عتاب من لا يعرف معنى العتاب

 

عابد شارف

لما يجد رئيس الجمهورية نفسه في وضعية يضطرمن خلالها إلى إهانة وزير أمام الملايين من المواطنين، فإن تصرفه يشير بصفة واضحة إلى فشل مشترك للمؤسسات وللمسئولين. ويتضح هذا الفشل من خلال الخطاب السياسي ومن خلال الممارسة. فكلام رئيس الجمهورية من المفروض أن يكون موزونا، وأن يكون لكل كلمة يقولها معنى سياسي، كما أنه من المفروض أن الكلام يكون متبوعا بالقرارات التي تجسد الخطاب السياسي، حتى لا يبقى الخطاب مجرد ثرثرة.

ولما تكلم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هذا الأسبوع خلال الزيارة المطولة التي قام بها في العاصمة، بمناسبة الذكرى الثانية لإعادة تعيينه على رأس الدولة، فإنه أبدى تناقضا واضحا بين كلام يصب في اتجاه، وممارسة تصب في اتجاه معاكس. فقد صدر من عبد العزيز بوتفليقة كلام يشير إلى أنه أدرك الفشل الصريح الذي سجله عمل الحكومة في العديد من القطاعات، لكنه في نفس الوقت لم يتخذ المبادرات التي كانت منتظرة بعد أن عاين فشل وزرائه ميدانيا.

فقد قال رئيس الجمهورية صراحة أن تسيير شؤون البلاد فاشل. وأمام الملايين من الجزائريين، اتهم أحد وزرائه، وهو محمد مغلاوي، وزير النقل، بالكذب، حيث قال له أمام الكاميرا: "ليس هذا ما قلت لنا في مجلس الوزراء". ولا نعرف هل أن عبد العزيز بوتفليقة توجه بنفس العبارات لوزراء آخرين، لكن من الممكن أن نقدم له قائمة طويلة من الوزراء الذين يقدمون وعودا كاذبة، ويتغنون بمشاريع لا يمكن لهم أبدا أن يحققوها، وأدلوا بتصريحات فارغة. ويمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول أن رئيس الجمهورية نفسه على علم بالكثير من هذه الأكاذيب التي تصدر من أكبر المسئولين.

لكن من المسئول الحقيقي عن هذا الوضع؟ ما الذي يدفع وزيرا أو مسئولا كبيرا في الدولة إلى أن يكذب على نفسه وعلى رئيسه وعلى الشعب؟ ولماذا لا يعاقب المسئول أو الوزير لما يكذب على الشعب، ويعاقب لما يكذب على رئيس الجمهورية في حالة واحدة فقط وهي أن كذبه لا يخدم الرئيس؟

والحقيقة أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يضع نفسه في أحسن المواقع. فهو اليوم في وضعية الخليفة أو الملك الذي يجد نفسه مضطرا للاعتراف بالفشل، لكنه يقول أنه ليس مسئولا عن الفشل، ويرمي الكرة في ملعب الآخرين من وزراء وولاة، ويدعونا إلى اتهامهم لأنهم كذبوا على الرئيس أو لأنهم لا يتمتعون بالكفاءة الضرورية لاحتلال المناصب التي يشغلونها. وبهذه الطريقة، يكفيه أن يقول "خدعوني"، ويعزل وزيرين أو ثلاثة ولاة، و"يبهدل" وزيرا أمام الشعب، لننسى أن رئيس الجمهورية هو المسئول على هذه التعيينات، وننسى كذلك أن الخلل الحقيقي ليس في العباد، أو لا يقتصر على العباد، إنما الخلل الحقيقي مربوط بالمؤسسات وطرق تسييرها. فالمؤسسات الجزائرية أصبحت فارغة، بل تحولت إلى آلة تدمير، لأنها لا تعمل طبقا لأي مقياس عقلاني، فهي تحكم الكفاءات والطاقات، وتشجع الفساد والرشوة وانعدام الكفاءة.

