أزمة مياه حادة في إفريقيا بسبب ضعف الاستثمار وسوء التسيير

 

إفريقيا تموت عطشا 

عابد شارف

 

وجهت الجمعية الإفريقية للمياه نداء إلى مواصلة الإصلاحات في ميدان تسيير الماء، لكنها رفضت اختيار صيغة محددة حيث اعتبرت أن وضع كل بلد وكل مجتمع يختلف ويتطلب قرارات تتلاءم مع المجتمع المذكور. ورغم ضغوط الشركات العالمية التي تحتكر الميدان، خاصة منها الفرنسية الموجودة بقوة في إفريقيا، فإن الجمعية التي عقدت مؤتمرها الثالث عشر في منتصف فيفري في الجزائر رفضت أن تتبنى خصخصة توزيع المياه كحل أساسي للأزمة، واختارت أن تترك لكل طرف حرية التصرف بما يلاءم واقعه الاجتماعي.

وتبقى إفريقيا القارة الأكثر تضررا من عدو توفر المياه لصالح المواطنين، حيث يبقى ثلث سكان القارة أي 300 مليون نسمة محرومون من هذه المادة الحيوية. ويعتبر أحد الخبراء أن الأمراض الناتجة بصفة مباشرة عن هذه الوضعية تؤدي إلى وفاة أكثر من نضف مليون شخص سنويا. إضافة إلى ذلك، فإن انعدام النظافة الناتج عن ندرة المياه يفتح المجال إلى انتشار أمراض أخرى عند المصابين بالإيدس Sida، مما يجعل من تزامن الإيدس وانعدام النظافة أول متسبب للوفيات في إفريقيا.

وعكس ما هو شائع، فإن ندرة المياه لا تمس إلا عددا قليلا من البلدان في المنطقة الشمالية والصحراوية من القارة، بينما يوجد فائض في الكثير من المناطق كما توجد منابع مستغلة إلى درجة مختلفة مثل أنهار الكونغو والنيل والنيجر إلى جانب بحيرات كبرى في إفريقيا الوسطى. أما المشكل الحقيقي فإنه يتمثل في عجز القارة عن استغلال مواردها المائية حيث لا تتجاوز نسبة المياه المستغلة أربعة بالمائة من الكميات المتوفرة. وإذا كانت بعض البلدان في شمال إفريقيا قد شرعت في إنجاز مشاريع كبرى لتدارك الوضع، مثل ليبيا والجزائر، فإن ندرة التمويل وانعدام التكنولوجيا وضعف التأطير يمنع أكثر الدول الإفريقية من الأمل في الوصول إلى وضع لائق في آجال قريبة أو متوسطة.

وقد حاولت مؤسسات متعددة أن تفكر في وضع خطة تسمح لإفريقيا أن تتقدم في مجال توزيع المياه، منها الأمم المتحدة التي حددت "عشرية" للمياه، والبنك الإفريقي للتنمية الذي يشارك في تمويل العديد من المشاريع، والمجموعة الأوربية التي تبقى أكبر المانحين. لكن المنظمة الإفريقية للمياه تعتبر أنه يجب استثمار 20 مليار دولار سنويا خلال الخمسة وعشرين سنة القادمة لتتمكن إفريقيا من تدارك تأخرها والوصول إلى وضع مقبول، وهو رقم من الصعب الوصول إليه حسب المعطيات الحالية.

ولا حظ البيان الختامي لمؤتمر الجمعية الإفريقية للمياه أن الإصلاحات التي تم تطبيقها لحد الآن في العديد من البلدان الإفريقية لم تأخذ بعين الاعتبار بصفة كافية أصحاب الدخل الضعيف في المدن، بينما تجاهلت بصفة شبه كاملة سكان الريف. وقال الأمين العام للمنظمة السيد سيلفان أوشار Sylvain Usher (كوت ديفوار) في تقرير أعده للمؤتمر أنه لا يمكن أن نعتبر أية طريقة للتسيير كطريقة نموذجية يجب أن تتبناها المنظمة، وأضاف أن الحل النهائي يرتبط بالمحيط الذي يتم فيه تطبيق الإصلاح من جهة، وبالإرادة السياسية عند أصحاب المشروع من جهة أخرى. ورغم ذلك، أضاف أن "الإصلاح يبقى ضروريا" لكنه يجب أن يتم وفقا لبرنامج يسمح لكل الأطراف أن تستفيد من المشروع. ودعا كذلك إلى تحديد "أهداف واقعية ومعقولة" منذ البداية.

