وحدة المغرب العربي في مأزق

فشل المساعي الداخلية يفتح الباب لوحدة تحت اللواء الأمريكي

 

عابد شارف

 

بينما تتشكل في مختلف مناطق العالم تجمعات جهوية اقتصادية أو سياسية، أخذت بلدان المغرب العربي الاتجاه المعاكس، حيث كرست عزلتها داخل الحدود الوطنية لكل دولة، مع تضاعف التوتر على الحدود ورفض أغلب أشكال التعاون. وأغلقت بلدان المغرب كل الأبواب رغم بروز معطيات جديدة تؤكد أن حل عدد من المشاكل لا يمكن أن يتم إلا بالتعاون على مستوى واسع يشمل كل البلدان المغاربية إضافة إلى أطراف أخرى. ورغم الخطاب السائد حول "ضرورة بناء الغرب العربي" و"المصير المشترك" الذي يتبناه القادة، فالواقع يؤكد تراجعا واضحا في المبادلات والتشاور والتعاون، مما يشير إلى أن الكوارث التي تهدد المنطقة لن تجد الهياكل الضرورية لمواجهتها إذا وقعت فعلا.

ويبرز هذا الفشل الواضح حتى في التبادلات التقليدية بين بلدان المغرب العربي، حيث كانت الجزائر وليبيا مثلا تتبادلان منذ ثلاثين سنة حدا أدنى من الزيارات كما كانت تتشاور في عدد من القضايا. إلا أن الأزمة التي عاشتها الجزائر وإعادة النظر الشاملة في المواقف الليبية أدت إلى غياب شبه كامل للتعاون بين البلدين. وكانت تونس والمغرب حليفين للغرب منذ عهد الاستقلال، لكن انعدام مجالات التعاون الاقتصادي دفع كلا منهما إلى البحث عن حلول وطنية في علاقاته مع أوربا والغرب بصفة عامة، إلى درجة أن البلدين أصبحا يتنافسان في جلب السواح الأوربيين، مع العلم أن السياحة تشكل جزء مهما من مداخيل البلدين من العملة الصعبة. أما موريتانيا، فإنها تبقى نقطة الضعف في هذه العلاقة المغاربية، لأن وضعها الجغرافي ووزنها لا يسمح لها بالتأثير على ميزان القوى في المنطقة.

وتكرس هذا المأزق في شلل اتحاد المغرب العربي الذي تم إنشاؤه قبل 17 سنة على إثر اللقاء المغاربي الذي نظم في الجزائر، وجمع الملك الحسن الثاني والقائد الليبي معمر القدافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والجزائري الشادلي بن جديد. فبعد التدابير الأولى التي فتحت مجالات وآمالا كبيرة، عادت الخلافات لتحتل الواجهة، فأغلقت الحدود الجزائرية المغربية سنة 1994، وتراجع التعاون، كما تراجع عدد اللقاءات، وعادت الأزمة إلى ما كانت عليه في الثمانينات.

وبذلك يكون القادة المغاربة من جهة قد فشلوا في تحقيق ما وعدت به حركات التحرير قبل أكثر من نصف قرن، لما كانت الفكرة المغربية تفرض نفسها على كل طرف. وكانت أول حركة وطنية جزائرية برزن سنة 1924 قد أخذت تسمية "نجم شمال إفرقيا"، مما يؤكد النظرة الشاملة التي كانت سائدة في تلك المرحلة. ويرى أحد قادة حرب التحرير في الجزائر أن "الحدود صنعها الاستعمار وكرسها الاستقلال بدل أن يزيلها". ويقول الأخضر بورقعة، ضابط سابق في جيش التحرير الجزائري، أنه كان يوجد مناضلون من المغرب في الكتيبة التي يقودها، قبل أن يكتشف "بعد الاستقلال أنه لا بد له أن يحاربهم" خلال "حرب الرمال" التي اندلعت بين الجزائر والمغرب سنة 1963. ويضيف أن الفاجعة كانت بالنسبة له تماثل تلك التي أصابته لما وجد نفسه مضطرا إلى محاربة جزء آخر من الجيش الجزائري أثناء النزاعات التي وقعت مباشرة بعد استقلال الجزائر أثناء ما يعرف بحرب الولايات.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الفشل في تحقيق أحلام الماضي أصبح يشكل خطرا على البلدان المغاربية في الوقت الحاضر، خاصة أمام الكوارث التي تهدد المنطقة والتي لا يمكن التصدي إليها دون تعاون شامل. ويصنف أحد الباحثين الجزائريين هذه المخاطر على ثلاثة أنواع، منها الاستراتيجية، مثل استحالة بناء اقتصاد حقيقي في كل بلد على حدة بسبب ضعف السوق والمؤسسات الصناعية، ومنها الطارئة مثل أنفولزا الطيور، ومنها التي تتطلب تنسيق جهوي مثل التعامل مع الهجرة الإفريقية.

