سياسة خارجية واضحة تخدم مصالحها لسبب أو آخر. وفي مثل هذا الوضع، تتنازع البلدان الكبرى لجر الجزائر إلى اتخاذ موقف يخدم مصالح تلك البلدان، وتتمكن القوى الخارجية أن تفرض نظرتها. ويمكن كذلك أن نقول أن الجزائر تخلت بصفة إرادية عن تسطير سياسية خارجية، وفتحت المجال للضغوطات الخارجية التي أصبحت تحدد السياسة الخارجية للبلاد. وبقي علينا أن تختار كيف نفسر هزيمتنا، لأنه في كلتا الحالتين، تبقى النتيجة واحدة التي لا يمكن التهرب منها، وهي تبعية الجزائر لأطراف أخرى في تحديد سياستها خارجية.

ع.ش

المعجزة الفلسطينية

 

عابد شارف

 

تنظيم إرهابي يعتلي السلطة. وأي تنظيم إرهابي وأي سلطة… إنه حماس، يعتلي السلطة في بلد محتل اسمه فلسطين…

تنظيم إرهابي كان يقوده عجوز مريض معوق، يتكلم بصعوبة، ولا يستطيع التحرك. لكن ذلك لم يمنع إسرائيل الديمقراطية أن تجعل منه أحد أبرز الأعداء و تضربه بصاروخ…

تنظيم إرهابي يصل السلطة في بلد عربي، وبأية طريقة؟ بأحسن طريقة ديمقراطية، بواسطة الانتخابات. وقد شهد لها العلام أنها كانت انتخابات حرة ونزيهة…

تنظيم إرهابي فلسطيني يهزم تنظيما فلسطينيا آخر كان إرهابيا لمدة خمسين سنة… أو هكذا قيل عنه… حماس يهزم فتح، منظمة الإرهابي الشيح ياسين الذي انتقل إلى جوار ربه تهزم منظمة المرحوم ياسر عرفات، الذي قيل عنه لمدة نصف قرن أنه إرهابي، قبل أن يقرر العالم المتحضر أن يتعامل معه، ذلك العالم الذي يرفض اليوم التعامل مع حماس…

لما توفي ياسر عرفات، قال الغرب أن الحدث ذا أهمية كبرى لأن أحد العوائق في طريق السلم المتمثل في شخص ياسر عرفات قد احتفى… ولما اقترب أريال شارون من الموت قيل أن رجل سلم يستعد للرحيل… وحتى إن افترضنا أن ياسر عرفات ليس رجل سلم، فما الذي يجعل من سفاح صبرا وشتيلا رجل سلم؟

إن خطاب العالم الغربي تجاه القضية الفلسطينية كان غريبا منذ السنوات الأولى لإنشاء دولة إسرائيل، ويبقى غريبا اليوم. إنه خطاب يتكون من مزيج من الاحتقار والكذب الرسمي، احتقار العرب من جهة، لأن العرب وضعوا أنفسهم محلا للاحتقار، وكذب رسمي مغطى بحجة لا تعود إلى تاريخ أوربا وأخطائها لا إلى تاريخ العرب…

هذا الكذب وهذا الاحتقار نجدهما في نقاط عديدة وبسيطة. إنها تصريحات رسمية لقادة أوربيين وأمريكيين نطقوا بها بكل حرية. فقد قال الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الفلسطينيين سينشئون دورة سنة 2005. وقد انتهت سنة 2005 ولم تظهر الدولة.

من جهة أخرى قررت الدول الغربية في إطار اللجنة الرباعية أن تساند خارطة الطريق التي أصدرها الرئيس الأمريكي جورج بوش، بهدف فرض مفاوضات بين الطرف الإسرائيلي والفلسطيني، من أجل الوصول إلى حل سلمي. أي حل سلمي؟ لا نعلم ذلك. لكن إذا افترضنا أن الفلسطينيين يقبلون هذا الحل رغم أنه يهينهم، فإن الجامعة العربية ستقبله بدورها، ونقبله معها ونسكت عن الجروح التي تبقى إلى الأبد. لكن أين خارطة الطريق وأين المفاوضات وأين الدولة الفلسطينية التي وعد بها جورج بوش؟