ورغم الحذر الذي يظهر في كلام السيد سيلفان أوشار، إلا أنه يشير إلى الصفقات التي تم إبرامها من طرف عدد من البلدان الإفريقية للتكفل بتسيير المياه والتي انتهت دون أن تضمن تحسنا رغم أن الشركات الغربية الكبرى التي تكفلت بالمشروع قد استفادت إلى درجة غير معقولة. فالشركات الغربية تقوم بدراسات لا تأخذ بعين الاعتبار المجتمع الإفريقي، وتحدد أهدافا تشبه تلك الموجودة في أوربا، لكنه لا يمكن تطبيقها ميدانيا، مما يؤدي إلى فشل المشروع مع ضياع الوقت والأموال.

وترددت كثيرا عبارة "حسن التسيير" خلال هذا المؤتمر، وهي طريقة محتشمة للكلام عن الرشوة والتبذير واستعمال الأموال في غير محلها، سواء عند إبرام الاتفاقات أو عند مراقبة تطبيقها، مما يسمح للشركات الغربية أن تحقق أرباحا رغم فشل المشاريع.

ويقول أجد الخبراء مثلا أن المدن الإفريقية لا تحترم الطرق العصرية للعمران، إلى جانب وجود أحياء قصديرية كبرى لا يمكن إيصال الماء إليها. لكن أثناء المفاوضات حول مشروع ما، كثيرا ما تتمكن الشركات الغربية أن تفرض وجهة نظرها على الطرف الإفريقي وتقنع المانحين أنها قادرة على تدارك الوضع. وفي آخر المطاف تحصل الشركة الغربية على أرباح كبرى بينما يزداد الوضع تدهورا في البلد الذكور.

ويعتبر هذا الخبير أنه من الضروري للبلدان الإفريقية أن تفكر في "تسيير متكامل" يسمح بتخفيض تكلفة المياه وحجم الاستثمار. ويقول مثلا أنه من الأفضل للبلدان الإفريقية أن تعتني بالعمران وتتحكم في نمو المدن خلال العشريات المقبلة، مما يسهل عملية التموين بالمياه. ويؤكد بصفة خاصة على هذه النقطة لأن إفريقيا ستحتوي سنة 2020 على 11 مدينة كبرى يفوق عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، إلى جانب 720 مدينة يفوق عدد سكانها 100 ألف نسمة. وسيشكل آنذاك عدد السكان في المدن نصف سكان إفريقيا، ويصبح تزويدهم بالمياه مستحيلا إذا لم يتم التحكم في توسع المدن.

وفي الوضع الحالي، تبقى المناطق الريفية الأكثر حرمانا، لأسباب عديدة منها جانب سياسي يتجاهله معظم الحكام الأفارقة. فالمناطق الريفية تبقى عادة هي الأفقر، ولا تعتني بها السلطة السياسية إلا يوم الانتخابات إذا كانت هناك انتخابات. إلى جانب ذلك، فإن الفلاحين يبقون الفئة الأقل وجودا في الساحة السياسية، ولا تستطيع الضغط على أصحاب القرار. ويبلغ عدد سكان الريف في إفريقيا 60 بالمائة من المجموع، ويبلغ في الكثير منها سبعين بالمائة، ويعني ذلك حسب أحد الخبراء أن "سبعين بالمائة من السكان لا وجود لهم على الساحة السياسية".

