وحدة المغرب العربي في مأزق

فشل المساعي الداخلية يفتح الباب لوحدة تحت اللواء الأمريكي

 

عابد شارف

 

بينما تتشكل في مختلف مناطق العالم تجمعات جهوية اقتصادية أو سياسية، أخذت بلدان المغرب العربي الاتجاه المعاكس، حيث كرست عزلتها داخل الحدود الوطنية لكل دولة، مع تضاعف التوتر على الحدود ورفض أغلب أشكال التعاون. وأغلقت بلدان المغرب كل الأبواب رغم بروز معطيات جديدة تؤكد أن حل عدد من المشاكل لا يمكن أن يتم إلا بالتعاون على مستوى واسع يشمل كل البلدان المغاربية إضافة إلى أطراف أخرى. ورغم الخطاب السائد حول "ضرورة بناء الغرب العربي" و"المصير المشترك" الذي يتبناه القادة، فالواقع يؤكد تراجعا واضحا في المبادلات والتشاور والتعاون، مما يشير إلى أن الكوارث التي تهدد المنطقة لن تجد الهياكل الضرورية لمواجهتها إذا وقعت فعلا.

ويبرز هذا الفشل الواضح حتى في التبادلات التقليدية بين بلدان المغرب العربي، حيث كانت الجزائر وليبيا مثلا تتبادلان منذ ثلاثين سنة حدا أدنى من الزيارات كما كانت تتشاور في عدد من القضايا. إلا أن الأزمة التي عاشتها الجزائر وإعادة النظر الشاملة في المواقف الليبية أدت إلى غياب شبه كامل للتعاون بين البلدين. وكانت تونس والمغرب حليفين للغرب منذ عهد الاستقلال، لكن انعدام مجالات التعاون الاقتصادي دفع كلا منهما إلى البحث عن حلول وطنية في علاقاته مع أوربا والغرب بصفة عامة، إلى درجة أن البلدين أصبحا يتنافسان في جلب السواح الأوربيين، مع العلم أن السياحة تشكل جزء مهما من مداخيل البلدين من العملة الصعبة. أما موريتانيا، فإنها تبقى نقطة الضعف في هذه العلاقة المغاربية، لأن وضعها الجغرافي ووزنها لا يسمح لها بالتأثير على ميزان القوى في المنطقة.

وتكرس هذا المأزق في شلل اتحاد المغرب العربي الذي تم إنشاؤه قبل 17 سنة على إثر اللقاء المغاربي الذي نظم في الجزائر، وجمع الملك الحسن الثاني والقائد الليبي معمر القدافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والجزائري الشادلي بن جديد. فبعد التدابير الأولى التي فتحت مجالات وآمالا كبيرة، عادت الخلافات لتحتل الواجهة، فأغلقت الحدود الجزائرية المغربية سنة 1994، وتراجع التعاون، كما تراجع عدد اللقاءات، وعادت الأزمة إلى ما كانت عليه في الثمانينات.

وبذلك يكون القادة المغاربة من جهة قد فشلوا في تحقيق ما وعدت به حركات التحرير قبل أكثر من نصف قرن، لما كانت الفكرة المغربية تفرض نفسها على كل طرف. وكانت أول حركة وطنية جزائرية برزن سنة 1924 قد أخذت تسمية "نجم شمال إفرقيا"، مما يؤكد النظرة الشاملة التي كانت سائدة في تلك المرحلة. ويرى أحد قادة حرب التحرير في الجزائر أن "الحدود صنعها الاستعمار وكرسها الاستقلال بدل أن يزيلها". ويقول الأخضر بورقعة، ضابط سابق في جيش التحرير الجزائري، أنه كان يوجد مناضلون من المغرب في الكتيبة التي يقودها، قبل أن يكتشف "بعد الاستقلال أنه لا بد له أن يحاربهم" خلال "حرب الرمال" التي اندلعت بين الجزائر والمغرب سنة 1963. ويضيف أن الفاجعة كانت بالنسبة له تماثل تلك التي أصابته لما وجد نفسه مضطرا إلى محاربة جزء آخر من الجيش الجزائري أثناء النزاعات التي وقعت مباشرة بعد استقلال الجزائر أثناء ما يعرف بحرب الولايات.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الفشل في تحقيق أحلام الماضي أصبح يشكل خطرا على البلدان المغاربية في الوقت الحاضر، خاصة أمام الكوارث التي تهدد المنطقة والتي لا يمكن التصدي إليها دون تعاون شامل. ويصنف أحد الباحثين الجزائريين هذه المخاطر على ثلاثة أنواع، منها الاستراتيجية، مثل استحالة بناء اقتصاد حقيقي في كل بلد على حدة بسبب ضعف السوق والمؤسسات الصناعية، ومنها الطارئة مثل أنفولزا الطيور، ومنها التي تتطلب تنسيق جهوي مثل التعامل مع الهجرة الإفريقية.

