لما تصبح العبودية خيارا سياسيا…

 

عابد شارف

 

نشبت الحرب من جديد في الجزائر. حرب بين أشخاص ومجموعات وعصابات تشتغل كلها لصاح النظام ، منهم من تم توظيفه في صفوف جبهة التحرير الوطني ومنهم من تم توظيفه في التجمع الوطني الديمقراطي. إنها الحرب التي فرضت نفسها بين أعضاء تحالف أو ائتلاف قال عنه زعيم جبهة التحرير الوطني عبد العزيز بلخادم أنه يساند برنامج رئيس الجمهورية.

ويجتمع هؤلاء في مجلس الحكومة ومجلس الوزراء ليتخذوا قرارات تتعلق بمصير البلاد، يتخلون عن ثروات البلاد مثلما فعلوا مع المحروقات، ويجردون البلاد من مؤسساتها وشرفها وأخلاقها. إنهم يتفقون ليصنعوا القوانين والقرارات بصفة مشتركة، ويتصرفون في أموال الشعب، مثلما شاؤوا، كما يتفقون أن عملهم هذا يتم طبفا لبرنامج رئيس الجمهورية مثلما أكده كل من الوزير الأول أحمد أويحيى والوزير الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية عبد العزيز بلخادم. ويتنافس القوم في تطبيق برنامج بوتفليقة ويزايدون يوميا ليثبت كل طاعته. لكنهما يختلفان في بعض النقاط يصعب أن نفهم محتواها ومغزاها، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بدرجة الولاء إلى السلطة. فإذا أردنا أن نفهم ما الفرق بين هذه الأحزاب، سنبقى شهورا وسنين نبحث عن إستراتيجية وفكر وإيديولوجية ومشروع اجتماعي دون أن نصل إلى نتيجة. فلا يمكن للقوم أن يختلفوا حول فكر أو إيديولوجية لأنها غائبة. لكنهم يختلفون في درجة الولاء وكيفية الولاء، كما أنهم سيختلفون إذا تلقوا أمرا بذلك لتظهر الجزائر وكأنها بلد ديمقراطي.

فمن المعهود في الحياة السياسية أن كل حزب يتميز ببرنامجه الخاص ومشروعه السياسي والحضاري. لكننا أمام أحزاب قررت التخلي عن برنامجها، رغم هشاشتها، لتساند برنامج الحاكم، سواء كان اسمه اليمين زروال بالأمس أو عبدالعزيز بوتفليقة اليوم. ومن المفروض أن يطالب مناضلو جبهة التحرير والأرندي وحماس، شريكهم الثالث، باستقالة قيادات هذه الأحزاب لأنها تخلت عن برنامجها وقررت مساندة برنامج آخر كأنه منزل من السماء. وبهذا القرار تكون تلك القيادات قد حولت أحزابها إلى مديرية تنفيذية تعمل للدعاية من أجل مشروع ليس مشروعها.

هذا واقع الأحزاب الجزائرية. واقع يدفع أحد ممثلي الأرندي إلى انتقاد عبدالعزيز بلخادم ويتهمه أنه يريد الاستيلاء على رئاسة الحكومة؟ ولم لا يمكن أن يصبح بلخادم رئيسا للحكومة بما أنه اختار الولاء إلى السلطة قبل أن يصبح زعيم الحزب الذي يسيطر على الأغلبية في ما يسمى البرلمان الجزائري؟ هل أويحيى أولى بخدمة النظام من بلخادم؟ هل أظهر بلخادم عجزا في هذا الميدان؟ ؟ هل عبدالعزيز بلخادم يكره الشعب أكثر من أحمد أويحيى؟

إن حق الولاء حق دستوري لا يمكن أن يحتكره أحمد أويحيى. والحق في تجاهل طموح الشعب حق دستوري كذلك لا يمكن أن يبقى حكرا على التجمع الوطني الديمقراطي. والظهور بالتدين لمخادعة الناس حق دستوري لا يمكن أن يحتكره أبو جرة سلطاني. وأخيرا فإن الجزائري حر في أن يصبح غلاما لدى السلطة يخدمها بتحمس وحماس إن أراد ذلك.

والغريب لا يكمن هنا. إن أغرب ما قيل عن جبهة التحرير الوطني هذه الأيام قد صدر عن عبدالحميد مهري، الأمين العام السابق لجبهة التحرير، الذي أراد أن يعطي حزبه مشروعا وبرنامجا وشرفا وسياسية واستقلالية. فقد قال عبدالحميد مهري أن جبهة التحرير الوطني سطرت لنفسها ثلاثة أهداف أساسية من خلال بيان أول نوفمبر، واستطاعت أن تحقق الهدف الأول المتمثل في استقلال البلاد، لكنها لم تحقق الهدفين الآخرين المتعلقين ببناء نظام ديمقراطي من جهة، وبناء المغرب العربي من جهة أخرى.

ولذلك يرى عبدالحميد مهري أنه يمكن لجبهة التحرير أن تبني لنفيها مستقبلا إذا استعادت ذاكرتها التاريخية وطموحاتها وكبرياءها. ورغم أنه لا يعتقد أن جبهة التحرير ستقوم بهذا الدور، فإن حسين آيت أحمد، أحد مؤسسي الحزب العتيد، يؤكد هو كذلك أن بناء المغرب العربي يبقى من أكبر تحديات المستقبل لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، ويعتبر أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في إطار ديمقراطي مع احترام الحريات ودولة القانون.

ويظهر كلام مهري وآيت أحمد غريبا لأنهما يتكلمان عن الكبرياء والمشاريع السياسية الكبرى والتاريخ بمعناه النبيل، يتكلمون عن كل هذا في مجتمع يسوده الغلمان ويحكمه قوم لا يرون في الحريات إلا حرية الولاء، ولا يجدون في العولمة إلا الخضوع لأمريكا، ويعتبرون عودة الاستعمار حلا لمشاكل البلاد. 

ويبدو أن القوم انتصروا نهائيا لأنه لا يمكن لأحد أن يناقشهم. وكيف يمكن أن نجادل من يعتبر العبودية خيارا سياسيا؟

ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s