حرب بين النفط والفكر

 

عابد شارف

 

فرنسا دولة كبرى. إنها دولة تؤمن باقتصاد السوق وتروج له، وتدافع عن العولمة وحرية التجارة. لكن فرنسا بلد يدافع عن مصالحه، وإذا اعتبرت أنه يجب القيام ببعض المخالفات البسيطة لقواعد السوق لأن ذلك يضمن مصالح فرنسا، فإنها لا تتردد، وتتخذ التدابير اللازمة لصيانة تلك المصالح.

وبهذا المنطق، قرر الوزير الأول الفرنسي دومينيك دي فيلبان Dominique de Villepin أن يجمع بين الشركة العمومية "غاز فرنسا" Gaz de France  والشركة الخاصة "سويز"Suez  وذلك لتحقيق هدفين، يتمثل الأول في معارضة استيلاء الشركة الإيطالية "إينال" Enel  على سويز، ويتمثل الهدف الثاني في تمكين فرنسا من إقامة مجمع ضخم في ميدان الطاقة، مع العلم أن هذا الميدان أصبح استراتيجيا في العالم المعاصر. ورغم احتجاج إيطاليا، ومعارضة النقابات الفرنسية، فإن الوزير الأول الفرنسي لم يتراجع في قراراه، وواصل مشروعه لأن ذلك يضمن لفرنسا امتلاك أكبر شركة أوربية في ميدان الكهرباء والغاز، بإمكانها مواجهة العمالقة الآخرين.

الجزائر تدعي أنها تطمح أن تصبح قوة كبرى. والجزائر لا تملك إلا محروقاتها لتفرض نفسها في العالم المعاصر. ولتحقيق هذا الطموح، قررت الجزائر أن تتخلى تدريجيا عن التحكم في محروقاتها، وتفتح المجال لشركات أجنبية لتملك وتتحكم في منابع النفط التي سيتم اكتشافها ابتداء من اليوم بفضل قانون المحروقات الذي تمت المصادقة عليه الصيف الماضي.

لماذا هذا التناقض بين الهدف الذي تطمح إليه الجزائر، وهذه القرارات التي تقتل طموحات البلاد؟ لماذا تتخذ السلطة الجزائرية قرارات تمنعها من ضمان العزة والكرامة الاقتصادية في نفس الوقت الذي تدعي أنها تريد أن تضمن لنفسها مكانة لائقة في محفل الدول؟

هذه الأسئلة تفرض جوابا على شقين. يتعلق الشق الأول بمركز القرار في البلاد: هل مازالت الجزائر تكسب مصدرا لقراراتها الكبرى، وأين هو؟ أم أن مركز القرار تحول نهائيا إلى الخارج؟ هذه نقطة واسعة تكلمنا عنها الأسبوع الماضي.

أما الشق الثاني فإنه يتعلق بقدرة البلاد في التفكير في تحديد مصالحها، والتفكير في أحسن الطرق للدفاع عنها. فالظاهر أن الجزائر عاجزة في تحديد مصالحها واتخاذ مبادرات جريئة لصيانتها. وقال لنا أحد الخبراء في ميدان الطاقة أن الجزائر افتقدت كل طموح في الميدان. وأشار بالمقارنة إلى شركات الإمارات العربية التي دخلت العالم الاقتصادي والتجاري واستعملت فائضها المالي لشراء الموانئ الأمريكية مثلا. وذلك نفش الخبير تجربة الكويت التي أنشأت في الثمانينات هيئة مالية Koweit Investment Office (KIO) تشتغل في أوربا وأمريكا لتستثمر أموال الكويت وحققت أرباحا كبرى. إضافة إلى ذلك، استعمل الكويت أموال هذه المؤسسة بعد غزو العراق للكويت سنة 1991 من أجل تنظيم الحملة الدعائية والسياسية لمحاربة الغزو.

ويقول هذا الخبير أن مصلحة الجزائر تتطلب التفكير في استعمال مخزون البلاد من العملة الصعبة للدخول إلى الاقتصاد العالمي، والمشاركة في القرارات الكبرى. ويرى في هذا السياق أن الجزائر، كبلد منتج للغاز، أن تعمل للتحكم في السوق الأوربية لهذه المادة الأساسية. وضيعت الجزائر فرصا عديدة، حيث لم تتجرأ مثلا لشراء أسهم من شركة "غاز فرنسا" لما قررت الحكومة الفرنسية خوصصة 30 بالمائة من رأس مال هذه الشركة.

ولم تقم الجزائر بمبادرات تذكر لدخول السوق الإيطالية والإسبانية والألمانية، وهي أكبر الأسواق الأوربية. واكتفت ببيع الغاز دون القيام بمبادرات تذكر لتوسيع نفوذها من جهة، ولتحقيق أرباح من جهة أخرى، حيث أن الشركات العاملة في ميدان الطاقة بصفة عامة أصبحت من أكثر الشركات مردودية منذ ارتفاع أسعار النفط.

ولا نعرف هل أنا هذه الأفكار ناجعة أم لا، وهل أنها واقعية أم لا. لكن ما نعرفه هو أن وزير الطاقة شكيب خليل استطاع أن يمنع أي نقاش في الموضوع ليفرض آراءه سواء كانت مفيدة أو مضرة للبلاد. وقال لنا أحد الخبراء أن وزارة الطاقة ضغطت مثلا لمنع ملتقى دولي نظمته شركة خاصة حول الكهرباء، وذلك خشية أن يتم طرح أفكار مناقضة لما يقوله وزير الطاقة. ولاحطنا كذلك أن عددا من الخبراء والسياسيين الذين يعارضون سياسة الحكومة في هذا الميدان لا يجدون مجالا للكلام، رغم أن معارضة سياسة شكيب خليل وصلت إلى الحكومة، حيث كتبت إحدى الصحف أن وزير الداخلية يزيد زرهوني عارض قانون المحروقات الجديد. ولم يبق إلا أن ننتظر أن "تدور الساعة"، ويأتي مسئول آخر يشتم شكيب خليل دون أن يتمكن الوزير الحالي من الرد لأنه يكون يومها قد أقصي من السلطة…

هذا العجز في التفكير جاء أساسا كنتيجة لانعدام الديمقراطية في البلاد. فالديمقراطية هي التي تسمح بتنظيم الحوار، وفتح النقاش، والتحكم في هامش الخطأ. والديمقراطية هي التي تسمح ببناء مؤسسات للتفكير، وتسمح، بل تضمن لأصحاب الرأي المعاكس أن يتكلموا، لعلهم على صواب. ولم تفلح الجزائر إن لم تقتنع بهذه الفكرة البسيطة، رغم كل بترولها وغازها. فالنفط بلا فكر سيتحول إلى عجز أبدي.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s