حرب على العمال في عيد العمال

 

عابد شارف

 

في ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، قال عبد النور علي يحيى، وهو أحد مؤسسي النقابة أثناء حرب التحرير، أن إطارات النقابة الموقرة تحولوا اليوم إلى موظفين في الدولة. وأضاف أن النقابة العجوز أصبحت حركة سياسية يمينية، أي أنها تتجاهل مصالح العمال، ولا تدافع عنهم، بل تساند سلطة قررت التخلي عن الضعفاء والفقراء.

وقبل أن تنشر تصريحات علي يحيى في الصحافة، قام الزعيم الحالي لتلك النقابة، المناضل عبد المجيد سيدي سعيد، بمبادرة يظهر من خلالها أنه يريد أن يؤكد تصريحات علي يحيى. فقد وجه سيدي سعيد دعوة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطلب منه ترأس الاحتفالات بهذه الذكرى… وبهذا يتضح إن النقابة تقوم بدور غريب. إنها لا تدافع عن العمال، ولا تنظم نضالهم، ولا تعمل لإيصال مطالبهم وطموحاتهم إلى السلطة، بل تجتهد لتسمح للسلطة أن تخاطب العمال، وكأن الرئيس بوتفليقة في حاجة إلى البحث عن منابر لمخاطبة الجزائريين…

وقد ابتعدت النقابة عن العمال منذ سنوات طويلة، حيث تحولت إلى شبه مديرية لاحتواء الغضب العمالي تارة، وإلى لجنة مساندة للسلطة مهما كان ممثلها تارة أخرى. ورغم العواصف والحروب، ورغم الدماء التي سالت، والمصانع التي أغلقت، والأموال التي حولت، فقد تميز الاتحاد العام للعمال الجزائريين بمساندته المطلقة لكل الرؤساء ولكل الحكومات التي تسلطت على البلاد منذ خمسة عشرة سنة، سواء كانت يسارية بيروقراطية أو يمينية ليبرالية أو انتهازية متطرفة. ولم تحرك النقابة ساكنا رغم الحرب المعلنة على العمال من طرف السلطة في مراحل متعددة، سواء لما دمرت القطاع العام دون توفير بديل له، أو لما فرضت السلطة قانون محروقات جديد يرهن أول ثروة مادية للبلاد، أو لما قامت السلطة بالقضاء على أي تمثيل مستقل للعمال.

وفي هذه المسيرة الكبرى التي تهدف إلى إهانة الجزائريين بصفة عامة والعمال بصفة خاصة ، اختار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ذكرى تأسيس النقابة التاريخية ليعلن قبل سنة أن قانون المحروقات مفروض علينا من الخارج. واختار بذلك ذكرى تأميم المحروقات وتأسيس النقابة ليقضي على الاثنين بضربة واحدة، وذلك تحت تصفيقات سيدي سعيد وأصدقائه من المناضلين الصامدين… وتحول 24 فيفري من ذكرى مجيدة إلى ذكرى أليمة، ذكرى أليمة بالنسبة للعمال ومنظمتهم، كما أنها أليمة بالنسبة للبلاد التي تجد نفسها على وشك التخلي عن التحكم في محروقاتها.

ومقابل الجزائر الرسمية هذه، جزائر البيروقراطية والأرندي والفضائح المالية والتبعية، فإن جزائر أخرى، نقابية وعمالية، تبرز في الميدان. إنها تلك الجزائر التي اعتبرت أن النقابة تبنى انطلاقا من القاعدة لا انطلاقا من السلطة، وتعتبر كذلك أن التمثيل الحقيقي للعمال لا يخضع بالضرورة لرضا السلطة، وأن نقابة تحرك الشارع رغم أنها غير قانونية أفضل من نقابة تحصل على رضا السلطة وتقضي على العمال ومصالحهم.

وتوجد تلك النقابات خاصة في ميدان التعليم، من الابتدائي إلى الجامعة. وقد دخلت في سلسلة من الإضرابات مع اقتراب ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين. وجاء جواب الحكومة بالطريقة البيروقراطية المعتادة، حيث اختار السادة الوزراء اللجوء إلى عدالتهم ليمنعوا الإضراب. ولا نعرف ما الدرس الذي يريد وزير التربية ووزير الجامعة أن يعطيه لتلامذته وطلبته لما يريد أن يمنع الأساتذة من الإضراب. ولا نعرف كيف يمكن لوزير كلفته البلاد أن ينشر العلم والمعرفة، وتحضير الأجيال القادمة، كيف يمكن له أن يتصرف بهذه الطريقة سواء مع نخبة البلاد المتمثلة في أساتذة الجامعة، أو مع المعلمين الذين كلفناهم بتكوين أبنائنا. كيف يمكن لأستاذ جامعي أصبح وزيرا أن يحتقر الجامعيين إلى هذه الدرجة؟ وأين العلم الذي اكتسبه في الجامعة؟ ألا يبدأ العلم باحترام حامل العلم؟

ومهما يكن من نتائج لهذه النزاعات الاجتماعية، فإنها تؤكد أن الجزائر تسير نحو واقع جديد، وأن المجتمع دخل مرحلة تاريخية تتطلب قواعد جديدة، وتنظيمات جديدة، ومواطنين جدد، ومسئولين جدد. وبينما برزت إطارات نقابية جديدة اختارت التعامل مع هذا الوضع الجديد، فإن السلطة ترفض أن تعترف بهذا الواقع وتتعامل معه، بل اختارت التعامل مع الأحزاب والتنظيمات القديمة البالية التي لا تقدم أي مشروع، ولا تحمل أملا للمستقبل. إنها تنظيمات الماضي، بعضها يمثل الجاهلية السياسية، والبعض الآخر يرمز إلى الفشل. وهي لا تخدم المواطن، إنما تحاول أن تجر المواطن ليخدمها، مثلما تعمل نقابة سيدي سعيد إلى جر العمال إلى خدمة السلطة.

ع.ش

abc@wissal.dz

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s