ونبقى دائما في جولة رئيس الجمهورية هذا الأسبوع. وقد تكلم مع أحد المسئولين، وتطرق إلى نقطة أساسية تتمثل في التكوين. وأعطى عبد العزيز بوتفليقة توجيهات في الموضوع، حيث قال للمسئول المذكور: عليكم بتكوين إطارين اثنين لكل منصب، لأن البلاد تعرف نزيفا حادا مع ضياع وهجرة الإطارات، ولذلك يجب أن نأخذ احتياطاتنا…

لكن هل من المعقول أن تقوم البلاد بتكوين مائة مهندس وهي تعرف مسبقا أن نصفهم سيهاجرون، أو يتحولون إلى نشاط آخر يضمن لهم قوتهم بصفة أحسن من عملهم كمهندسين؟ أليس من الأفضل لرئيس الجمهورية أن يتساءل أولا أين هي المؤسسات التي من المفروض أن تشرح له سبب هذا النزيف، وتقترح عليه حلولا تسمح للجزائر أن تستغل بطريقة ناجحة كل متخرج من الجامعة وكل متخرج من أي مركز تكوين؟ ما هذا النظام الذي يعرف أنه عاجز على المحافظة على إطاراته ويقبل ذلك علنا؟

وهنا تتضح مسئولية رئيس الجمهورية نفسه، لأنه موجود في السلطة منذ ست سنوات، وأصبح شريكا في عملية تدمير المؤسسات التي من المفروض أن تدرس القضايا الكبرى وتفكر في الحلول، حتى وإن كانت هذه الحلول لا ترضي السلطة. وفي تصرفه منذ أن اعتلى السلطة، كان الرئيس بوتفليقة يساهم في تحطيم تلك المؤسسات لأنه يعتبر أن السلطة القوية هي تلك التي لا تجد معارضا، ولا منافسا، وتقضي على كل من يرفض سياسيتها ومشاريعها. ونسي بوتفليقة أن السلطة تميل دائما إلى نزعة شمولية وتسلطية إذا غابت سلطات أخرى معاكسة contre-pouvoirs. وفي غياب الأحزاب التي تتميز بمصداقية حقيقية، وفي غياب نقابات حرة، وفي غياب جامعة تدفع أهلها إلى النقاش الحر، فإن القحط والعقم يصيبان البلاد، التي تصبح عاقرا، لا تلد إلا المسئولين من ذلك النوع الذي يحيط بالرئيس بوتفليقة، والذي يحسن الرد بعبارة "نعم سيدي الرئيس"، و"شكرا سيدي الرئيس". وهؤلاء بدورهم يتصرفون مع "خدامهم" بنفس الطريقة ويجدون من يقول لهم "نعم سيدي الوزير" و"شكرا سيدي الوالي على التوجيهات القيمة"، حتى وإن كانت هذه التوجيهات لغوا أو كفرا…

ومن هذه الزاوية، فإن صورة الرئيس بوتفليقة تتغير جذريا. إنه أراد أن يظهر بصورة الأب الذي يتأسف لسلوك أبناء أساؤوا التصرف، وقرر أن يعاتبهم. لكن العتاب في غير محله، لأن الأبناء "سوكارجية"، لا يعرفون معنى العتاب، بل أنهم ترعرعوا وكبروا في حانة، فكيف يمكن أن نلومهم على شرب الخمر؟

ع.ش

abc@wissal.dz

 

Publicités

الموت في الدفء

 

عابد شارف

 

قال وزير الصحة السيد عمار تو أنه سيمنع ابتداء من نهاية شهر جوان المقبل على المرضى أن يدخلوا الأغطية في المستشفيات الجزائرية. ومباشرة بعد صدور هذا التصريح، قال أحد المتتبعين للساحة السياسية الجزائرية أن عمار تو سينجح هذه المرة في تطبيق قراره بسهولة كبرى، لا لأن الوزارة شرعت في تطبيق سياسية جديدة، ولا لأن السيد عمار تو تحول إلى وزير ناجح، بل لأن الجزائريين لا يستعملون الأغطية ابتداء من شهر ماي بسبب الحرارة، ولن يكونوا بحاجة إلى نقل الأغطية إذا قدر الله لهم أن يدخلوا المستشفى في الصيف…

واختار هذا المعلق أن يتكلم عن الجانب الهزلي لقرار وزير الصحة. أما إذا أردنا أن نتكلم بجد، فالواقع يختلف تماما… فالمريض في الجزائر تحول منذ مدة طويلة إلى جهاز نقل، حيث عليه أن ينقل نفسه أولا لأن سيارات الإسعاف اختفت من الساحة، أو يقتصر استعمالها في حالات خاصة لا قواعد لها.