فالسوق المغاربية تشكل ما يساوي السوق الألمانية، وسيبلغ عدد سكان المنطقة مائة مليون نسمة بعد 15 سنة، لكن من المحتمل أن يبقى هذا الفضاء سوقا للمنتوجات الأوربية والآسيوية، بسبب انعدام حد أدنى من التنسيق في السياسات الاقتصادية. ولا يمكن لأي بلد أن يدخل عددا من النشاطات مثل صناعة السيارات لأنها تتطلب سوقا ورؤوس أموال لا يمكن التوصل إليها بصفة انفرادية.

وقال أحد الاقتصاديين بسخرية أنه حدث للمغرب أن اشترى بترولا جزائريا أو ليبيا من سوق لندن بعد مروره من عدة وسطاء، رغم أن القادة المغاربة يتكلمون منذ عقود عن التكاملي الاقتصادي بين مختلف بلدان المنطقة. ولم تتجاوز التبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي 2 بالمائة من مجموع تجارتها الخارجية، حسب تصريحات أدلى بها الثلاثاء الماضي الوزير الأول الجزائري الأسبق إسماعيل حمداني. وأضاف حمداني أنه لا يمكن بناء المغرب العربي إذا كان كل يطرف يسبح لوحده، لكنه مثل أغلبية المسئولين الجزائريين لم يقم بمبادرة تذكر لما كان في السلطة.

وتكلمت جرائد كثيرة عن احتمال تجاوز هذا الوضع على إثر تعيين الجنرال السابق العربي بلخير كسفير للجزائر في المغرب، بعد أن كان في قلب السلطة الجزائرية لمدة عقدين بصفته مدير لديوان رئيس الجمهورية. وقيل أن المهمة الأساسية للجنرال بلخير ستتعلق بحل أزمة الصحراء الغربية التي يدعي القادة المغاربة أنها العائق الأساسي لتطوير العلاقات بينها. لكنه اتضح بسرعة أن الجمود ناتج عن أسباب أخرى، خاصة في استعمال الوطنية للحفاظ على النظام القائم في كب بلد.

ولما ظهرت المخاطر التي من الممكن أن تنتج عن انتشار محتمل لمرض أنفولزا الطيور، صرح عدد من المسئولين أن التشاور سيتسع بين بلدان المنطقة لمواجهة أي خطر. لكن هذه المشاورات بقيت حبرا على ورق، حيث لا حظ أحد الأطباء أن "الطبيعة، وخاصة الصحراء بفراغها، ستحمي المغاربة أكثر من الوزارات". واقتصر كل بلد على تدابير لا تتجاوز حدوده. ويتخوف هذا الطبيب من انتشار أنفلوزا الطيور في إفريقيا بالحجم الذي عرفه مرض الإيدز الذي خلف أكثر من ثلاثين مليون قتيلا في إفريقيا لحد الآن، مع العلم أن انتشار فيروس أنفولزا الطيور سيكون أكثر تدميرا من فيروس الإيدز إذا تحول الإنسان.

أما المشكلة الثالثة التي عجز المغاربة عن التنسيق لمواجهتها، فإنها تتمثل في الهجرة الإفريقية نحو الشمال، مرورا ببلدان الغرب العربي. ويقول علي بن سعد، باحث جزائري في الهجرات الإنسانية، أن خمسة إلى عشرة مليون إفريقي سيجتاحون بلدان المغرب العربي خلال الخمسة عشر سنة القادمة، سواء ليستوطنوا فيها أو ليستعملوها كمعبر نحو أوربا. ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بصفة انفرادية كما أثبتت التجربة. فكلما يتم غلق طريق للهجرة، يبرز طريق آخر، وآخرها الطريق الذي يمر عن شمال موريتانيا ثم الصحراء الغربية وجزر الكناري وأخيرا إسبانيا. وتقول آخر الإحصائيات أن أكثر من ألف إفريقي لقوا حتفهم في محاولة للوصول إلى جزر الكناري انطلاقا من موريتانبا منذ بداية السنة، مما يؤكد حجم الهجرة من خلال هذا المعبر الذي يعتبر جديدا نسبيا، كما يؤكد حجم المشكل الذي سيجتاح كل المنطقة.