فالسوق المغاربية تشكل ما يساوي السوق الألمانية، وسيبلغ عدد سكان المنطقة مائة مليون نسمة بعد 15 سنة، لكن من المحتمل أن يبقى هذا الفضاء سوقا للمنتوجات الأوربية والآسيوية، بسبب انعدام حد أدنى من التنسيق في السياسات الاقتصادية. ولا يمكن لأي بلد أن يدخل عددا من النشاطات مثل صناعة السيارات لأنها تتطلب سوقا ورؤوس أموال لا يمكن التوصل إليها بصفة انفرادية.

وقال أحد الاقتصاديين بسخرية أنه حدث للمغرب أن اشترى بترولا جزائريا أو ليبيا من سوق لندن بعد مروره من عدة وسطاء، رغم أن القادة المغاربة يتكلمون منذ عقود عن التكاملي الاقتصادي بين مختلف بلدان المنطقة. ولم تتجاوز التبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي 2 بالمائة من مجموع تجارتها الخارجية، حسب تصريحات أدلى بها الثلاثاء الماضي الوزير الأول الجزائري الأسبق إسماعيل حمداني. وأضاف حمداني أنه لا يمكن بناء المغرب العربي إذا كان كل يطرف يسبح لوحده، لكنه مثل أغلبية المسئولين الجزائريين لم يقم بمبادرة تذكر لما كان في السلطة.

وتكلمت جرائد كثيرة عن احتمال تجاوز هذا الوضع على إثر تعيين الجنرال السابق العربي بلخير كسفير للجزائر في المغرب، بعد أن كان في قلب السلطة الجزائرية لمدة عقدين بصفته مدير لديوان رئيس الجمهورية. وقيل أن المهمة الأساسية للجنرال بلخير ستتعلق بحل أزمة الصحراء الغربية التي يدعي القادة المغاربة أنها العائق الأساسي لتطوير العلاقات بينها. لكنه اتضح بسرعة أن الجمود ناتج عن أسباب أخرى، خاصة في استعمال الوطنية للحفاظ على النظام القائم في كب بلد.

ولما ظهرت المخاطر التي من الممكن أن تنتج عن انتشار محتمل لمرض أنفولزا الطيور، صرح عدد من المسئولين أن التشاور سيتسع بين بلدان المنطقة لمواجهة أي خطر. لكن هذه المشاورات بقيت حبرا على ورق، حيث لا حظ أحد الأطباء أن "الطبيعة، وخاصة الصحراء بفراغها، ستحمي المغاربة أكثر من الوزارات". واقتصر كل بلد على تدابير لا تتجاوز حدوده. ويتخوف هذا الطبيب من انتشار أنفلوزا الطيور في إفريقيا بالحجم الذي عرفه مرض الإيدز الذي خلف أكثر من ثلاثين مليون قتيلا في إفريقيا لحد الآن، مع العلم أن انتشار فيروس أنفولزا الطيور سيكون أكثر تدميرا من فيروس الإيدز إذا تحول الإنسان.