ولما يصل المريض إلى المستشفى، عليه بتحمل كل بيروقراطية القطاع. فهو يتكفل بالتنقل من جناح إلى جناح ومن مكتب إلى مكتب للقيام بالتحاليل، مع العلم أن معظم التحاليل غير متوفرة في المستشفى، وعليه أن يتنقل إلى خارج المستشفى ليقوم ببعض العمليات عند الخواص. ونذكر منهم شابا طعنه شخص بخنجر، لكن الجراح قال له أم المستشفى لا يتوفر على جهاز راديو، فاضطر إلى الخروج من المستشفى ليجري راديو، وتوفي بعد عودته بدقائق قليلة…

ومعروف عن المستشفيات كذلك أنها لا توفر أدوية في الكثير من الأحوال، وعلى المريض شراؤها بنفسه. فالمريض "يدبر راسو" في هذا الميدان، كما أن عليه أن يجد حلا للأكل. فالوجبة التي يتم تقديمها للمرضى ليست إلا تبذيرا وعملية شكلية، لأن أهل المريض اعتادوا أن يزوروا المستشفى كل صباح ومساء ليقدموا الأكل لمريضهم. وأصبحت المستشفيات تشبه ديار الرحمة مع قدوم كل الأهالي محملين بالأكل…

هذا عن وضع المستشفى. أما عن وضع الوزير، فإنه أخطر بكثير. ولا نعرف بالضبط محتوى السياسية التي يتبناها السيد عمار تو، لكن يمكن أن نشير إلى عدد من الوقائع التي تعطينا فكرة عن الفكر العام السائد في الميدان. ونشير بالدرجة الأولى إلى أن أهم تصريح لوزير الصحة منذ أن تولى منصبه هو ذلك المتعلق بالأغطية. ولا نذكر له تصريحا مهما حول سياسته أو مخططه أو برامجه في الميدان.

ولعل الوزير يكون قد زار مستشفى وتأسف على البرد الذي يتألم منه المرضى بسبب غياب الأغطية وانعدام النظافة. وتأثر الوزير بهذه الظواهر، وقرر أن يقوم بمبادرات جديدة ليصحح الوضع، وقد اجتهد، فإن أصاب فله أجران…

لكن الوزير لم يتكلم عن العلاج، وكأن الأمر محسوم فيه. فالمستشفيات الجزائرية تبدو وأنها تخلت نهائيا عن القيام بدورها المتمثل في التكفل بالمريض في كل الميادين، لمعالجته بطبيعة الحال، والتكفل به في الميدان البسيكولوجي والإنساني والاجتماعي. ولكل جزائري قصص يرويها في هذا الميدان. وقال لنا طبيب مختص أن المستشفيات تحولت إلى مكان للموت في الكثير من الحالات، بينما قال مواطن أن المستشفى "إذا عالجك من مرض فسيلصق لك مرضا، سواء بسبب انعدام النظافة أو بالقلق".

وصدق الوزير لما امتنع عن الكلام عن الجانب الطبي للمستشفيات، وهذا اعتراف منه أنه عاجز عن تغيير الأمور في هذا الميدان، كما أنه اعتراف أن مهمة المستشفيات تغيرت في الجزائر لأن دورها اليوم لا يتمثل في علاج المرضى بل يقتصر على إيوائهم في ظروف يريدها الوزير أن تكون مقبولة.

والمسئولون في البلاد يعرفون هذه الظاهرة منذ طويلة، فهم لا يدخلون المستشفيات الجزائرية للتداوي. وفي نهاية 2005 فقط، سافرت ثلاث شخصيات جزائرية تشغل أعلى مناصب في الدولة إلى الخارج للعلاج، منهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ووزير الداخلية يزيد زرهوني ورئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق الجنرال العربي بلخير الذي قال أنه كان يجري تحاليل طبية. ويعرف الجميع أنه ابتداء من الوالي والعقيد والمدير العام، فإن المسئولين الجزائريين يزورون المستشفيات الفرنسية والسويسرية ويرفضون إطلاقا زيارة المستشفيات الجزائرية.

