الموت في الدفء

 

عابد شارف

 

قال وزير الصحة السيد عمار تو أنه سيمنع ابتداء من نهاية شهر جوان المقبل على المرضى أن يدخلوا الأغطية في المستشفيات الجزائرية. ومباشرة بعد صدور هذا التصريح، قال أحد المتتبعين للساحة السياسية الجزائرية أن عمار تو سينجح هذه المرة في تطبيق قراره بسهولة كبرى، لا لأن الوزارة شرعت في تطبيق سياسية جديدة، ولا لأن السيد عمار تو تحول إلى وزير ناجح، بل لأن الجزائريين لا يستعملون الأغطية ابتداء من شهر ماي بسبب الحرارة، ولن يكونوا بحاجة إلى نقل الأغطية إذا قدر الله لهم أن يدخلوا المستشفى في الصيف…

واختار هذا المعلق أن يتكلم عن الجانب الهزلي لقرار وزير الصحة. أما إذا أردنا أن نتكلم بجد، فالواقع يختلف تماما… فالمريض في الجزائر تحول منذ مدة طويلة إلى جهاز نقل، حيث عليه أن ينقل نفسه أولا لأن سيارات الإسعاف اختفت من الساحة، أو يقتصر استعمالها في حالات خاصة لا قواعد لها.

ولما يصل المريض إلى المستشفى، عليه بتحمل كل بيروقراطية القطاع. فهو يتكفل بالتنقل من جناح إلى جناح ومن مكتب إلى مكتب للقيام بالتحاليل، مع العلم أن معظم التحاليل غير متوفرة في المستشفى، وعليه أن يتنقل إلى خارج المستشفى ليقوم ببعض العمليات عند الخواص. ونذكر منهم شابا طعنه شخص بخنجر، لكن الجراح قال له أم المستشفى لا يتوفر على جهاز راديو، فاضطر إلى الخروج من المستشفى ليجري راديو، وتوفي بعد عودته بدقائق قليلة…

ومعروف عن المستشفيات كذلك أنها لا توفر أدوية في الكثير من الأحوال، وعلى المريض شراؤها بنفسه. فالمريض "يدبر راسو" في هذا الميدان، كما أن عليه أن يجد حلا للأكل. فالوجبة التي يتم تقديمها للمرضى ليست إلا تبذيرا وعملية شكلية، لأن أهل المريض اعتادوا أن يزوروا المستشفى كل صباح ومساء ليقدموا الأكل لمريضهم. وأصبحت المستشفيات تشبه ديار الرحمة مع قدوم كل الأهالي محملين بالأكل…

هذا عن وضع المستشفى. أما عن وضع الوزير، فإنه أخطر بكثير. ولا نعرف بالضبط محتوى السياسية التي يتبناها السيد عمار تو، لكن يمكن أن نشير إلى عدد من الوقائع التي تعطينا فكرة عن الفكر العام السائد في الميدان. ونشير بالدرجة الأولى إلى أن أهم تصريح لوزير الصحة منذ أن تولى منصبه هو ذلك المتعلق بالأغطية. ولا نذكر له تصريحا مهما حول سياسته أو مخططه أو برامجه في الميدان.

ولعل الوزير يكون قد زار مستشفى وتأسف على البرد الذي يتألم منه المرضى بسبب غياب الأغطية وانعدام النظافة. وتأثر الوزير بهذه الظواهر، وقرر أن يقوم بمبادرات جديدة ليصحح الوضع، وقد اجتهد، فإن أصاب فله أجران…

لكن الوزير لم يتكلم عن العلاج، وكأن الأمر محسوم فيه. فالمستشفيات الجزائرية تبدو وأنها تخلت نهائيا عن القيام بدورها المتمثل في التكفل بالمريض في كل الميادين، لمعالجته بطبيعة الحال، والتكفل به في الميدان البسيكولوجي والإنساني والاجتماعي. ولكل جزائري قصص يرويها في هذا الميدان. وقال لنا طبيب مختص أن المستشفيات تحولت إلى مكان للموت في الكثير من الحالات، بينما قال مواطن أن المستشفى "إذا عالجك من مرض فسيلصق لك مرضا، سواء بسبب انعدام النظافة أو بالقلق".

وصدق الوزير لما امتنع عن الكلام عن الجانب الطبي للمستشفيات، وهذا اعتراف منه أنه عاجز عن تغيير الأمور في هذا الميدان، كما أنه اعتراف أن مهمة المستشفيات تغيرت في الجزائر لأن دورها اليوم لا يتمثل في علاج المرضى بل يقتصر على إيوائهم في ظروف يريدها الوزير أن تكون مقبولة.

والمسئولون في البلاد يعرفون هذه الظاهرة منذ طويلة، فهم لا يدخلون المستشفيات الجزائرية للتداوي. وفي نهاية 2005 فقط، سافرت ثلاث شخصيات جزائرية تشغل أعلى مناصب في الدولة إلى الخارج للعلاج، منهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ووزير الداخلية يزيد زرهوني ورئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق الجنرال العربي بلخير الذي قال أنه كان يجري تحاليل طبية. ويعرف الجميع أنه ابتداء من الوالي والعقيد والمدير العام، فإن المسئولين الجزائريين يزورون المستشفيات الفرنسية والسويسرية ويرفضون إطلاقا زيارة المستشفيات الجزائرية.

ولم يبق إلا أن نعترف للسيد الوزير بالجميل. فهو لا يضمن علاج المرضى في مستشفياته، لكنه يعطف عليهم، وهو يعمل جادا ليضمن لهم الموت في الدفء…

ع.ش

abc@wissal.dz

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s