فاروق وعدالة الفاروق

 

عابد شارف

 

وجه الأستاذ فاروق قسنطيني انتقادات شديدة اللهجة للعدالة… البريطانية، لأنها رفضت أن تسلم الجزائر عددا من الإسلاميين الذين وجهت لهم العدالة الجزائرية تهمة التورط في أعمال إرهابية، وقد أصدرت أحكاما في حق البعض منهم، بينما يبقى البعض الآخر محل متابعات قضائية. وقال الأستاذ قسنطيني -حفظه الله- أنه لا يوجد أي مبرر للعدالة البريطانية لرفضها التعامل مع العدالة الجزائرية، خاصة أن هذه الأخيرة قد تمكنت من إدماج الإصلاحات الضرورية وهي تعمل حاليا حسب القواعد المعروفة دوليا.

وبطبيعة الحال، لا يوجد في بريطانيا رجل مماثل للأستاذ قسنطيني ليهاجم العدالة الجزائرية، لأن الأستاذ قسنطيني مسئول من نوع خاص، فهو لا يشغل منصبا رسميا في الحكومة ولا في الدولة، لكنه يتكلم باسم الجزائر، كأنه وزير خارجية ووزير عدل أو وزير الوزراء. ودون أن يكون مناضلا في الأرندي –حفظكم الله- ولا في جبهة التحرير –سامحكم الله- ولا في حماس –غفر لكم الله-، فإن الأستاذ قسنطيني يدافع عن الإصلاحات التي عرفتها العدالة الجزائرية بفضل برنامج رئيس الجمهورية. ويقول أن التعذيب ليس موجودا في السجون الجزائرية، وأن العدالة الجزائرية تقترب من تلك التي أقامها عمر بن الخطاب، كما نفهم من كلامه أن القضاة في الجزائر صنفين، منهم من يشبه عمر بن عبد العزيز، ومنهم من يشبه أبا موسى الأشعري. ولعل الأستاذ قسنطيني يعتبر أن قضية والي البليدة الذي أحيل على العدالة تشبه قضية عمرو بن العاص والي مصر…

ويشير هذا الخلط في كلام الأستاذ قسنطيني إلى الفرق الشاسع بين العدالة الجزائرية والبريطانية، حيث لا يمكن أن نقارن بينهما. فالعدالة البريطانية تعمل في محيط سياسي "عادي"، أهم مميزاته هي الفصل بين السلطات. والعدالة في بريطانيا سلطة قائمة لا يمكن للحكام أن يفرضوا عليها وضع هذا المعارض في السجن أو مساعدة هذا المسئول حتى لا يدخل السجن.

أما الأستاذ الموقر، فإنه يرأس لجنة لحقوق الإنسان تابعة للسلطة، وكلفته السلطة بأكثر الملفات حساسية، وهو ملف المفقودين. وكان دوره الأساسي هو العمل من أجل القضاء على الملف، أو من أجل معالجته بطرق إدارية وسياسية، لا من أجل انتصار العدالة في الملف. وكان كل تصرف الأستاذ يصب في اتجاه واحد، وهو البحث عن مبررات قانونية لمساندة مشروع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في قضية المفقودين. ولا نتكلم عن محتوى مشروع الرئيس بوتفليقة حول المصالحة، ولكل جزائري رأي في الموضوع، إنما نتكلم عن العدالة ومكانتها ودورها في المجتمع. فالسلطة التي تستعمل العدالة للوصول إلى أهداف سياسية، وإن كانت هذه الأهداف إيجابية، فإنها ستفشل لأنها ستستعمل العدالة يوما لأهداف أخرى. وقد جدث هذا فعلا وبكثرة خلال العشرية الماضية، ومازالت العدالة تشكل إحدى الوسائل التي تستعملها السلطة للقضاء على المعارضين أو لإقصاء من ليس مرغوب فيه.

ولا نعرق هل أن الأستاذ قسنطيني يتكلم عن العدالة بصفة عامة أو يقتصر على العدالة التي سنسميها سياسية أنها مرتبطة بملفات شائكة. فالعدالة لا تقتصر على ملف المفقودين أو على الولاة المتابعين، إنما تشمل كل الجزائريين الذي وجدوا نفسهم، لسبب أو آخر، مورطين في ملف ما. وهؤلاء يتعاملون مع العدالة بطريقة لا يتكلم عنها الأستاذ قسنطيني.

وسنذكر قصة ذلك الرجل الذي وجد نفسه سوما في السجن، فطلب من أحد أصدقائه أن يبحث له عن محامي ماهر ذي خبرة وحنكة يستطيع أن يخرجه من السجن. فعاد صديقه بعد أيام وقال له: لقد اتصلت بالمحامي فلان، وهو من أشهر المحامين بالعاصمة، وهو يعرف القانون وأقنعته أن يتكفل بالدفاع عنك. فقال السجين: أنا لا أبحث عن محامي يعرق القانون، إنما أبحث عن محامي يخرجني من السجن…

وقال لنا إطار سابق قضى سنتين في السجن قبل أن يحصل على التبرئة أن أكثر الناس دراية بالعدالة هم السجناء. وأوضح أن السجناء يصنفون القضايا حسب ترتيب خاص، مبني على المبلغ الذي يجب دفعه للخروج من السجن. وبنفس المنطق، فإن المحامين مصنفون بين الذين يعرفون الشبكات التي تسمح بالخروج من السجن والذين يؤمنون بالقانون، مع العلم أنه هذه الفئة الأخيرة هي شبكة المحامين الفاشلين.

والجزائريون يحلمون بعدالة عمر الفاروق، لكنهم يدركون أنها مستحيلة في بلادهم. ولذلك أصبحوا يحلمون بعدالة مثل العدالة البريطانية التي قرر فاروقنا أن يهاجمها.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s