وحتى الصحراء الغربية التي ماتزال محل نزاع بين المغرب وجبهة البوليزاريو، فإنها تعرف تدفقا للمهاجرين. وبينما اجتاحت المنطقة فيضانات دمرت الهياكل الهشة في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وجد مسئولو البوليزاريو أنفسهم مضطرين على التكفل بلاجئين أفارقة وصولوا إلى الصحراء الغربية مرورا بموريتانيا وغيرها. وبينما كان الصحراويون يقتسمون جوعهم مع الأفارقة، نشب جدال بين الجزائر والمغرب حول أحسن الطرق لمساعدة المنكوبين الصحراويين…

ويقول محلل سياسي في الجزائر أن "البلدان المغاربة ستذهب حتما إلى الوحدة، وإذا لم تختر هذا الطريق بإرادتها، فإنها ستدفع إليه من طرف القوى الكبرى، ومن المحتمل أن تتم الوحدة تحت اللواء الأمريكي". ويضيف أن أمريكا بدأت العمل في هذا الاتجاه بفرض تعاون في ميدان محاربة الإرهاب، وتوسع هذا التعاون إلى ميادين أخرى مثل حماية حقول المحروقات ومعابر النفط وغيرها".

أما أوربا، فإنها تريد للمغرب العربي أن يتوجه نحو حد أدنى من الوحدة ليضمن نوعا من الازدهار، وهو الطريق الوحيد الذي سيدفع المهاجرين الأفارقة إلى البقاء في شمال إفريقيا بدل العبور إلى أوربا. وإذا تحقق ذلك فإن البلدان المغاربية تكون قد اضطرت إلى طريق الوحدة لا خدمة لشعوبها أو لتحقيق أحلام المغرب العربي الموحد، بل ستفعل ذلك لحماية مصالح أمريكا وأوربا. ويلخص ذلك المؤرخ الجزائري محمد حربي بقوله : "إذا عجزت القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية أن تقوم بالمبادرات الضرورية لتحريك الوضع، فإن قوى خارجية ستتكفل بالمبادرة لتحولها اصالحها".

ع.ش

 

Publicités

فاروق وعدالة الفاروق

 

عابد شارف

 

وجه الأستاذ فاروق قسنطيني انتقادات شديدة اللهجة للعدالة… البريطانية، لأنها رفضت أن تسلم الجزائر عددا من الإسلاميين الذين وجهت لهم العدالة الجزائرية تهمة التورط في أعمال إرهابية، وقد أصدرت أحكاما في حق البعض منهم، بينما يبقى البعض الآخر محل متابعات قضائية. وقال الأستاذ قسنطيني -حفظه الله- أنه لا يوجد أي مبرر للعدالة البريطانية لرفضها التعامل مع العدالة الجزائرية، خاصة أن هذه الأخيرة قد تمكنت من إدماج الإصلاحات الضرورية وهي تعمل حاليا حسب القواعد المعروفة دوليا.

وبطبيعة الحال، لا يوجد في بريطانيا رجل مماثل للأستاذ قسنطيني ليهاجم العدالة الجزائرية، لأن الأستاذ قسنطيني مسئول من نوع خاص، فهو لا يشغل منصبا رسميا في الحكومة ولا في الدولة، لكنه يتكلم باسم الجزائر، كأنه وزير خارجية ووزير عدل أو وزير الوزراء. ودون أن يكون مناضلا في الأرندي –حفظكم الله- ولا في جبهة التحرير –سامحكم الله- ولا في حماس –غفر لكم الله-، فإن الأستاذ قسنطيني يدافع عن الإصلاحات التي عرفتها العدالة الجزائرية بفضل برنامج رئيس الجمهورية. ويقول أن التعذيب ليس موجودا في السجون الجزائرية، وأن العدالة الجزائرية تقترب من تلك التي أقامها عمر بن الخطاب، كما نفهم من كلامه أن القضاة في الجزائر صنفين، منهم من يشبه عمر بن عبد العزيز، ومنهم من يشبه أبا موسى الأشعري. ولعل الأستاذ قسنطيني يعتبر أن قضية والي البليدة الذي أحيل على العدالة تشبه قضية عمرو بن العاص والي مصر…

ويشير هذا الخلط في كلام الأستاذ قسنطيني إلى الفرق الشاسع بين العدالة الجزائرية والبريطانية، حيث لا يمكن أن نقارن بينهما. فالعدالة البريطانية تعمل في محيط سياسي "عادي"، أهم مميزاته هي الفصل بين السلطات. والعدالة في بريطانيا سلطة قائمة لا يمكن للحكام أن يفرضوا عليها وضع هذا المعارض في السجن أو مساعدة هذا المسئول حتى لا يدخل السجن.

