القانون فوق الضعيف وتحت الأقوى

عابد شارف

 

بعد نقاش عميق، وتفكير أعمق، واجتهاد الخبراء وعلماء القانون، وبعد دراسة دقيقة لوضع الجزائر والمرحلة التاريخية التي تمر بها، وبعد التمعن في التوازنات الداخلية والخارجية، وبعد تحليل دقيق للمعطيات الإستراتيجية العالمية، وبعد دراسة دقيقة لأثر الأنترنات على المجتمع الجزائري، وبعد اجتماعات متكررة لإثراء القضية وتبادل الآراء بين من لا رأي لهم، تمكن حزب جبهة التحرير الوطني أن يتوصل إلى نتيجة تاريخية، وهي أن يبادر باقتراح جديد لا فائدة منه إطلاقا.

فقد أعلنت قيادة حزب جبهة التحرير أنها توصلت إلى صياغة نص جديد لتغيير الدستور، وما أدراك ما الدستور… وتكلم زعماء الحزب عن النظام الرئاسي ومزاياه، وعن النظام البرلماني وعيوبه، وطلبوا من الخبراء أن يشرحوا للعامة ما الفرق بين هذا النظام وذاك. وسمع الجزائريون كلمات جميلة، وعبارات رنانة، وخطبا فارغة لا تنفع. وتكلم القوم عن الفصل بين السلطات، وتحديد الضوابط، وتقسيم المهام، بل وتكلموا "بلا حشمة" عن الدستور الأمريكي والفرنسي، وأقاموا نظاما خياليا يضمن للجزائريين الجنة ويضمن لهم البقاء في السلطة إلى يوم القيامة…

ووسط هذه الثرثرة، تساءل أحدهم بصفة بسيطة: لماذا يريد القوم إلغاء دستور لم يطبقوه، وتبديله بدستور آخر لن يطبقوه؟ ما الفائدة من تضييع الوقت والأموال لإنتاج نصوص لا يعترف بها القوي، ولا يحترمها من في السلطة؟ فالدستور موجود، ويفرض على رئيس الجمهورية أن يؤدي القسم الدستوري الذي يتعهد من خلاله أنه سيحترم الدستور وقوانين الجمهورية. فلماذا لا يطلب القوم من رئيس الجمهورية أن يحترم الدستور الموجود، ويحترم القانون، حتى نرى هل أن هذا الدستور ينفع المجتمع أم أنه يضر الجزائريين ويجب تغييره؟

وبالمقابل، قالت عصابة الأرندي التي يتزعمها أحمد أويحيى أنها تعارض فكرة تغيير الدستور. وقال ممثلو الجماعة أنهم سيصمدون في مواقفهم، وأنهم سيضحون بأغلى شيء من أجل ذلك. ولا شك أن القوم صادقين لأنهم مستعدون أن يضحوا بالجزائر من أجل بقائهم في السلطة…

وبين جبهة التحرير والأرندي، تحولت قضية الدستور الجديد إلى قميص عثمان، وقامت بينهما حرب توحي أن الجزائر تعيش نقاشا سياسيا، وأن مجال المنافسة مفتوح، وأن التعددية السياسية متجذرة في المجتمع. وسيكثر الشتم في الأشهر القادمة، وسيشهر كل واحد سيفه، ويهجو العدو، ويهدده بالقضاء عليه نهائيا في معارك دامية لن يصمد فيها إلا العظماء…

لكن هذه الحرب هي حرب العبيد والموالي، وحرب المسئولين من الدرجة الثانية الذين ربطوا وجودهم ببارونات النظام، يدافعون عنهم بالنيابة، ويجولون الأسواق والمحافل ليدافعوا عن أفكار لا قيمة لها ومشاريع لا مضمون لها. فجبهة التحري والأرندي يقولان اليوم أنهم يطبقان برنامج رئيس الجمهورية. لكن من يستطيع اليوم سواء من قيادة جبهة التحرير أو الأرندي أن يقول ما هي سياسية رئيس الجمهورية تجاه فرنسا أو في ميدان البنوك؟ بل من يعرف ما موقف رئيس الجمهورية من فكرة تغيير الدستور؟ هل بوتفليقة يريد تغيير الدستور ليقوم بعهدة ثالثة، ومنن يعارضه في هذا المسعى، أن هل أن أطراف أخرى تريد تغيير الدستور لضمان تحكمها يوم يجب تعيين خليفة بوتفليقة؟

وحقيقة الأمر أننا نخطئ لما نعتبر أن الأرندي الأفالان أحزاب. فمن المفروض أن الأحزاب هي منظمات لها مناضلون يقتنعون بعدد من الأفكار، فيلتفون للدفاع عنها، ويكلفون قيادة الحزب بهذه المهمة. فأين أفكار جبهة التحرير؟ وأين البرنامج؟ وإن كان البرنامج موجودا، فلماذا قررت قيادة الحزب أن تتخلى عنه وتتبنى برنامج رئيس الجمهورية؟

وحقيقة الأمر أن الرئيس موجود، لكن الجمهورية غابت. والنزاع بين الأرندي والأفالان موجود، لكن الأفالان والأرندي غير موجودين، لأنهما مجرد فصيلتان من فصيلة النظام. والدستور موجود، لكن من يطبق الدستور غائب. وإذا غابت الجمهورية والأحزاب، فإن النقاش يغيب، وتسود الثرثرة، بهدف منع النقاش السياسي الحر الذي يبني الأمم والأمجاد ويصنع التاريخ. والقضية لا تتعلق اليوم بتغيير الدستور أو بالكلام حول طبيعته، إنما القضية الأساسية في البلاد تتعلق باحترام الدستور والقانون، من طرف السلطة في مرحلة أولى، حتى يؤمن المواطن أن القانون فوق الجميع، ونخرج من الوضع الحالي، وضع يجعل القانون فوق الضعيف وتحت الأقوى.

ع.ش

Publicités
Article précédent
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s