أما المشكلة الثالثة التي عجز المغاربة عن التنسيق لمواجهتها، فإنها تتمثل في الهجرة الإفريقية نحو الشمال، مرورا ببلدان الغرب العربي. ويقول علي بن سعد، باحث جزائري في الهجرات الإنسانية، أن خمسة إلى عشرة مليون إفريقي سيجتاحون بلدان المغرب العربي خلال الخمسة عشر سنة القادمة، سواء ليستوطنوا فيها أو ليستعملوها كمعبر نحو أوربا. ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بصفة انفرادية كما أثبتت التجربة. فكلما يتم غلق طريق للهجرة، يبرز طريق آخر، وآخرها الطريق الذي يمر عن شمال موريتانيا ثم الصحراء الغربية وجزر الكناري وأخيرا إسبانيا. وتقول آخر الإحصائيات أن أكثر من ألف إفريقي لقوا حتفهم في محاولة للوصول إلى جزر الكناري انطلاقا من موريتانبا منذ بداية السنة، مما يؤكد حجم الهجرة من خلال هذا المعبر الذي يعتبر جديدا نسبيا، كما يؤكد حجم المشكل الذي سيجتاح كل المنطقة.

وحتى الصحراء الغربية التي ماتزال محل نزاع بين المغرب وجبهة البوليزاريو، فإنها تعرف تدفقا للمهاجرين. وبينما اجتاحت المنطقة فيضانات دمرت الهياكل الهشة في مخيمات اللاجئين الصحراويين، وجد مسئولو البوليزاريو أنفسهم مضطرين على التكفل بلاجئين أفارقة وصولوا إلى الصحراء الغربية مرورا بموريتانيا وغيرها. وبينما كان الصحراويون يقتسمون جوعهم مع الأفارقة، نشب جدال بين الجزائر والمغرب حول أحسن الطرق لمساعدة المنكوبين الصحراويين…

ويقول محلل سياسي في الجزائر أن "البلدان المغاربة ستذهب حتما إلى الوحدة، وإذا لم تختر هذا الطريق بإرادتها، فإنها ستدفع إليه من طرف القوى الكبرى، ومن المحتمل أن تتم الوحدة تحت اللواء الأمريكي". ويضيف أن أمريكا بدأت العمل في هذا الاتجاه بفرض تعاون في ميدان محاربة الإرهاب، وتوسع هذا التعاون إلى ميادين أخرى مثل حماية حقول المحروقات ومعابر النفط وغيرها".

أما أوربا، فإنها تريد للمغرب العربي أن يتوجه نحو حد أدنى من الوحدة ليضمن نوعا من الازدهار، وهو الطريق الوحيد الذي سيدفع المهاجرين الأفارقة إلى البقاء في شمال إفريقيا بدل العبور إلى أوربا. وإذا تحقق ذلك فإن البلدان المغاربية تكون قد اضطرت إلى طريق الوحدة لا خدمة لشعوبها أو لتحقيق أحلام المغرب العربي الموحد، بل ستفعل ذلك لحماية مصالح أمريكا وأوربا. ويلخص ذلك المؤرخ الجزائري محمد حربي بقوله : "إذا عجزت القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية أن تقوم بالمبادرات الضرورية لتحريك الوضع، فإن قوى خارجية ستتكفل بالمبادرة لتحولها اصالحها".

ع.ش

 

Publicités
Poster un commentaire

2 Commentaires

  1. Unknown

     /  22 mars 2006

    Il faut croire qu\’en terre marocaine, le titre de "Sa majesté" et qu\’en terre algérienne le titre de "Son excélence", ne suffisent pas en terme de sagesse, de crédibilité et de réalisme, loin s\’en faut, pour dire qu\’on est en présence de 2 responsables politiques dignes de représenter leur peuples. Ces deux régimes autoritaires font véritablement écran à la volonté profonde et aux aspirations légitimes des des peuples frères dont les liens très forts sont enracinés à jamais dans la mémoire collective. Le souci discrèt mais bien réel, dans les deux camps, de vouloir s\’assurer un avantage politique régional et international ainsi que de vouloir afficher habilité politique supérieure à celle de l\’autre, sapent toutes les vonlontés de raprochement naturel entre les deux régimes. Cette question tragi-comique dont sont responsables les deux pouvoirs, dénote et montre d\’une manière indiscutable qu\’ils ne représentent pas leur peuples. Marocains et algériens sont unis par les liens du sang si biens qu\’il resisteront à toute cette guéguère à laquelle les deux tyranies se livrent.

    Réponse
  2. Unknown

     /  22 octobre 2007

    slt

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s