أما الأستاذ الموقر، فإنه يرأس لجنة لحقوق الإنسان تابعة للسلطة، وكلفته السلطة بأكثر الملفات حساسية، وهو ملف المفقودين. وكان دوره الأساسي هو العمل من أجل القضاء على الملف، أو من أجل معالجته بطرق إدارية وسياسية، لا من أجل انتصار العدالة في الملف. وكان كل تصرف الأستاذ يصب في اتجاه واحد، وهو البحث عن مبررات قانونية لمساندة مشروع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في قضية المفقودين. ولا نتكلم عن محتوى مشروع الرئيس بوتفليقة حول المصالحة، ولكل جزائري رأي في الموضوع، إنما نتكلم عن العدالة ومكانتها ودورها في المجتمع. فالسلطة التي تستعمل العدالة للوصول إلى أهداف سياسية، وإن كانت هذه الأهداف إيجابية، فإنها ستفشل لأنها ستستعمل العدالة يوما لأهداف أخرى. وقد جدث هذا فعلا وبكثرة خلال العشرية الماضية، ومازالت العدالة تشكل إحدى الوسائل التي تستعملها السلطة للقضاء على المعارضين أو لإقصاء من ليس مرغوب فيه.

ولا نعرق هل أن الأستاذ قسنطيني يتكلم عن العدالة بصفة عامة أو يقتصر على العدالة التي سنسميها سياسية أنها مرتبطة بملفات شائكة. فالعدالة لا تقتصر على ملف المفقودين أو على الولاة المتابعين، إنما تشمل كل الجزائريين الذي وجدوا نفسهم، لسبب أو آخر، مورطين في ملف ما. وهؤلاء يتعاملون مع العدالة بطريقة لا يتكلم عنها الأستاذ قسنطيني.

وسنذكر قصة ذلك الرجل الذي وجد نفسه سوما في السجن، فطلب من أحد أصدقائه أن يبحث له عن محامي ماهر ذي خبرة وحنكة يستطيع أن يخرجه من السجن. فعاد صديقه بعد أيام وقال له: لقد اتصلت بالمحامي فلان، وهو من أشهر المحامين بالعاصمة، وهو يعرف القانون وأقنعته أن يتكفل بالدفاع عنك. فقال السجين: أنا لا أبحث عن محامي يعرق القانون، إنما أبحث عن محامي يخرجني من السجن…

وقال لنا إطار سابق قضى سنتين في السجن قبل أن يحصل على التبرئة أن أكثر الناس دراية بالعدالة هم السجناء. وأوضح أن السجناء يصنفون القضايا حسب ترتيب خاص، مبني على المبلغ الذي يجب دفعه للخروج من السجن. وبنفس المنطق، فإن المحامين مصنفون بين الذين يعرفون الشبكات التي تسمح بالخروج من السجن والذين يؤمنون بالقانون، مع العلم أنه هذه الفئة الأخيرة هي شبكة المحامين الفاشلين.

والجزائريون يحلمون بعدالة عمر الفاروق، لكنهم يدركون أنها مستحيلة في بلادهم. ولذلك أصبحوا يحلمون بعدالة مثل العدالة البريطانية التي قرر فاروقنا أن يهاجمها.

ع.ش

قصة حب تحرق المدينة

عابد شارف

 

فيصل شاب جزائري عادي جدا. إنه لم يكن يمارس السياسية ولم يكن نجما لكرة القدم. كان فيصل يشتغل كحداد في البلدة التي يسكنها، زرالدة، غرب العاصمة، بلدة معروفة بفضل شواطئها الجميلة وفنادقها العديدة. لكن فيصل يعيش بعيدا عن البحر، حيث كان يقطن في منزل تقليدي مع عائلته رغم أنه تجاوز الثلاثين. وكان فيصل يقضي وفته بين العمل والأحلام، وأكبر حلم له هو الزواج من فتاة يحبها، فتاة تسكن نفس البلدة، سبق له أن غازلها فأجابته، وخطبها من أبويها فقبلته. ثم جاءت المأساة…