وفور الإعلان عن نتائج الانتخابات الفلسطينية، نطق الكثير من قادة البلدان الغربية، من الزعيم جورج بوش إلى العميد خافيير صولونا، ليطلبوا من حماس التخلي عن برنامجه السياسي. طلبوا من منظمة فازت في الانتخابات أن تتخلى عن البرنامج الذي سمح لها من الانتصار. بعبارة أخرى طلبوا من تنظيم سياسي أن يعلن رسميا أنه يكذب على شعبه، وأن يبدأ مشواره في السلطة بالإعلان الرسمي أنه كان يكذب على الشعب، وأنه سيتخلى عن وعوده الانتخابية فور وصوله إلى السلطة…

هذا لا يعني أن برنامج حماس هو الأفضل بالنسبة للشعب الفلسطيني، أو أن حماس سيستطيع أن يفرض برنامجه… بل من المحتمل أن حماس سيجد نفسه في مأزق، كما أكد ذلك طلبه من حركة فتح أن تشارك في الحكومة. لكن ما يلفت الانتباه هو ذلك السلوك الغربي تجاه الفلسطينيين الذي يطلب منهم كل شيء دون أن يقدم لهم أي شيء.

فالغرب يطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن المقاومة بل محاربتها بتسميتها إرهابا. ويطلب منهم الصبر والثقة في الغرب وفي جلادهم الإسرائيلي. لكن لما يطالب الفلسطيني بتطبيق اتفاقيات أوسلو، لا يجد جوابا. وإذا طالب بتطبيق وعود أمريكا بإنشاء دولة فلسطينية سنة 2005، لا يجد جوابا. وإذا طالب بوضع حد للاحتلال فلا يجد من يصغي إليه. ولا نتكلم عن عودة اللاجئين وحدود فلسطين وغيرها من المطالب التي تحولت إلى أوهام.

وانقلبت الآية تماما لما يتعلق الأمر بالفلسطيني، حيث لا يطلب الغرب من الظالم أن يضع حدا للظلم، ولا يطلب من الاحتلال أن ينسحب، بل يطلب من المظلوم أن يعطف على الظالم…

هذه المعجزة المطلوبة من أهل فلسطين. ومن المحتمل أنهم سيفشلون في تحقيقها. لكنهم يعملون لتحقيق معجزة أخرى أكبر منها بكثير: إنهم يقتربون من بناء نظام ديمقراطي في أرض عربية.. فرغم كل المحن التي سلطت عليهم، فإن الفلسطينيين محظوظون لأنه لا يوجد عندهم جنرال نزار ولا تواتي ولا يوجد عندهم مجلس وطني يريد إنقاذ البلاد فيدفعها للهلاك .

هذه المعجزة الفلسطينية التي من الممكن أن تفتح كل الأبواب.

ع.ش

لما تصبح العبودية خيارا سياسيا…

 

عابد شارف

 

نشبت الحرب من جديد في الجزائر. حرب بين أشخاص ومجموعات وعصابات تشتغل كلها لصاح النظام ، منهم من تم توظيفه في صفوف جبهة التحرير الوطني ومنهم من تم توظيفه في التجمع الوطني الديمقراطي. إنها الحرب التي فرضت نفسها بين أعضاء تحالف أو ائتلاف قال عنه زعيم جبهة التحرير الوطني عبد العزيز بلخادم أنه يساند برنامج رئيس الجمهورية.

ويجتمع هؤلاء في مجلس الحكومة ومجلس الوزراء ليتخذوا قرارات تتعلق بمصير البلاد، يتخلون عن ثروات البلاد مثلما فعلوا مع المحروقات، ويجردون البلاد من مؤسساتها وشرفها وأخلاقها. إنهم يتفقون ليصنعوا القوانين والقرارات بصفة مشتركة، ويتصرفون في أموال الشعب، مثلما شاؤوا، كما يتفقون أن عملهم هذا يتم طبفا لبرنامج رئيس الجمهورية مثلما أكده كل من الوزير الأول أحمد أويحيى والوزير الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية عبد العزيز بلخادم. ويتنافس القوم في تطبيق برنامج بوتفليقة ويزايدون يوميا ليثبت كل طاعته. لكنهما يختلفان في بعض النقاط يصعب أن نفهم محتواها ومغزاها، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بدرجة الولاء إلى السلطة. فإذا أردنا أن نفهم ما الفرق بين هذه الأحزاب، سنبقى شهورا وسنين نبحث عن إستراتيجية وفكر وإيديولوجية ومشروع اجتماعي دون أن نصل إلى نتيجة. فلا يمكن للقوم أن يختلفوا حول فكر أو إيديولوجية لأنها غائبة. لكنهم يختلفون في درجة الولاء وكيفية الولاء، كما أنهم سيختلفون إذا تلقوا أمرا بذلك لتظهر الجزائر وكأنها بلد ديمقراطي.

