سجون وزنازين

 

عابد شارف

 

التقى عدد من الصحافيين الخميس الماضي، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، في نقاش حول العلاقة بين الصحافة والقضاء. وتساءل القوم هل يجب أن يدخلوا في نقاش مع القضاة أم هل يجب مواجهتهم في حرب شرسة جديدة تبرز خلالها البطولات، وتكثر فيها المعارك الطاحنة التي سينتصر فيها قلم جرير على سيف الحجاج… وتواصل النقاش حول الإستراتيجية الحربية واستعمال المكيدة ونوعية الأسلحة التي يجب استعمالها، والتحالفات الظرفية والمناورات التي يجب اللجوء إليها…

واقترح آخرون هدنة، حيث قالوا أن النقاش أفضل، لأنه أسلوب حضاري، ومن المعروف أن الصحافيين أهل حضارة، ويمكن لهم الدخول في مفاوضات مع القضاة، وإقناعهم دون عنف، وقالوا أن المفاوضات تشكل في الحقيقة حربا بطريقة مختلفة، وتكلم القوم عن إستراتيجية المفاوضات وعلم التعامل مع العدو، وكيف يمكن أن نناور لمراوغته والقضاء عليه. والهدنة فكرة تمجدها مختلف التيارات السياسية، فتكلم الإسلاميون عن صلح الحديبية وما فتح للمسلمين من آفاق، وتكلم أهل اليسار عن اتفاق "براست ليفسطوك"، وبراعة لينين الذي قال أنه يجب قبول شروط قاسية في مرحلة الضعف "في خاطر الثورة". وتكلم آخرون عن ضعف العرب ورفضهم للهدنة، مما جعل التاريخ يحكم عليهم بالهزيمة تلو الأخرى لأنهم لا يفرقون بين التفاوض والهزيمة.

ووسط هذا النقاش العميق، نزل ضيف جديد على الصحافيين، لم يشاركهم الحديث من قبل، واستغرب من الكلام المتداول، ولخصه في عبارة بسيطة، حيث قال أن هؤلاء سجناء، وأنهم قبلوا فكرة بقائهم في السجن، واختاروا تزيين زنازينهم لكنهم لا يحاولون الخروج منها. وقال أن النقطة الأساسية المطروحة للنقاش خاطئة، حيث اعتبر أن الصحافي ليس له أن يواجه القاضي أو يتفاوض معه، لأن القاضي يطبق القانون، فإذا أخطأ الصحافي يجب أن يعاقب، وإن لم يخطئ فلا مجال للحوار أو المواجهة مع القاضي أو أي طرف آخر.

وحقيقة الأمر أن القضية الأساسية تتعلق باستقلال القاضي. فإذا كان مستقلا، فإنه سيطبق القانون، وإن لم يكن مستقلا، فإنه سيطبق أوامر السلطة. وفي كلتا الحالتين، فلا مجال للحديث عن القاضي أو معه، بل على الصحافي أن يحترم القاضي إذا كان هذا الأخير مستقلا، وأن يواجه السلطة إذا لم تكن العدالة مستقلة.

أما اقتراح الحرب أو الحوار مع القاضي، فإنه خطأ في أحسن الأحوال، أو تواطأ، لأن المعركة السياسية الحقيقية تتعلق باستقلال القضاء، وهي بدورها تتعلق بتنظيم السلطات في البلاد. فكيف يمكن أن تكون الصحافة حرة إذا كان البرلمان غائبا والعدالة غير مستقلة؟ ويقال عن الصحافة أنها سلطة رابعة، لكن قبل أن توجد سلطة رابعة، يجب أن توجد سلطة ثانية وثالثة…

ويجب كذلك أن نعترف أن هذا المأزق الذي وصلت إليه الصحافة يشمل كل الميادين وكل المؤسسات والقوى الاجتماعية والسياسية. فكلهم وجد نفسه في سجن، وإذا لم يجد الإنسان طريقا للخروج من السجن، فإنه يشرع في تزيين الزنزانة حتى يخفف الضرر. فالصحافي الذي يريد أن يحاور القاضي يتصرف وكأنه يقبل عدم استقلال العدالة، لكنه يريد من القاضي أن يخفف عليه الإجراءات والعقوبات.

والسجون تختلف. وأصعبها السجون الفكرية التي يقوم الإنسان بتشييدها لنفسه، ثم يغلقها على نفسه. إنها السجون التي تبنيها بعض الإيدولوجيات التي ترفض أن ترى الواقع كما هو. إنها السجون التي بناها الوزراء ليمنعوا أنفسهم من التفكير في السياسية وفي التسيير، فغلقوا على أنفسهم في محيذ بيروقراطي عزلهم عن المجتمع الجزائري بصفة شاملة. إنها السجون التي بناها زعماء الأحزاب ليمنعوا أنفسهم من أن يصبحوا بديلا للنظام القائم. إنها السجون التي بنتها السلطة لتجعل البلاد كلها حبيسة نظام أجمع الجزائريون على أنه مدمر لكن لا أحد يملك حاليا المفتاح للخروج منه.

إنها سجون غريبة في بعض الأحيان، مثل سجن 2009، وما أدراك ما سجن 2009. إنه سجن من نوع خاص، حيث دفع كل وزير ومسئول ليقول أنه سيبني مساكن أو طرق أو مصانع أو أنه سيغير الدستور والقوانين قبل نهاية 2009، وكأن العالم سينتهي في هذا التاريخ. وكان القوم يعملون طبعا لإرضاء رئيس الجمهورية ليضمنوا له عهدة ثالثة.

وغرق البعض في الكذب أحيانا، لأن أكثر مشاريعهم مستحيلة، ولجأ آخرون إلى التبذير والعبث ليكونوا في الموعد مهما كان الثمن. وبذلك ساهم سجن 2009 في القضاء على التفكير والتخطيط لأن الأغلبية يفكرون في إرضاء القائد لا في التسيير الجيد.

وفي الأشهر الأخيرة، برز سجن جديد، هو سجن التاريخ. وأجمع أهل الخطابة على طلب الاعتذار من فرنسا والتنديد بالاستعمار، ومنذ دخلوا هذا السجن، امتنع الجميع عن الكلام عن المستقبل…

هذه سجون الجزائر، وسنتناقش طويلا من هو أحسن سجن وما هي أجمل زنزانة، لنمتنع جميعا عن فكرة بسيطة، وهي كيف الخروج من السجن.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s