أسئلة حول الدستور

عابد شارف

 

قال صاحب الدستور عبد العزيز بلخادم أن النظام الجزائري ليس برلمانيا ولا رئاسيا، بل أنه يجمع عيوب النظامين دون أن يمنح للبلاد مزايا هذا النظام أو ذاك. وجعل بلخادم من الدستور أحد العوائق الأساسية التي تمنع البلاد من الخروج من الأزمة. وانطلاقا من هذه الفكرة، شن رئيس الحكومة حملة من أجل تغيير النص الأساسي للبلاد، واستطاع أن يجر معه هياكل حزبه، ليتوصل في نهاية المطاف إلى صياغة مشروع دستور جديد.

ويمكن للمواطن أن يقبل حجة عبد العزيز بلخادم، ويقول أن الرجل يعمل بجد من أجل الوصول إلى مشروع سياسي، بل من الممكن أن يصدق المواطن هذا المسعى ويسانده لو أعطى عبد العزيز بلخادم أجوبة على أسئلة يمكن أن نجمعها في أربع نقاط:

       ما رأي رئيس الجمهورية في تغيير الدستور؟ هل هو موافق على الفكرة أم لا؟ ولماذا لم يتكلم رئيس الجمهورية في هذي القضية، والله يعلم أن الرجل يحب الكلام؟ وقد اكتفى عبد العزيز بوتفليقة قبل سبع سنوات، أي قبل أن يصل إلى رئاسة الجمهورية، بالقول أنه لا يحب الدستور الحالي. لكنه منذ ذلك الوقت، لم يقل ولا كلمة واحدة في الموضوع إن لم نكن مخطئين. واكتفى بوتفليقة بالتعامل مع الدستور الحالي لما رأى أن هذا الوضع هو الأفضل له، حيث يستعمل الدستور إذا رأى ذلك في مصلحته، ويستغني عن الدستور إن كان مضرا له.

       إذا كان رئيس الجمهورية قد امتنع عن الكلام في قضية تغيير الدستور، مع العلم أن الدستور يعطيه الصلاحيات اللازمة لتغييره، فمن أين جاءت هذه المبادرة لتغيير النص الأساسي للبلاد؟ وبكلمات أخرى، هل يعبر عبد العزيز بلخادم عن رأي رئيس الجمهورية حقا لما يطالب بتغيير الدستور، أم أنه يعبر عن رأيه الشخصي، أم أن الفكرة جاءت من أوساط أخرى، وتبناها رئيس الحكومة لتظهر وكأنها جاءت من عبد العزيز بوتفليقة؟ فمن المعتاد أن عبد العزيز بوتفليقة لا يترك للآخرين أن يعلنوا عن مبادرات كبرى، ويفضل أن يظهر على أنه صاحب المبادرة مهما كانت، صغيرة أو كبيرة. لكنه هذه المرة ترك بلخادم يقوم بالمعركة، وكأنه ليس معنيا بنتيجتها.

       ما فائدة رئيس الجمهورية من تغيير الدستور اليوم، مع العلم أن حالته الصحية لا تسمح له بالدخول في عهدة ثالثة بعد أن قيل أن الهدف الرئيسي هو السماح لعبد العزيز بوتفليقة من البقاء في السلطة؟ فرئيس الجمهورية سيبلغ سبعين سنة عند انتهاء عهدته الحالية، ويصعب عليه أن يتولى مسئولية بهذا الحجم لعهدة ثالثة مع تطور حالته الصحية. ويظهر اليوم أن الهم الأول اليوم لرئيس الجمهورية هو كيف يخرج بشرف من التجربة المريرة التي دخلها منذ توليه السلطة…

       كيف يمكن لحزب ما أن يفرض دستورا على الشعب، مع العلم أن الدستور يبقى نصا أساسيا يتطلب حدا أدنى من الإجماع الوطني؟ هل يعتبر بلخادم أن الشعب الجزائري سيوافقه حقا إذا تمكن من النقاش بحرية، أم هل أنه ينوي فرض الدستور على الشعب مثلما تم فرض الدستور السابق على الجزائريين؟ وما قيمة نص يأتي من السماء دون أن يكون قرآنا؟ ألم يكن من الأفضل لرئيس الحكومة أن يحترم الدستور الحالي أولا، ويحترم البرلمان، ويحاول من خلال تصرفه الشخصي وتصرف وزرائه أن يقنع الجزائريين أن القانون فوق الجميع، وأن على أهل السلطة أن يحترموا الدستور والقانون قبل أن يطلبوا من المواطن أن يمتثل بنفس السلوك؟

هذه أسئلة في أربع نقاط حول الدستور ومبادرة زعيم جبهة التحرير الوطني الذي يريد تغييره. إنها أسئلة تفترض أن الجزائريين يقبلون النقاش في القضية، وأن بلخادم سيفتح هذا النقاش بحرية، عبر التلفزيون ووسائل الإعلام العمومية والهياكل والمؤسسات الأخرى. والكل يعرف أن هذا مستحيل، مثلما أكده وزير الإعلام الذي قال أن فتح التلفزيون حلم غير وارد…

ولكن قبل الوصول إلى النقاش حول القضية التي يطرحها عبد العزيز بلخادم، فإن سؤالا آخر طرحه أحد السياسيين يفرض نفسه على الجميع: لماذا يا صاحب الدستور، لماذا تتعب، وتتعب معك الجزائر، وتقوم بكل هذا العمل العظيم، وتصرف الأموال الطائلة لتنظيم استفتاء، وتجند الإدارة وخبراء التزوير، لماذا تفعل كل ذلك من أجل تغيير دستور لا تحترمه السلطة بدستور آخر لن تحترمه نفس السلطة؟

ع.ش

 

Publicités
Article précédent
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s