فمن المعهود في الحياة السياسية أن كل حزب يتميز ببرنامجه الخاص ومشروعه السياسي والحضاري. لكننا أمام أحزاب قررت التخلي عن برنامجها، رغم هشاشتها، لتساند برنامج الحاكم، سواء كان اسمه اليمين زروال بالأمس أو عبدالعزيز بوتفليقة اليوم. ومن المفروض أن يطالب مناضلو جبهة التحرير والأرندي وحماس، شريكهم الثالث، باستقالة قيادات هذه الأحزاب لأنها تخلت عن برنامجها وقررت مساندة برنامج آخر كأنه منزل من السماء. وبهذا القرار تكون تلك القيادات قد حولت أحزابها إلى مديرية تنفيذية تعمل للدعاية من أجل مشروع ليس مشروعها.

هذا واقع الأحزاب الجزائرية. واقع يدفع أحد ممثلي الأرندي إلى انتقاد عبدالعزيز بلخادم ويتهمه أنه يريد الاستيلاء على رئاسة الحكومة؟ ولم لا يمكن أن يصبح بلخادم رئيسا للحكومة بما أنه اختار الولاء إلى السلطة قبل أن يصبح زعيم الحزب الذي يسيطر على الأغلبية في ما يسمى البرلمان الجزائري؟ هل أويحيى أولى بخدمة النظام من بلخادم؟ هل أظهر بلخادم عجزا في هذا الميدان؟ ؟ هل عبدالعزيز بلخادم يكره الشعب أكثر من أحمد أويحيى؟

إن حق الولاء حق دستوري لا يمكن أن يحتكره أحمد أويحيى. والحق في تجاهل طموح الشعب حق دستوري كذلك لا يمكن أن يبقى حكرا على التجمع الوطني الديمقراطي. والظهور بالتدين لمخادعة الناس حق دستوري لا يمكن أن يحتكره أبو جرة سلطاني. وأخيرا فإن الجزائري حر في أن يصبح غلاما لدى السلطة يخدمها بتحمس وحماس إن أراد ذلك.

والغريب لا يكمن هنا. إن أغرب ما قيل عن جبهة التحرير الوطني هذه الأيام قد صدر عن عبدالحميد مهري، الأمين العام السابق لجبهة التحرير، الذي أراد أن يعطي حزبه مشروعا وبرنامجا وشرفا وسياسية واستقلالية. فقد قال عبدالحميد مهري أن جبهة التحرير الوطني سطرت لنفسها ثلاثة أهداف أساسية من خلال بيان أول نوفمبر، واستطاعت أن تحقق الهدف الأول المتمثل في استقلال البلاد، لكنها لم تحقق الهدفين الآخرين المتعلقين ببناء نظام ديمقراطي من جهة، وبناء المغرب العربي من جهة أخرى.

ولذلك يرى عبدالحميد مهري أنه يمكن لجبهة التحرير أن تبني لنفيها مستقبلا إذا استعادت ذاكرتها التاريخية وطموحاتها وكبرياءها. ورغم أنه لا يعتقد أن جبهة التحرير ستقوم بهذا الدور، فإن حسين آيت أحمد، أحد مؤسسي الحزب العتيد، يؤكد هو كذلك أن بناء المغرب العربي يبقى من أكبر تحديات المستقبل لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، ويعتبر أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في إطار ديمقراطي مع احترام الحريات ودولة القانون.

ويظهر كلام مهري وآيت أحمد غريبا لأنهما يتكلمان عن الكبرياء والمشاريع السياسية الكبرى والتاريخ بمعناه النبيل، يتكلمون عن كل هذا في مجتمع يسوده الغلمان ويحكمه قوم لا يرون في الحريات إلا حرية الولاء، ولا يجدون في العولمة إلا الخضوع لأمريكا، ويعتبرون عودة الاستعمار حلا لمشاكل البلاد. 

ويبدو أن القوم انتصروا نهائيا لأنه لا يمكن لأحد أن يناقشهم. وكيف يمكن أن نجادل من يعتبر العبودية خيارا سياسيا؟

ع.ش

abc@wissal.dz