في ليلة السبت 4 إلى الأحد 5 مارس، على الساعة الثالثة صباحا، توجه فيصل إلى مقر الشرطة في زرالدة. وكان يحمل معه "شاقور" مخبأ تحت ثيابه. وفور دخوله مقر الشرطة، توجه إلى أحد رجال الأمن القائم بالمداومة، فضربه ضربتين أدت إلى جروح خطيرة في ذراعيه، لأن الشرطي الذي فوجئ حاول أن يدافع عن نفسه بيديه ولم يتمكن من استعمال سلاحه. وقدم شرطي آخر فتلقى بدوره ضربة أصابته في الكتف، فتراجع إلى الوراء. وعاد فيصل بشاقوره ليضرب الشرطي الأول، وعندها، قدم شرطي ثالث واستعمل مسدسه ليطلق النار على فيصل أربع أو خمس مرات، فسقط فيصل قتيلا…

وكانت قصة حب سبب هذه المأساة. فكان فيصل ينوي الزواج من خطيبته، لكنه لاحظ قبل أشهر أنها ليست متحمسة للزواج منه، ثم قالت أنها تريد إعادة النظر في علاقتهما. وسمع فيصل كلاما عن علاقة تكون قد أقيمت بين حبيبته وأحد رجال الشرطة العاملين في زرالدة. ويقول أصدقاؤه أن الشرطي احتقره بطريقة أو أخرى، فقام ذات ليلة على الساعة الثالثة إلا الربع، وقال لأمه التي سألته عن سبب هذا الخروج المبكر أنه ذاهب إلى المسجد ليصلي صلاة الفجر، لكن توجه إلى مقر الشرطة الموجود على بعد 300 متر لبثأر من الشرطي الذي أهانه، فكانت الفاجعة.

وانتشر خبر وفاة فيصل في المدينة صباح يوم الأحد. وقال أصدقاؤه أن رجال الشرطة اغتالوه احتقارا له، لأنه رجل بسيط، ليست له سوابق عدلية، ويعرف في المدينة أنه "ناس ملاح" أي أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وتجمع الشباب في مدينة زرالدة طيلة الصبيحة، وشكلوا مجموعات ليتحسروا على ما وقع. وبعد الظهر، كانت أعدادهم هائلة في شوارع المدينة، وكان التوتر واضحا في شوارع البلدة الهادئة عاديا.

ولا يستطيع أحد أن يقول كيف بدأت المواجهة، ومن رمى الحجرة الأولى. لكن بسرعة فائقة تحول الشارع المؤدي إلى مقر الأمن ساحة معركة بين شباب من المدينة وقوات الأمن، حسب سيناريو معتاد تعلم الجزائريون أن يعيشوا به منذ أحداث أكتوبر 1988، لما اندلعت مسيرات احتجاجية كبرى زعزعت النظام القائم آنذاك ودفعت السلطة إلى إقامة التعددية الحزبية. وتعلم الشباب أن يحتجوا بعنف بطريقة تشبه تلك التي يستعملها في الفلسطينيون أثناء الانتفاضة.

ومرت البلاد بعد أكتوبر 1988 بمرحلة ديمقراطية لا مثيل لها، مع بروز أحزاب وجمعيات وصحافة حرة. وتركت هذه المرحلة أثرا كبيرا في السلوك السياسي والاجتماعي للجزائريين، قبل أن تدخل الجزائر "عشرية حمراء" على إثر إيقاف الانتخابات في جانفي 1992 وتمرد الإسلاميين. وخلفت الحرب الداخلية ما يقارب 200 ألف قتيل، قبل أن تشرع السلطة والمجموعات المسلحة في مفاوضات أدت إلى العفو عن المتمردين شريطة أن يتخلوا عن السلاح ويغادروا الساحة السياسية. وتم تنظيم استفتاء في سبتمبر الماضي للموافقة على هذا المشروع الذي تبناه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتم إصدار القوانين الضرورية لتطبيقه هذا الأسبوع.

لكن سكان زرالدة لم يخرجوا إلى الشارع ليساندوا مشروع الرئيس بوتفليقة أو يعارضوه، إنما خرجوا إلى الشارع للاحتجاج ضد ما يسمونه "الحقرة"، وما يعتبرونه احتقارا للمواطن البسيط من طرف السلطة بمختلف مكوناتها، سواء كانت إدارة أو قوات أمن أو جيش. وبطبيعة الحال فإن السلطة لا تعتبر هذه الظاهرة التي انتشرت كعملية احتجاج، وتصفها أنها "أعمال شغب".