ولم يبق إلا أن نعترف للسيد الوزير بالجميل. فهو لا يضمن علاج المرضى في مستشفياته، لكنه يعطف عليهم، وهو يعمل جادا ليضمن لهم الموت في الدفء…

ع.ش

abc@wissal.dz

 

نظرية « دار سي موح » الاقتصادية

 

عابد شارف

 

تحولت الجزائر إلى "دار سي موح"، يدخلها كل طرف ليأخذ ما يشاء، مثلما يشاء، وذلك بمباركة السلطات الجزائرية. وقد اجتهدت هذه الأخيرة، وقامت بأبحاث عظمى، وفكرت بعمق في الموضوع، ونظمت الندوات والملتقيات، وتمكنت في آخر المطاف أن تصل إلى الهدف الذي كانت تريده، حيث استطاعت أن تجد أحسن الطرق لتحويل الأموال الجزائرية إلى الخارج لصالح أطراف أجنبية تترك بعض الفتات للجزائريين.

ويكفي أن نتطرق لعدد من القرارات الاقتصادية خلال يومين ليتضح لنا كيف أن الجزائر تحولت إلى سوق ينادى فيها بصفة علانية إلى الاستيلاء على ثروة البلاد. هذه الأحداث تتعلق كلها بأخبار صدرت في الجرائد أو تكلم عنها التلفزيون والإذاعة في ظرف قصير جدا، لكنها تكفينا للوصول إلى خلاصة واضحة، وهي أن كل الهيئات والمؤسسات الجزائرية أصبحت تعمل بمنطق واحد، وهو استعمال أموال البلاد بطريقة عشوائية تضمن الربح للآخرين وتضمن لنا استمرار الحرمان و"القنطة".

وتجري هذه الأحداث كلها في ديكور معروف: بلد يكسب مخزون يقدر بـ 60 مليار دولار، لا يعرف كيف يحوله إلى ثروة ولا كيف يصنع به سعادة المواطنين، فينادي الآخرين للاستيلاء على هذا الكنز مقابل الاعتراف بعبقريتنا وترك نسبة ضئيلة لبعض البارونات من قادتينا.

ففي ميدان الأشغال العمومية، تمنح البلاد مشاريع تبلغ قمتها خمسة ملايير من الأورو (ما يقارب ستة مليار دولار) لإنجاز الطريق السريع الذي لا بد من تحقيقه، ومهما كان الثمن، قبل انتهاء العهدة الثانية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وسيكلف هذا المشروع عشرة بالمائة من مخزون الجزائر من العملة الصعبة… وبعد الانتهاء من إنجازه، لا بد من اللجوء إلى شركات أجنبية لصيانته وتسييره، لأن الطريقة التي تم استعمالها في التخطيط والإنجاز لن تفتح الباب لأية مؤسسة جزائرية، خاصة أو عمومية، أن تدخل الميدان وتتعلم المهنة وتستطيع غدا أن تتكفل بها، مما يضمن خروج أموال أخرى بعد إنجاز المشروع.

وفي ميدان الصناعة الميكانيكية، قال المستوردون أن 150 ألف سيارة دخلت السوق الجزائرية خلال سنة 2005، وأن هذا السوق يبلغ مليارين من الدولارات سنويا. وقال مسئول كبير في الدولة في تصريح للتلفزيون أن الجزائر تكسب ثلاث ملايين سيارة، وأنه لا بد من تغريها بصفة شاملة خلال العشر سنوات القادمة. ويعني ذلك أن سوق السيارات لوحدها ستكلف الجزائر 30 مليار دولار خلال العشرية القادمة…

هذه سوق عظمى، منحتها السلطات الجزائرية لشركات كبرى دون مقابل… وأكثر من هذا، فإنها ضمنت لتلك الشركات الكبرى أنها ستبيع سياراتها دون أي منازع، ودون أي شرط، حيث منعت للجزائر أن تدخل ميدان الصناعة الميكانيكية. وقد أمضت الجزائر اتفاق شراكة مع المجموعة الأوربية يفرض شروطا لن تسمح للجزائر أبدا أن تدخل هذا العالم الصناعي، كما أن الجزائر تريد أن تندمج إلى المنظمة العالمية للتجارة، مما سيقضي نهائيا على كل الطموحات في هذا الميدان.

