أصدقاء جدد لتبعية جديدة

 

عابد شارف

 

بعد الصديق دونالد، يزور الجزائر صديق حميم آخر، اسمه جاك. إنهم أصدقاء جدد للجزائر، أحدهما يشغل منصب وزير الحرب في أمريكا، وهو دونالد رامسفالد، والثاني يشغل منصب وزير الخارجية في بريطانيا، واسمه فخامة الوزير جاك سطرو. وإذا حاولنا أن نبحث عما يجمع هاتين الشخصيتين المحترمتين، وما يفسر حبهما للجزائر، فإننا نجد أن الجواب صعب جدا. ومن الأفضل أن نبدأ من البداية.

ولنبدأ من الثمانينات، لما كان السيد المحترم دونالد رامسفالد صديقا لصدام حسين. كان رامسافلد يزور العراق بكثافة لما كان من المقربين للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان. وكان رامسفالد يمد بغداد بالأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وكان الغرب آنذاك يعمل أولا لمحاربة الثورة الإيرانية، ونجح الغرب في ذلك بسرعة بسبب الضعف السياسي للنظام الإيراني الجديد وأخطائه المتكررة.

ثم تفطن الغرب لواقع جديد، لما اكتشف أن كلا من العراق وإيران أصبحا يتحكمان في عدد من الأسلحة المتطورة. وعندها سطر الغرب خطة جديدة تعامله مع البلدين، ترتكز على هدف واحد: العمل حتى لا ينتصر أي طرف في الحرب العراقية الإيرانية، لأن البلد الذي ينتصر يمكن أن يصبح قوة عسكرية واقتصادية وسياسية يمكن أن تهدد إسرائيل. وبينما كان العراق وإيران يقتتلان وكل منهما يدمر جاره، كان الغرب ينشط حتى تنتهي المعركة بالتعادل. وأكثر من هذا، كان الغرب يجتهد لتطول الحرب، وينتشر الدمار، وتتسع دائرة الخراب، وتتحول الحرب في نهاية المطاف إلى هزيمة للبلدين. وفعلا، أدت الحرب إلى سقوط أكثر من مليون ضحية وتدمير اقتصاد البلدين، ولم تنته إلا بعد أن اكتشفت طهران وبغداد أن الحرب أصبحت لا معنى لها إطلاقا.

وكان هذا النجاح الأول لفخامة الوزير دونالد رامسفالد، حيث تمكن من احتواء إيران لما شغلها بحرب مع الجيران، وحطم قدرة العراق وإيران، أكبر البلدان في المنطقة. وكان عمل رامسفالد مبنيا على فكر سياسي وضبوط، لأن الرجل ينتمي إلى دائرة المحافظين الجدد، وهي التسمية التي أطلقت على اليمين المتطرف في أمريكا الذي يؤمن بنظرية حرب الحضارات.

وبعد 11 سبتمبر، وجد دونالد رامسفالد كل الحرية ليعيث في الأرض فسادا، بعد أن أتيحت له الفرصة لتطبيق مشروعه. وقرر رامسفالد أن يحطم العراق، لأن نظام صدام حسين، رغم جرائمه وبشاعته، لم يقضي على قدرات بلده، خاصة منها التكنولوجية والعسكرية. ووجد رامسافالد حليفا ثمينا في شخص الوزير الأول البريطاني طوني بلار وذراعه الأيمن جاك سطرو الذي قرر مساندة كل القرارات الأمريكية، إلى درجة أن الصحافة البريطانية أعطته طوني بلار تسمية –توتو- أي كلب جورج بوش.

وكان للسيد جاك سطرو الدور الأساسي في إعطاء حد أدنى من الدعم السياسي للخطة الأمريكية الهادفة إلى احتلال وتحطيم العراق. وقد رفض العالم أجمع أن يساند الحرب على العراق، بما فيه عدد من البلدان الغربية التي لا تعرف بالمودة الكبيرة تجاه العرب والمسلمين. لكن أمريكا صممت على تطبيق مشروعها وادعت أن العراق يملك أسلحة دمار شامل، وكذب كل من جورج بوش وطوني بلار على شعبيهما، وتم احتلال العراق. واتضح بعد ذلك أن العراق لا يكسب أسلحة دكار شامل، لكن هذا لم يمنع الأمريكيين والبريطانيين أن يعيدوا انتخاب كل من بوش وبلار. فالشعب الأمريكي الذي كاد أن يطرد الرئيس بيل كلنتون بسبب مغامرة جنسية مع إحدى العاملات في البيت الأبيض اعتبر أن تحطيم العراق بحجة كاذبة لا يشكل مبررا كافيا لنزع الثقة من جورج بوش…

هذه قصة دونالد رامسفالد وصديقه جاك سطرو. ولا نعرف كيف تحول هؤلاء إلى أشخاص يتم الترحيب بهم في الجزائر. يقول البعض أن هذه هي العولمة. ويقول آخرون أن الواقعية السياسية تتطلب التشاور والتفاوض مع كل الأطراف، سواء كانوا أعداء أم أصدقاء. ويقول من قتلهم الغرور أن الجزائر أصبحت طرفا مهما في محاربة الإرهاب، وكل البلدان القوية تصغي لها. لكنه من الواضح أن كل هذه الحجج باطلة، لأن الواقع يؤكد حقيقة أخرى يمنك أن نفسرها بطريقتين.

يمكن أن نقول أن الجزائر لم تتمكن أن تحدد سياسة خارجية واضحة تخدم مصالحها لسبب أو آخر. وفي مثل هذا الوضع، تتنازع البلدان الكبرى لجر الجزائر إلى اتخاذ موقف يخدم مصالح تلك البلدان، وتتمكن القوى الخارجية أن تفرض نظرتها. ويمكن كذلك أن نقول أن الجزائر تخلت بصفة إرادية عن تسطير سياسية خارجية، وفتحت المجال للضغوطات الخارجية التي أصبحت تحدد السياسة الخارجية للبلاد. وبقي علينا أن تختار كيف نفسر هزيمتنا، لأنه في كلتا الحالتين، تبقى النتيجة واحدة التي لا يمكن التهرب منها، وهي تبعية الجزائر لأطراف أخرى في تحديد سياستها خارجية.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s