وفعلا، قام المحتجون في زرالدة بحرق مقر إحدى البنوك العمومية. وأثناء الهجوم على هذا المقر، حاول أحد العاملين بالبنك أن يخرج، فحاصره المتظاهرون، فخرج من النافذة من الطابق الأول، وأصيب بكسور في رجله اضطر بعدها إلى تلقي عملية جراحية تركته معاقا نسبيا لباقي حياته. وأغلبية المحتجين يعرفون هذا الموظف في البنك، لأنه هو الآخر الصديق والجار. لكن ذنبه أنه كان في مكان اختار المتظاهرون أن يهاجموه لأنه أقرب المباني العمومية من مركز الشرطة. وتحولت شوارع المدينة إلى ساحة معركة خلال دقائق قليلة، وأقيمت المتارس، وأحرقت العجلات المطاطية في الشوارع، وبرز زعماء جدد لقيادة الاحتجاج، أعظمهم شباب عاطل وجد فرصة لتصفية حسابات مع سلطة أو ممثلي سلطة يعتبرهم سبب المأزق الذي يعيشه هؤلاء الشباب.

ويبقى الخبراء في علم النفس وعلم الاجتماع محتارين أمام هذه الظاهرة التي انتشرت في الجزائر إلى درجة أنها أصبحت تشكل الطريقة الوحيدة للاحتجاج. ويقول أحد متتبعي هذه الظاهرة أن هناك "عنف موجود بكثافة في المجتمع، يجد فرصة لاستعماله في مثل هذه الظروف". ويضيف أن "الحرمان لا يجد أحزابا وجمعيات ذات مصداقية لتأطيره، فينفجر بطريقة عشوائية".

ويقول أحد أبرز علماء الاجتماع في الجزائر أن "السلطة الجزائرية قد دمرت كل المؤسسات التي يمكن أن تحتوي غضب الشارع وتستعمله بطريقة سلمية، ولم يبق أمام المواطن إلا العنف ليؤكد أنه موجود". ويضيف أن "تجارب السنين الماضية أكدت لهؤلاء الشباب أن طريقة الاحتجاج هذه انتحارية، ولا يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، لكنهم لم يجدوا أحسن منها ولا بديلا لها". ويبقى احتيار كل الأطراف متعلقا بموقف السلطة، التي تعرف جيدا أن المجتمع قد أصبح خاليا من كل الهياكل التي يمكن أن تلعب دور الملجأ أو الحكم (بنصب الحاء والكاف)، لكنها لا تقوم بأية مبادرة لتغيير الوضع، مما يجعل أعمال العنف هذه إلى أول وسيلة احتجاج في البلاد كثيرا ما تؤدي إلى سقوط ضحايا. ففي يوم 7 مارس، أشارت إحدى الجرائد إلى مظاهرات مماثلة في أربع مدن مختلفة، في مدينة خميس الخشنة، قرب العاصمة، وفي مدينة القل، بشرق البلاد، وفي الوادي، بالشمال الشرقي للصحراء، وأخيرا في برج منايل، بمنطقة القبائل.

ورغم اختلاف الأسباب التي تؤدي إلى عمليات الاحتجاج، فإنه شكلها معروف، مع المواجهات وحرق الباني العمومية وجرح أو قتل عدد من المواطنين أو أعضاء مصالح الأمن. وهي "لا تعبر عن مطلب ما في أغلب الأحيان، إنما تعبر عن وضع بسيكولوجي جماعي متأزم، لأن أغلبية الناس يحسون أنهم في مأزق". ولاحظ وزير أول سابق مثلا أن "الكل يشكو في الجزائر، فالغني يشكو لأنه ليس مطمئنا والوزير يشكو لأنه لا يعرف ماذا سيحدث غدا. فكيف يكون وضع المواطن البسيط في مثل هذه الحالة؟".

وما يزيد قلق الجزائريين هو ذلك الشعور أن الطرق القانونية والسلمية لا توفر له مخرجا، مما يدفعه إلى تصرف شبه انتحاري بتهديم المنشآت التي أقيمت لفائدته مثل المدارس ومقر البلديات وغيرها. ويقول مختص في علم النفس أن "الاحتجاج العنيف بهذه الطريقة يمكن أن نعتبره محاولة انتحار جماعية، لأن المواطن يدفع ثمنه غاليا، سواء لما يتم إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن، أو لما يدمر الهياكل التي تخدمه، أو لما يموت في المواجهات مثلما حدث ذلك في عدد من المدن". ويفرق هذا المثقف الجزائري بين "العملية السياسية التي يتم تنظيمها بهدف واضح وطبق طرق معروفة من جهة، وبين العمليات العشوائية التي يخسر فيها كل الأطراف".