وقال ممثل شركة "بيجو" بالجزائر صراحة أثناء حصة تلفزيونية أن السوق الجزائرية واعدة، لكنه أكد أن صناعة السيارات بالجزائر عملية غير معقولة، لأن النسيج الصناعي ضعيف، ولأن المحيط الإداري غير لائق. وقال خبير آخر أن القوانين الجزائرية تشجع الاستيراد والتجارة لكنها لا تشجع الإنتاج والاستثمار. والقانون من صنع جزائريين، حكومة ورئاسة وبرلمانا. واشترك هؤلاء في وضع إطار قانوني يكتف البلاد ليجعل منها سوقا إلى الأبد. وقد قال لنا صاحب مصنع صغير أن الذي يريد أن يستثمر في ميدان الإنتاج "مهبول"، لأنه يستطيع أن يربح عشر مرات أكثر في ميدان التجارة بنفس رأس المال. وقرر فعلا هذا الشخص أن يغلق مصنعه، ويحوله إلى مركز تجاري يبيع فيه منتوجات مستوردة…

وقال خبير اقتصادي أن الدول الكبرى فكرت منذ مدة طويلة في استرجاع الدولارات التي تحصل عليها الدول المصدرة للنفط، وتحويل هذه الدولارات إلى عامل جديد يضمن انتعاش اقتصاد الدول الغربية. وفعلا، كلما ارتفع مدخول الدول المصدرة للنفط، كلما تضاعفت نزعتها للاستيراد، مما يضمن نشاطا جديدا للشركات الغربية. والكثير من الاقتصاديين الجزائريين يعرفون هذه العملية، وسبق لهم وأن درسوها، لكنهم مازالوا يتعاملون مع الاقتصاد وكأنهم في سوق الحراش، حيث كل شيء يباع ويشترى، لكن لا شيء ينتج…

وتكون الجزائر بذلك قد اكتشفت نظرية اقتصادية جديدة. فبعد أن اكتشف الآخرون الرأسمالية والاشتراكية والبيروقراطية، وبعد أن اكتشف معمر القذافي النظرية الخضراء، اكتف الجزائر بعبقريتها نظرية "دار سي موح"…

ع.ش

abc@wissal.dz

الشادلي بن جديد في الجيش الفرنسي

الأسطورة والخرافة

 

عابد شارف

 

جملة واحدة قالها الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد في حديث لإحدى الصحف الجزائرية تفرض إعادة نظر في العديد من "الحقائق" التاريخية للبلاد… حقائق بدأت تظهر أنها إشاعات أو خرافات أو أكاذيب، إن لم تكن عمليات سياسية بسيطة لتحطيم الشادلي بن جديد… ومن هذه الحقائق ما يتعلق بالسلطة ومكوناتها في الثمانينات، خاصة علاقة الشادلي بن جديد بالضباط الذين تكونوا في الجيش الفرنسي، ومنها ما يرتبط بالماضي النضالي لهذه الشخصية أو تلك، إلى جانب قضية تبقى تتميز بحساسية خاصة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا: من يكتب تاريخ الجزائر، خاصة وأن التاريخ يبقى سلاحا أساسيا في السباق إلى السلطة.

ففي مقال نشرته أسبوعية "المحقق" التي صدرت هذا الأسبوع، قال الرئيس الشادلي بن جديد أنه لم ينتم أبدا إلى الجيش الفرنسي. ونفهم من كلامه أنه لم ينخرط (يقاجي) ولم يؤد حتى الخدمة العسكرية في صفوف الجيش الاستعماري. وتطرح هذه التصريحات جملة من التساؤلات التي ستؤدي حتما إلى تغيير كبير في قراءتنا للماضي القريب وفي عدد من التحاليل السياسية.

ونشير في بداية الأمر إلى أن المرور بالجيش الفرنسي لأبناء هذا الجيل لا يشكل عيبا بحد ذاته، حيث كان مسلكا للعديد من الجزائريين للخروج من الهامش. إلى جانب ذلك، فإن الكثير من قادة ثورة التحرير أدوا الخدمة العسكرية أو انضموا إلى الجيش الفرنسي في ظروف تاريخية خاصة. والأهم بالنسبة إلى هذا الجيل يتعلق بكيفية استغلالهم للخبرة العسكرية التي اكتسبوها أثناء انضمامهم إلى الجيش الفرنسي: هل استعملوها كغنيمة للمساهمة في تحرير البلاد، أم استعملوها لقهر الشعب الجزائري أثناء الثورة و بعدها؟

