حتى لا يكون أويحيى مظلوما

عابد شارف

 

سقط أحمد أويحيى، ووضع حدا لمشكلته مع الجزائريين والجزائر. لكن مع سقوطه، تبدأ مشاكل رجل آخر لا نعرف من هو لحد الساعة. ولا يتعلق الأمر برئيس الحكومة الجديد عبد العزيز بلخادم، لأنه جاء بنفس الطريقة التي جاء بها أحمد أويحيى وسينهي حياته السياسية بنفس الطريقة، إنما يتعلق الأمر بذلك السياسي، أو تلك المجموعة، التي ستتولى عملية إعادة بناء الجزائر بمؤسساتها واقتصادها وأحزابها وبنوكها وحتى فرقها لكرة القدم. فأغلبية مؤسسات البلاد انهارت، وانهارت معها القيم السياسية والأخلاقية التي تبنى بها الأمم والأمجاد، وتركت مكانها لقواعد أخرى مبينة على الخديعة وانعدام المسئولية. وبمناسبة خروج أحمد أويحيى من قصر الحكومة واستبداله بمنافسه عبد العزيز بلخادم، لا بد من تقييم، ولو سريع، لوضع البلاد ومؤسساتها، حتى لا يكون أويحيى مظلوما، وحتى لا يكون متهما لوحده دون شركائه، وحتى لا تطلب الجزائر من بلخادم أن يقوم بما هو فوق طاقته.

فإذا نظرنا إلى المؤسسات، نجد أنه لم يبق منها إلا أطلال وشتات. وأولها رئاسة الجمهورية التي يقال أنها بسطت أيديها على دواليب الحكم في البلاد، قبل أن يتضح أن ساكنها يكتفي بالخطاب دون أن يؤثر على الوضع العام للجزائر. ومن المعروف أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور، لكنه في الجزائر تمكن أن يقضي على الدستور، حيث أنه جعل من البرلمان مجرد ساعي بريد لمشاريعه، كما قضى على العدالة واستقلاليتها.

وإذا غاب البرلمان والعدالة، فإن الحكومة تتحول بدورها إلى مجرد نيابة مديرية تطبق أوامر الحاكم. وهو وضع يفتح أمام الحاكم مجالا ليشتم الوزراء والمسئولين، بل أن "يعايرهم"، مثلما فعل عبد العزيز بوتفليقة مع أحد الوزراء حيث اتهمه بالكذب أمام ملايين الجزائريين.

وإذا أخفق الرئيس في حماية الدستور، فإن باقي المسئولين، أو اللامسئولين، يتصرفون بنفس الطريقة، يستعملون "الحقرة" في التعامل مع من هو في درجة أسفل منهم، ويخترقون القانون والدستور. وقد دشن عبد العزيز بلخادم منصبه في رئاسة الحكومة باختراق صارخ للدستور حيث اختار، أو تلقى أمرا، ألا يطلب موافقة البرلمان على برنامجه، مع العلم أنه سبق له أن شغل منصب رئيس البرلمان. وبمشاركته في اغتيال البرلمان، فإن عبد العزيز بلخادم يشارك في الحقيقة في اغتيال الحكومة، لأن الجهاز التنفيذي لا يملك قوة إلا بقوة السلطات الأخرى.

أما الأحزاب، فكيف يمكن أن نتكلم عن وجودها مع الفلكلور السائد في صفوفها. فهذا وزير أول يتم طرده من منصبه لكن الوزراء الآخرين من نفس الحزب لا يحركون ساكنا، بل يتحولون إلى أقزام حتى لا يراهم أحد ولا يفكر أحد في طردهم. وهذا تحالف يتسلط على البلاد قبل أن يضحي بزعيم إحدى العصابات مع إبقاء العصابة كاملة. وما القول عن عبد العزيز بلخادم الذي أعلن صداقته لأحمد أويحيى منذ سبع سنوات قبل أن يكتشف أن الرجل سيزور الانتخابات القادمة؟ كيف يمكن أن نصف رجلا تحالف منذ سنوات مع خبير في التزوير؟

ونكتفي بالكلام عن انهيار المؤسسات الكبرى، لأن المواطن في حياته اليومية يعيش كل صبيحة وكل مساء انهيار المؤسسات الأخرى، ويعرف كيف أن البلدية والولاية والإدارة بصفة عامة تحولت إلى شبه منظمة مافياوية في خدمة بارونات السلطة المحلية.