لكن الكل يجمع على أن هذا الوضع جاء سببا لغياب كل الهياكل التقليدية لتنظيم المجتمع. ويلخص أحد السياسيين الوضع في هذه الصورة الكاريكاتورية، حيث يقول أن المواطن يتوجه مرة أولى إلى البلدية أو القاضي أو الوالي فلا يجد من يصغي إليه، ثم يقطع الطريق أو يحرق مقر البلدية فتقبل السلطة أن تتفاوض معه. وحتى إن رفضت فإنه أثبت وجوده، حتى لو أدى به ذلك إلى الانتحار".

ومن جهة أخرى، فإن ظاهرة الانتحار بدورها انتشرت بصفة رهيبة في الجزائر، خاصة عند الشباب. ورغم غياب إحصائيات دقيقة، يقول أحد الأطباء النفسانيين أن "الوضع النفسي السائد في المجتمع الجزائري بصفة عامة يشجع انتشار الظاهرة". ويضيف أن "الطب يعجز أمام وضع كهذا، لأن المطلوب هو القضاء على هذا الشعور العام بالفشل قبل التكفل بالأشخاص".

ولا نعرف هل أن فيصل، الذي توفي ليلة السبت إلى الأحد في زرالدة، كان على علم بكل هذه التحاليل. لكن يكفيه أنه مات ليدافع عن صورة كان يحملها عن حبيبته، فسقط ضحية للحب، وأحرقت المدينة بعده، للثأر له. فكان من أنصار روميو Roméo، وترك دور نيرون Néron لأهل السلطة وأولئك الذين فضلوا بقاءهم في السلطة حتى ولو أدى ذلك إلى انتحار الشباب، أي انتحار الحياة.

حرب بين النفط والفكر

 

عابد شارف

 

فرنسا دولة كبرى. إنها دولة تؤمن باقتصاد السوق وتروج له، وتدافع عن العولمة وحرية التجارة. لكن فرنسا بلد يدافع عن مصالحه، وإذا اعتبرت أنه يجب القيام ببعض المخالفات البسيطة لقواعد السوق لأن ذلك يضمن مصالح فرنسا، فإنها لا تتردد، وتتخذ التدابير اللازمة لصيانة تلك المصالح.

وبهذا المنطق، قرر الوزير الأول الفرنسي دومينيك دي فيلبان Dominique de Villepin أن يجمع بين الشركة العمومية "غاز فرنسا" Gaz de France  والشركة الخاصة "سويز"Suez  وذلك لتحقيق هدفين، يتمثل الأول في معارضة استيلاء الشركة الإيطالية "إينال" Enel  على سويز، ويتمثل الهدف الثاني في تمكين فرنسا من إقامة مجمع ضخم في ميدان الطاقة، مع العلم أن هذا الميدان أصبح استراتيجيا في العالم المعاصر. ورغم احتجاج إيطاليا، ومعارضة النقابات الفرنسية، فإن الوزير الأول الفرنسي لم يتراجع في قراراه، وواصل مشروعه لأن ذلك يضمن لفرنسا امتلاك أكبر شركة أوربية في ميدان الكهرباء والغاز، بإمكانها مواجهة العمالقة الآخرين.

الجزائر تدعي أنها تطمح أن تصبح قوة كبرى. والجزائر لا تملك إلا محروقاتها لتفرض نفسها في العالم المعاصر. ولتحقيق هذا الطموح، قررت الجزائر أن تتخلى تدريجيا عن التحكم في محروقاتها، وتفتح المجال لشركات أجنبية لتملك وتتحكم في منابع النفط التي سيتم اكتشافها ابتداء من اليوم بفضل قانون المحروقات الذي تمت المصادقة عليه الصيف الماضي.

