المعجزة الفلسطينية

 

عابد شارف

 

تنظيم إرهابي يعتلي السلطة. وأي تنظيم إرهابي وأي سلطة… إنه حماس، يعتلي السلطة في بلد محتل اسمه فلسطين…

تنظيم إرهابي كان يقوده عجوز مريض معوق، يتكلم بصعوبة، ولا يستطيع التحرك. لكن ذلك لم يمنع إسرائيل الديمقراطية أن تجعل منه أحد أبرز الأعداء و تضربه بصاروخ…

تنظيم إرهابي يصل السلطة في بلد عربي، وبأية طريقة؟ بأحسن طريقة ديمقراطية، بواسطة الانتخابات. وقد شهد لها العلام أنها كانت انتخابات حرة ونزيهة…

تنظيم إرهابي فلسطيني يهزم تنظيما فلسطينيا آخر كان إرهابيا لمدة خمسين سنة… أو هكذا قيل عنه… حماس يهزم فتح، منظمة الإرهابي الشيح ياسين الذي انتقل إلى جوار ربه تهزم منظمة المرحوم ياسر عرفات، الذي قيل عنه لمدة نصف قرن أنه إرهابي، قبل أن يقرر العالم المتحضر أن يتعامل معه، ذلك العالم الذي يرفض اليوم التعامل مع حماس…

لما توفي ياسر عرفات، قال الغرب أن الحدث ذا أهمية كبرى لأن أحد العوائق في طريق السلم المتمثل في شخص ياسر عرفات قد احتفى… ولما اقترب أريال شارون من الموت قيل أن رجل سلم يستعد للرحيل… وحتى إن افترضنا أن ياسر عرفات ليس رجل سلم، فما الذي يجعل من سفاح صبرا وشتيلا رجل سلم؟

إن خطاب العالم الغربي تجاه القضية الفلسطينية كان غريبا منذ السنوات الأولى لإنشاء دولة إسرائيل، ويبقى غريبا اليوم. إنه خطاب يتكون من مزيج من الاحتقار والكذب الرسمي، احتقار العرب من جهة، لأن العرب وضعوا أنفسهم محلا للاحتقار، وكذب رسمي مغطى بحجة لا تعود إلى تاريخ أوربا وأخطائها لا إلى تاريخ العرب…

هذا الكذب وهذا الاحتقار نجدهما في نقاط عديدة وبسيطة. إنها تصريحات رسمية لقادة أوربيين وأمريكيين نطقوا بها بكل حرية. فقد قال الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الفلسطينيين سينشئون دورة سنة 2005. وقد انتهت سنة 2005 ولم تظهر الدولة.

من جهة أخرى قررت الدول الغربية في إطار اللجنة الرباعية أن تساند خارطة الطريق التي أصدرها الرئيس الأمريكي جورج بوش، بهدف فرض مفاوضات بين الطرف الإسرائيلي والفلسطيني، من أجل الوصول إلى حل سلمي. أي حل سلمي؟ لا نعلم ذلك. لكن إذا افترضنا أن الفلسطينيين يقبلون هذا الحل رغم أنه يهينهم، فإن الجامعة العربية ستقبله بدورها، ونقبله معها ونسكت عن الجروح التي تبقى إلى الأبد. لكن أين خارطة الطريق وأين المفاوضات وأين الدولة الفلسطينية التي وعد بها جورج بوش؟

وفور الإعلان عن نتائج الانتخابات الفلسطينية، نطق الكثير من قادة البلدان الغربية، من الزعيم جورج بوش إلى العميد خافيير صولونا، ليطلبوا من حماس التخلي عن برنامجه السياسي. طلبوا من منظمة فازت في الانتخابات أن تتخلى عن البرنامج الذي سمح لها من الانتصار. بعبارة أخرى طلبوا من تنظيم سياسي أن يعلن رسميا أنه يكذب على شعبه، وأن يبدأ مشواره في السلطة بالإعلان الرسمي أنه كان يكذب على الشعب، وأنه سيتخلى عن وعوده الانتخابية فور وصوله إلى السلطة…

هذا لا يعني أن برنامج حماس هو الأفضل بالنسبة للشعب الفلسطيني، أو أن حماس سيستطيع أن يفرض برنامجه… بل من المحتمل أن حماس سيجد نفسه في مأزق، كما أكد ذلك طلبه من حركة فتح أن تشارك في الحكومة. لكن ما يلفت الانتباه هو ذلك السلوك الغربي تجاه الفلسطينيين الذي يطلب منهم كل شيء دون أن يقدم لهم أي شيء.

فالغرب يطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن المقاومة بل محاربتها بتسميتها إرهابا. ويطلب منهم الصبر والثقة في الغرب وفي جلادهم الإسرائيلي. لكن لما يطالب الفلسطيني بتطبيق اتفاقيات أوسلو، لا يجد جوابا. وإذا طالب بتطبيق وعود أمريكا بإنشاء دولة فلسطينية سنة 2005، لا يجد جوابا. وإذا طالب بوضع حد للاحتلال فلا يجد من يصغي إليه. ولا نتكلم عن عودة اللاجئين وحدود فلسطين وغيرها من المطالب التي تحولت إلى أوهام.

وانقلبت الآية تماما لما يتعلق الأمر بالفلسطيني، حيث لا يطلب الغرب من الظالم أن يضع حدا للظلم، ولا يطلب من الاحتلال أن ينسحب، بل يطلب من المظلوم أن يعطف على الظالم…

هذه المعجزة المطلوبة من أهل فلسطين. ومن المحتمل أنهم سيفشلون في تحقيقها. لكنهم يعملون لتحقيق معجزة أخرى أكبر منها بكثير: إنهم يقتربون من بناء نظام ديمقراطي في أرض عربية.. فرغم كل المحن التي سلطت عليهم، فإن الفلسطينيين محظوظون لأنه لا يوجد عندهم جنرال نزار ولا تواتي ولا يوجد عندهم مجلس وطني يريد إنقاذ البلاد فيدفعها للهلاك .

هذه المعجزة الفلسطينية التي من الممكن أن تفتح كل الأبواب.

ع.ش

Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s