ومما يزيد المشكل حدة الأزمات التي تعيشها العديد من البلدان الإفريقية. وطالب المؤتمر أن تتبنى كل الشركات المكلفة بتوزيع المياه بمخطط للقيام بمهمتها في ظروف استثنائية تشمل الأزمات السياسية والحروب وانهيار الإدارة والإفلاس الاقتصادي والجفاف وغيرها من العوامل التي تؤدي إلى انهيار في الخدمات. وبما أن إفريقيا تبقى القارة الأكثر تضررا من الأزمات، فإن عدد الضحايا بسبب انعدام الماء يتضاعف في القارة أثناء الحروب والكوارث مثلما أكد ذلك ارتفاع عدد الضحايا في الكونغو ورواندا وجنوب السودان. وقالت تقارير أغلبية المنظمات غير الحكومية أن  عدد ضحايا الحروب لا يتجاوز عشرة بالمائة خلال العمليات العسكرية، بينما يتم تسجيل العدد الأكبر من الضحايا بسبب تدمير الإدارة والخدمات في الفترة التي تلي الحرب مباشرة، ومن أهم هذه العوامل انعدام الماء والنظافة.

ولاحظ المؤتمر أن أصعب معادلة في الميدان في إفريقيا بالنسبة للماء تبقى تلك المتعلقة بالتكلفة. واعترف المؤتمر أن الشركات الموزعة للماء يجب أن تحصل على أرباح لكنها مضطرة إلى توفير المياه للفئات المحرومة التي لا تكسب الموارد المالية الضرورية لذلك. وباستثناء القليل من البلدان التي تعرف فائضا ماليا أو تتميز بمدخول معقول، مثل ليبيا والجزائر وأنغولا، فإن البلدان الأخرى عاجزة عن الاستثمار في ميدان الماء لأن هذا النوع من الاستثمار لا يعطي نتيجة إلا في الأمد البعيد من جهة، ولأن تلك البلدان مضطرة إلى التكفل بمشاكل مستعجلة من جهة أخرى.

ويقول السيد سغو لامبتي Sgo Lamptey، رئيس المنظمة الإفريقية للمياه، أن هناك عامل آخر يؤدي إلى تدهور الوضع وهو وجود قطاعات أخرى تضمن أرباحا أكبر من ميدان الماء. وعلى هامش المؤتمر، قال أحد المندوبين أن الهاتف النقال مثلا يشكل كارثة بالنسبة لإفريقيا لأنه استولى على قسط كبير من الاستثمار الخارجي بينما تبقى القطاعات الأولوية لا تجد الأموال الضرورية. وقال أن بعض الشركات الغربية ذات النفوذ فكرت في التخلي عن قطاع نشاكها التقليدي لتتحول إلى الهاتف النقال الذي يضمن أرباحا لا يمكن مقارنتها مع القطاعات الأخرى.

وقال خبير جزائري أن التعامل مع مشكل توفير المياه في إفريقيا يتطلب نظرة جديدة تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي الجزائر مثلا، قال أن اللجوء إلى تحلية مياه البحر اختيار معقول بشرط أن تفكر البلاد في تطوير الطاقة النووية. ويقول أن الطاقة كانت تشكل نصف ثمن الماء قبل أربع سنوات، لكن مع ارتفاع أسعار البترول، ف، ثمن الطاقة سيبلغ ثمانين بالمائة، ويدفع الثمن الحقيق للماء إلى أسعار غير معقولة. ولذلك يجب التحكم في الطاقة النووية لأنها تضمن سعرا منخفضا للماء المستخرج من البحر. وأضاف بسخرية أنه سعر الماء سيصبح أعلى من سعر البترول إذا بقيت البلدان التي اختارت تحلية مياه البحر تستعمل الطاقة المولدة من النفط. أما في جنوب القارة ووسطها، فيجب الاستثمار في السدود بكثافة، لأنها توفر في نفس الوقت الطاقة الكهربائية والمياه التي يمكن توزيعها.

لكن هذا الخبير أبدى تشاؤمه حيث قال أن "هذه الخيارات الكبرى من الممكن أن تسمح للبلدان الإفريقية أن تتقدم، لكنها لا تضمن بقاء الأنظمة". وهو ما يطرح في نظره المشكل السياسي الذي يبقى في نظره "أول مشكل يجب التطرق إليه، فبدون حل المشكل السياسي، تبقى العديد من المشاكل الأخرى، منها توفير الماء للمواطنين، شبه أبدية".

ع.ش

Poster un commentaire

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s