قصة حب في أمريكا

 

عابد شارف

 

وضعت الجزائر، وبصفة مفاجئة، حدا لقصة حب غريبة بدأت قبل سنوات بين الجزائر وفرنسا، لتدخل مغامرة غرامية جديدة مع طرف أمريكي لا نعرف عنه إلا القليل. وجاء التغيير بصفة عنيفة ومفاجئة، تركت العاشق القديم محتارا أمام هذه القطيعة، بينما يتساءل المعشوق الأمريكي الجديد عن دوافع هذا الحب الذي يظهر وكأنه دون مقابل.

فهذا الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يكاد يستعمل مروحته مع وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي، ويقول له أن الجزائر ترفض إمضاء اتفاق صداقة مع المستعمر القديم، وأنها أصبحت دولة محترمة ذات ثروة وأن المهر الذي يقدمه الخطيب الفرنسي ليس مقبولا. وهذا وزير الخارجية محمد بجاوي يكتشف فجأة أن المجتمع الجزائري موجود، وأن للشعب الجزائري رأي، وأن هذا الشعب ليس متحمسا لمعاهدة أخوة مع فرنسا. وقال بجاوي أن الظرف لا يسمح، وأن الجو ليس ملائما للبقاء على هذه العلاقات الثنائية التي قيل عنها أنها ممتازة.

ودخلت الجزائر هذا العهد الجديد وكأنها تريد أن تنسى الماضي القريب، سواء كان على صواب أو كان مخطئا. تريد أن تنسى أن جاك شيراك كان بالأمس الصديق الحميم الذي نزل ضيفا على الجزائر قبل سنتين، مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية، ليهنئ صديقه عبد العزيز قبل أن يصادق المجلس الدستوري على نتائج رئاسيات 2004. وقبلها نزل شيراك ضيفا على باب الواد، ليساند أهلها في محنتهم، وتجول في شوارع العاصمة، وقالت وسائل الإعلام الرسمية أن شباب العاصمة أعرب عن حبه للرئيس الفرنسي، وأن الباب مفتوح لإعادة نظر شاملة في العلاقات بين البلدين.

ثم وقع ما وقع… وقع أن باريس، عن طريق برلمانها، قالت أن الاستعمار مفخرة لفرنسا، وقال شيراك أنه يميل إلى المغرب أكثر من الجزائر… فتراكمت الغيوم، وأصبح الجو ثقيلا لا يطاق، وقالت الجزائر في نهاية المطاف أنها تريد الطلاق مع فرنسا… واختارت الجزائر عشيقا جديدا من أمريكا، وما أدراك ما أمريكا… إنها أمريكا التي تصنع العلم والحرية، أمريكا التي أمضت معاهدة مع الجزائر قبل ثلاث قرون…

ومن عشية لضحاها، نسينا فلسطين والعراق، وكل ما يصنع كيان الجزائر وتاريخها. وأصبحت أمريكا البلد الرمز، والحليف القوي، والصديق الحميم. وتستعد الجزائر لاستقبال الوزيرة "كاندي"، وسيأتي بعدها ديك شيني، نائب الرئيس الأمريكي، مع التذكير أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد نزل ضيفا علينا قبل شهر وبعث رسالة إلى سكان العاصمة ليشكرهم على حسن الاستقبال…

ولا نعرف أي الموقفين أفضل، وأيهما يعود بالفائدة على البلاد. هل من الأفضل لمصلحة البلاد إقامة علاقات قوية مع فرنسا، أم هل من الأفضل تطليقها واللجوء إلى أحضان أمريكا؟ والحق يقال: لا يعرف الجزائريون من قرر أن يعشق فرنسا في بداية الأمر، ولا يعرفون اليوم من الذي قرر الطلاق. ولا يعرف الجزائريون مبررات هذا القرار أو ذاك، وليسوا على علم بخفايا الموقفين ونتائجهما.

وحتى إذا اعترفنا مثلا أن النزاع مع الطرف الفرنسي يعبر بصفة أصدق عن شعور الجزائريين تجاه فرنسا، وأن قرار بوتفليقة الأخير سيجد مساندة أكبر من طرف الرأي العام الجزائري، فإن هذا لا يلغي المشكل الحقيقي الذي تطرحه هذه المواقف. إنها مواقف صدرت عن السلطة، بل عن دوائر من السلطة، لا كل السلطة. وهي لا تتميز بمساندة شعبية، ويمكن لأي وزير أو رئيس أن يتراجع عنها غدا إذا شاء، اللهم إلا إذا أصبح سجينا بين أيدي أمريكا أو فرنسا.

والجزائر تعتبر اليوم أنها تكسب ثروة تسمح لها بالمناورة، لكنها لا تكسب مؤسسات تناور بها. إن القرار في البلاد يرتكز على التقديرات الشخصية لهذا المسئول أو ذاك، إذا لم يكن القرار ارتجاليا مبنيا على العاطفة والرغبات الشخصية أو المصالح الضيقة. وهذا ما يضع البلاد أمام خطر واضح. ويبدو أن الذي قرر أن يرمي مصالح البلاد بين أحضان أمريكا لا يعرف حقيقة القبضة الأمريكية. فأمريكا لا ترحم، وستعصر البلاد إلى ما لا نهاية، وإن لم تستطع فإنها ستحدث تفجيرا في البلاد. ويكفي أن ننظر حولنا مصير العراق وسوريا السعودية وفلسطين لنختار ماذا ستصنع بنا أمريكا… حتى نعرف قبل أن تقع كل معطيات القضية، وحتى نقتنع نهائيا أن هناك عدد من القضايا الكبرى، مثل السياسية الخارجية والدفاع والبترول، التي لا يمكن الفصل فيها بطريقة منفردة، مهما كانت عبقرية الشخص وشجاعته، بل من الضروري الحصول فيها على أكبر إجماع وطني ممكن، لأن مصير شعب بأكمله معلق بها.

ع.ش

abc@wissal.dz

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s