لماذا هذا التناقض بين الهدف الذي تطمح إليه الجزائر، وهذه القرارات التي تقتل طموحات البلاد؟ لماذا تتخذ السلطة الجزائرية قرارات تمنعها من ضمان العزة والكرامة الاقتصادية في نفس الوقت الذي تدعي أنها تريد أن تضمن لنفسها مكانة لائقة في محفل الدول؟

هذه الأسئلة تفرض جوابا على شقين. يتعلق الشق الأول بمركز القرار في البلاد: هل مازالت الجزائر تكسب مصدرا لقراراتها الكبرى، وأين هو؟ أم أن مركز القرار تحول نهائيا إلى الخارج؟ هذه نقطة واسعة تكلمنا عنها الأسبوع الماضي.

أما الشق الثاني فإنه يتعلق بقدرة البلاد في التفكير في تحديد مصالحها، والتفكير في أحسن الطرق للدفاع عنها. فالظاهر أن الجزائر عاجزة في تحديد مصالحها واتخاذ مبادرات جريئة لصيانتها. وقال لنا أحد الخبراء في ميدان الطاقة أن الجزائر افتقدت كل طموح في الميدان. وأشار بالمقارنة إلى شركات الإمارات العربية التي دخلت العالم الاقتصادي والتجاري واستعملت فائضها المالي لشراء الموانئ الأمريكية مثلا. وذلك نفش الخبير تجربة الكويت التي أنشأت في الثمانينات هيئة مالية Koweit Investment Office (KIO) تشتغل في أوربا وأمريكا لتستثمر أموال الكويت وحققت أرباحا كبرى. إضافة إلى ذلك، استعمل الكويت أموال هذه المؤسسة بعد غزو العراق للكويت سنة 1991 من أجل تنظيم الحملة الدعائية والسياسية لمحاربة الغزو.

ويقول هذا الخبير أن مصلحة الجزائر تتطلب التفكير في استعمال مخزون البلاد من العملة الصعبة للدخول إلى الاقتصاد العالمي، والمشاركة في القرارات الكبرى. ويرى في هذا السياق أن الجزائر، كبلد منتج للغاز، أن تعمل للتحكم في السوق الأوربية لهذه المادة الأساسية. وضيعت الجزائر فرصا عديدة، حيث لم تتجرأ مثلا لشراء أسهم من شركة "غاز فرنسا" لما قررت الحكومة الفرنسية خوصصة 30 بالمائة من رأس مال هذه الشركة.

ولم تقم الجزائر بمبادرات تذكر لدخول السوق الإيطالية والإسبانية والألمانية، وهي أكبر الأسواق الأوربية. واكتفت ببيع الغاز دون القيام بمبادرات تذكر لتوسيع نفوذها من جهة، ولتحقيق أرباح من جهة أخرى، حيث أن الشركات العاملة في ميدان الطاقة بصفة عامة أصبحت من أكثر الشركات مردودية منذ ارتفاع أسعار النفط.

ولا نعرف هل أنا هذه الأفكار ناجعة أم لا، وهل أنها واقعية أم لا. لكن ما نعرفه هو أن وزير الطاقة شكيب خليل استطاع أن يمنع أي نقاش في الموضوع ليفرض آراءه سواء كانت مفيدة أو مضرة للبلاد. وقال لنا أحد الخبراء أن وزارة الطاقة ضغطت مثلا لمنع ملتقى دولي نظمته شركة خاصة حول الكهرباء، وذلك خشية أن يتم طرح أفكار مناقضة لما يقوله وزير الطاقة. ولاحطنا كذلك أن عددا من الخبراء والسياسيين الذين يعارضون سياسة الحكومة في هذا الميدان لا يجدون مجالا للكلام، رغم أن معارضة سياسة شكيب خليل وصلت إلى الحكومة، حيث كتبت إحدى الصحف أن وزير الداخلية يزيد زرهوني عارض قانون المحروقات الجديد. ولم يبق إلا أن ننتظر أن "تدور الساعة"، ويأتي مسئول آخر يشتم شكيب خليل دون أن يتمكن الوزير الحالي من الرد لأنه يكون يومها قد أقصي من السلطة…

هذا العجز في التفكير جاء أساسا كنتيجة لانعدام الديمقراطية في البلاد. فالديمقراطية هي التي تسمح بتنظيم الحوار، وفتح النقاش، والتحكم في هامش الخطأ. والديمقراطية هي التي تسمح ببناء مؤسسات للتفكير، وتسمح، بل تضمن لأصحاب الرأي المعاكس أن يتكلموا، لعلهم على صواب. ولم تفلح الجزائر إن لم تقتنع بهذه الفكرة البسيطة، رغم كل بترولها وغازها. فالنفط بلا فكر سيتحول إلى عجز أبدي.

ع.ش