نظرية « دار سي موح » الاقتصادية

 

عابد شارف

 

تحولت الجزائر إلى "دار سي موح"، يدخلها كل طرف ليأخذ ما يشاء، مثلما يشاء، وذلك بمباركة السلطات الجزائرية. وقد اجتهدت هذه الأخيرة، وقامت بأبحاث عظمى، وفكرت بعمق في الموضوع، ونظمت الندوات والملتقيات، وتمكنت في آخر المطاف أن تصل إلى الهدف الذي كانت تريده، حيث استطاعت أن تجد أحسن الطرق لتحويل الأموال الجزائرية إلى الخارج لصالح أطراف أجنبية تترك بعض الفتات للجزائريين.

ويكفي أن نتطرق لعدد من القرارات الاقتصادية خلال يومين ليتضح لنا كيف أن الجزائر تحولت إلى سوق ينادى فيها بصفة علانية إلى الاستيلاء على ثروة البلاد. هذه الأحداث تتعلق كلها بأخبار صدرت في الجرائد أو تكلم عنها التلفزيون والإذاعة في ظرف قصير جدا، لكنها تكفينا للوصول إلى خلاصة واضحة، وهي أن كل الهيئات والمؤسسات الجزائرية أصبحت تعمل بمنطق واحد، وهو استعمال أموال البلاد بطريقة عشوائية تضمن الربح للآخرين وتضمن لنا استمرار الحرمان و"القنطة".

وتجري هذه الأحداث كلها في ديكور معروف: بلد يكسب مخزون يقدر بـ 60 مليار دولار، لا يعرف كيف يحوله إلى ثروة ولا كيف يصنع به سعادة المواطنين، فينادي الآخرين للاستيلاء على هذا الكنز مقابل الاعتراف بعبقريتنا وترك نسبة ضئيلة لبعض البارونات من قادتينا.

ففي ميدان الأشغال العمومية، تمنح البلاد مشاريع تبلغ قمتها خمسة ملايير من الأورو (ما يقارب ستة مليار دولار) لإنجاز الطريق السريع الذي لا بد من تحقيقه، ومهما كان الثمن، قبل انتهاء العهدة الثانية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وسيكلف هذا المشروع عشرة بالمائة من مخزون الجزائر من العملة الصعبة… وبعد الانتهاء من إنجازه، لا بد من اللجوء إلى شركات أجنبية لصيانته وتسييره، لأن الطريقة التي تم استعمالها في التخطيط والإنجاز لن تفتح الباب لأية مؤسسة جزائرية، خاصة أو عمومية، أن تدخل الميدان وتتعلم المهنة وتستطيع غدا أن تتكفل بها، مما يضمن خروج أموال أخرى بعد إنجاز المشروع.

وفي ميدان الصناعة الميكانيكية، قال المستوردون أن 150 ألف سيارة دخلت السوق الجزائرية خلال سنة 2005، وأن هذا السوق يبلغ مليارين من الدولارات سنويا. وقال مسئول كبير في الدولة في تصريح للتلفزيون أن الجزائر تكسب ثلاث ملايين سيارة، وأنه لا بد من تغريها بصفة شاملة خلال العشر سنوات القادمة. ويعني ذلك أن سوق السيارات لوحدها ستكلف الجزائر 30 مليار دولار خلال العشرية القادمة…

هذه سوق عظمى، منحتها السلطات الجزائرية لشركات كبرى دون مقابل… وأكثر من هذا، فإنها ضمنت لتلك الشركات الكبرى أنها ستبيع سياراتها دون أي منازع، ودون أي شرط، حيث منعت للجزائر أن تدخل ميدان الصناعة الميكانيكية. وقد أمضت الجزائر اتفاق شراكة مع المجموعة الأوربية يفرض شروطا لن تسمح للجزائر أبدا أن تدخل هذا العالم الصناعي، كما أن الجزائر تريد أن تندمج إلى المنظمة العالمية للتجارة، مما سيقضي نهائيا على كل الطموحات في هذا الميدان.

وقال ممثل شركة "بيجو" بالجزائر صراحة أثناء حصة تلفزيونية أن السوق الجزائرية واعدة، لكنه أكد أن صناعة السيارات بالجزائر عملية غير معقولة، لأن النسيج الصناعي ضعيف، ولأن المحيط الإداري غير لائق. وقال خبير آخر أن القوانين الجزائرية تشجع الاستيراد والتجارة لكنها لا تشجع الإنتاج والاستثمار. والقانون من صنع جزائريين، حكومة ورئاسة وبرلمانا. واشترك هؤلاء في وضع إطار قانوني يكتف البلاد ليجعل منها سوقا إلى الأبد. وقد قال لنا صاحب مصنع صغير أن الذي يريد أن يستثمر في ميدان الإنتاج "مهبول"، لأنه يستطيع أن يربح عشر مرات أكثر في ميدان التجارة بنفس رأس المال. وقرر فعلا هذا الشخص أن يغلق مصنعه، ويحوله إلى مركز تجاري يبيع فيه منتوجات مستوردة…

وقال خبير اقتصادي أن الدول الكبرى فكرت منذ مدة طويلة في استرجاع الدولارات التي تحصل عليها الدول المصدرة للنفط، وتحويل هذه الدولارات إلى عامل جديد يضمن انتعاش اقتصاد الدول الغربية. وفعلا، كلما ارتفع مدخول الدول المصدرة للنفط، كلما تضاعفت نزعتها للاستيراد، مما يضمن نشاطا جديدا للشركات الغربية. والكثير من الاقتصاديين الجزائريين يعرفون هذه العملية، وسبق لهم وأن درسوها، لكنهم مازالوا يتعاملون مع الاقتصاد وكأنهم في سوق الحراش، حيث كل شيء يباع ويشترى، لكن لا شيء ينتج…

وتكون الجزائر بذلك قد اكتشفت نظرية اقتصادية جديدة. فبعد أن اكتشف الآخرون الرأسمالية والاشتراكية والبيروقراطية، وبعد أن اكتشف معمر القذافي النظرية الخضراء، اكتف الجزائر بعبقريتها نظرية "دار سي موح"…

ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s