الخروج من التاريخ

عابد شارف

 

اتفق المفكرون على تقسيم العالم حسب جملة من المقاييس، منها الثروة، أو طبيعة النظام السياسي، أو القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. فيمكن أن نقسم العالم بين أقوياء وضعفاء، أو بين فقراء وأغنياء، أو بين دول ديمقراطية وأخرى تعيش تحت نظام مستبد. ويمكن أن تكون هذه التقسيمات متداخلة، فيكون الغني قويا عسكريا وسياسيا، بينما يكون المستبد فقيرا…

وأكدت التجربة كذلك أن هذا التقسيم ليس ثابتا بصفة مطلقة، بل أن جزء كبيرا من العالم استطاع أن يتحول من فئة إلى أخرى في العشرية الأخيرة من القرن الماضي. ونلاحظ مثلا أن دول أوربا الشرقية سابقا تحولت بصفة شبه كاملة من أنظمة مستبدة إلى أنظمة حرة، ومن بلدان جامدة اقتصاديا إلى دول تعرف ازدهارا اقتصاديا واضحا بفضل ركوبها القطار الحضاري الأوربي. كما أن الهند والصين –أي نصف الإنسانية- تمكنا من الخروج من الجمود ليمثلا اليوم أكبر حركة نمو عرفها العالم العصري، بينما انفجرت أمريكا الجنوبية لتقضي على الأنظمة المستبدة وتدخل الحرية، مما فتح الباب أمام بلد كالبرازيل ليصبح إحدى القوى الاقتصادية الواعدة للمستقبل.

كل هذه المقاييس مقبولة، وهي تعطي صورة جزئية عن هذا البلد أو ذاك. فكل مقياس يسمح بتحديد جانب يمكن أن نعرف من خلاله وضعية بلد ما. ويمكن أن نقول مثلا أن السويد بلد ديمقراطي غني ضمن لمجتمعه الرفاهية والحرية، كما يمكن أن نقول أن الجزائر بلد عجز عن تحويل أمواله إلى ثروة ورفاهية بسبب نظام غير ديمقراطي.

ويمكن أن نجمع هذه المقاييس كلها في صيغة أخرى، ونقسم العالم بين الشعوب التي تصنع التاريخ، والشعوب التي تتماشى مع التاريخ، والشعوب التي تخضع للتاريخ، وأخرى خرجت من التاريخ. ولن نخطئ إذا قلنا اليوم أن الشعوب التي تصنع التاريخ هي تلك التي أعطت الحرية لشعوبها، وتوصلت إلى درجة عالية من الديمقراطية في تسيير مجتمعاتها، كما توصلت إلى إقامة نظام سياسي واقتصادي قوي، وتوجت كل ذلك بقوة عسكرية تسمح لها بالدفاع عن مصالحها في كل أنحاء العالم بطرق مشروعة أو غير مشروعة. وبالمقابل، فإن الشعوب التي خرجت من التاريخ هي تلك التي لم تستطع إقامة مؤسسات حقيقية، فهي عاجزة عن الدفاع عن مصالحها، وفاشلة في ضمان الحرية والرفاهية والأمن لمواطنيها، وفي نهاية الأمر، أصبحت الأنظمة القائمة فيها سببا أساسيا لاستمرار الفقر والحرمان وغياب الحرية. فهي شعوب لا تشارك في صنع التاريخ، بل أصبحت موضوعا للتاريخ.

هذه وضعية ومأساة العالم العربي اليوم. إنه عالم خرج من التاريخ. إنه عالم صنع الفشل بسلسلة من الأخطاء قيل عنها أنها سياسة. إنه عالم أقام الموانع اللازمة ليمنع نفسه من دخول التاريخ من جديد. إنه عالم أقام نماذج سياسية وفكرية ومؤسسات تمنعه من الخروج من دائرة الفشل. وبلغ الوضع نقطة لا تطاق، حيث أصبح فيها العربي كاريكاتورا لنفسه، فهو الفقير التمخلف الإرهابي، الجالس على برميل نفط، حاملا خنجرا في يده اليمنى وقنبلة في يده اليسرى، أمام جثة لأحد مواطنيه.

ولا مجال للبكاء على أطلال الماضي وأمجاد التاريخ، ولا مجال للغرور أمام بعض الظواهر القليلة المنعزلة التي توحي أن الخروج من دائرة الفشل ممكن. فالخطاب السائد في العالم العربي خطاب الهزيمة، وخطاب العاطفة. هذا الخطاب لم يتحول إلى خطاب سياسي حقيقي، عقلاني، يصنع مشروعا سياسيا ويفكر في تنظيم الطاقات الموجودة للخروج من دائرة الفشل.

هذا السلوك جعل من أموال البترول غنيمة للآخرين، يتنافسون للاستيلاء عليها بواسطة صفقات نشتري من خلالها ما نأكل ونلبس، ونشتري كذلك من خلالها طائرات حربية لن نستعملها أبدا إلا ضد جيراننا من نفس العالم الذي ننتمي إليه، كما نشتري بها آلات متطورة لقمع الإرادة الوطنية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن أن نكتفي بنظرية المؤامرة، ونقول أن العدو الأمريكي أو الغربي هو سبب المأساة. وإذا كانت أمريكا حقيقة سببا في المأساة، فإننا بالمقابل أصحاب المسئولية الكبرى في هذا الوضع، لأن بلداننا هي التي أقامت الحواجز التي تمنعنا من دخول عالم الحرية. بل أن بلداننا ذهبت إلى أبعد من ذلك، واعتبرت أن الحرية فكرة معادية للوطن أو للدين أو لمصالح البلاد. ونكتفي بالتذكير أن هناك في الجزائر من قال أن الديمقراطية كفر، كما أن هناك من قال أنه بين الجزائر والديمقراطية، يختار الديمقراطية، وكأن الشعب الجزائري يمكن أن يعيش سعيدا دون حرية ودون ديمقراطية.

هذا الوضع لن يتغير في بلدان لا تؤمن بالعلم، بل في بلدان تحارب العلم. وقد فهم أغلبية أهل العلم والفكر أن لا مكان لهم في بلدانهم، فهاجر البعض، واضطر البعض الآخر إلى المنفى الداخلي. وهذه أحسن طريقة للبقاء خارج التاريخ…

ع.ش

 

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s