وفي كل هذه الأوساط، سيطرت قيم جديدة لا علاقة لها بالسياسة والأخلاق التي تصنع الأمجاد. فالوزير لا يهتم بمشروع سياسي إنما بإرضاء الحاكم حتى يضمن بقائه في الحكم. والوالي لا يخضع للقانون إنما يهتم بالتوازنات التي تضمن له ارتقاء السلم السياسي. ولا مجال للتطرق إلى المسئولين الآخرين في مختلف هياكل الدولة لأن المواطن يعرف ذلك بدقة.

ولما اختفى القانون والأخلاق، فرضت الرشوة نفسها كقاعدة أساسية في المعاملات والعلاقات الاجتماعية. كما أصبح التحايل على القانون قاعدة أخرى لا مفر منها، لأن النظام الذي لا يعطي المواطن حقه يعرف كيف يعطي امتيازات لمن ليس له حق. وانتشرت هذه الظواهر إلى درجة أنها أصبحت هي المسيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولما يبلغ الانهيار درجة مثل هذه، تجد البلاد نفسها في حاجة إلى حد أدنى من النقاش السياسي والاقتصادي حتى تستعيد وعيها. لكن الجزائر اختارت قمع الفكر ومنع التفكير، فلا نجد في البلاد مؤسسة واحدة تنظم نقاشا حرا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك لما قامت السلطات الأمنية بإلقاء القبض على منسق نقابة أساتذة الجامعة (الكناس) فريد شربال. فماذا بقي لبلاد تحبس رجلا يحمل كل هذه الرموز، حيث أنه في نفس الوقت أستاذ جامعي وناشط نقابي وباحث؟

في نفس الوقت، نجد أن السلطة تكذب على نفسها… وقد برهن الباحث الاقتصادي سماعيل قومزيان مثلا أن الأرقام التي تنشرها الوزارات حول نسبة البطالة في الجزائر كاذبة… وانطلاقا من الأرقام التي نشرتها نفس السلطة في وقت سابق، برهن أنه من المستحيل أن تكون الجزائر قد حققت هذا التقدم في ميدان الشغل. ومن جهته، قال الأستاذ الجامعي سعيد آيت عمارة أن أسطورة الاستثمار الخارجي الذي تبني عليه الحكومات المتتالية عملها لتنمية البلاد أكذوبة أخرى، حيث برهن أن ما يخرج من أموال بسبب الاستثمارات الخارجية أكبر من المبالغ التي تدخل البلاد.

وبعد هذا كله، هل يبقى من الضروري أن نتكلم عن ميادين أخرى، ولو تعلق الأمر بكرة القدم؟ فهذا رئيس فريق جمعية القبائل محند شريف حناشي يحاول أن يتصرف مثل من يعتبرهم رجال سياسية، ويغتنم فرصة سقوط أحمد أويحيى لينتقده، ويشكر الحاكم الجديد عبد العزيز بلخادم…

وحقيقة الأمر أن القوم كلهم، سواء تعلق الأمر بأحمد أويحيى أو بلخادم أو حناشي، كلهم شاركوا بطريقتهم الخاصة في عملية تحطيم المؤسسات والقيم، سواء عن وعي أم عن غير وعي. ومنهم من يواصل مشواره ومنهم من ينتظر دوره، وما بدلوا سلوكهم… وتصرف القوم وكأنهم ليسوا واعين بمشاكل البلاد ومآسيها، ولا يحسون آلام الشعب ومعاناته، ليتركوا إرثا يعجز القلم عن وصفه. لكن هذه ليست مشكلتهم، إن مشكلة من يريد بناء الجزائر…

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

1 commentaire

  1. Samyra

     /  21 juin 2006

    Salu jte laisse mon msn samyra_12@hotmail.fr je taten. Bisous

    Réponse

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s