ومن جهة أخرى، فإن تصنيف الشادلي بن جديد ضمن "العسكر" الذين انضموا إلى جيش التحرير الوطني بعد المرور في صفوف الجيش الفرنسي وضع الرئيس السابق في مركز حرج لمدة طويلة. وقيل الكثير عن الشادلي وصداقته المزعومة مع فرنسا ورئيسها الأسبق فرانسوا ميتران. وظهر الشادلي كرئيس مجموعة الضباط السابقين في الجيش الفرنسي، وهي المجموعة التي قيل أنها استولت على قيادة الجيش الوطني الشعبي، بما يحمل ذلك من معاني سياسية.

والغريب في الأمر أن الشادلي بن جديد نفسه عاش لمدة طويلة بصورة العسكري السابق في الجيش الفرنسي. وقال أنه اتصل بالمؤرخ الفرنسي بن يامين سطورا ليشير له أن هذه النقطة خاطئة، لكن سطورا لم يصحح خطأه. وسألنا عددا من الشخصيات التي عايشت الشادلي بن جديد، وقال لنا واحد منهم فقط أن الشادلي قد تكلم له فعلا عن هذه القضية. أما الباقون، ومنهم مسئولون كبار سابقون، فإنهم عاشوا كذلك بهذه الفكرة الخاطئة إلى اليوم…

ويمكن أن يتساءل الكثير: لماذا سكت الشادلي عن هذا الخطأ لكل هذه الفترة، ولماذا قرر اليوم أن يصحح الخطأ. وهي نقاط تثير الاستغراب فعلا. ومازال البعض الآخر ممن سألناهم يشكك في تصريحات الشادلي، مع أن معظم المحللين يعتبرونه صادقا لأنهم لا يرون دافعا يؤدي بالشادلي بن جديد اليوم إلى المغامرة بمصداقيته.

وتبقى نقطة أساسية مطروحة بعد تصريحات الشادلي: من صنع أسطورة الشادلي في الجيش الفرنسي؟ من أين تسربت هذه الأخبار الكاذبة لأول مرة، ومن روج لها، ومن فرضها على الرأي العام الجزائري؟

حسب المقربين من الشادلي بن جديد، يكون المؤرخ الفرنسي بن يامين سطورا أول من تطرق إلى الموضوع. وتبدو مسئوليته واضحة، خاصة أنه يكون قد رفض أن يصحح خطأه. ومن جهته، نشر الصحافي والكاتب عشور شرفي في كتاب حول الشخصيات الجزائرية نفس المعلومات. ولما سألناه في الموضوع، قال عشور شرفي أن هذه المعلومات واردة في العديد من الكتب لمؤرخين ذوي مصداقية، وقد أصبحت حقيقة مادام المعنيون لم يقوموا بتكذيبها.

وسألنا كذلك محمد حربي، الذي يعتبر كأكبر مؤرخ جزائري، رغم أنه نشر نفس المعلومات التي تبدو خاطئة حول ماضي الشادلي بن جديد. وأشار حربي إلى نفس الكتب، وأضاف حقيقة مرة أخرى، حيث قال أن الرئيس الأسبق أحمد بن بلة نفسه قد قال له أن الشادلي بن جديد كان في صفوف الجيش الفرنسي، وأنه شارك في حرب فيتنام… وكان الشادلي بن جديد ضابطا ساميا في الجيش أثناء رئاسة بن بلة، حيث شغل منصب قائد ناحية عسكرية. ومن المفروض أن رئيس الجمهورية يعرف على الأقل من هم الضباط الذين يقودون الجيش… لكن ما يقوله ابن بلة عن الشادلي بن جديد يؤكد عدم معرفة أول رئيس للجزائر المستقلة بالجيش، ولعله يشرح السهولة التي تمت بها الإطاحة بحكم أحمد بن بلة.

وفي كل الأحوال، فإن الدوائر التي تصنع صورة الرئيس الجزائري معروفة منذ الاستقلال، ولم تتغير لحد الآن. ويبقى للرئيس الشادلي بن جديد أن يعطي رأيه في الموضوع: من هو صاحب السيناريو الذي جعل منه ضابطا في الجيش الفرنسي، وما هي الأهداف السياسية التي كانت مسطرة من العملية؟

ع.ش

abc@wissal.dz