في عيد الاستقلال

 

عابد شارف

اعتادت الجزائر أن تحيي ذكرى استقلالها بطريقة تقليدية لا تغير منها فاصلة سنة بعد سنة. فبينما يبث التلفزيون فيلما قديما يقال عنه أنه ثوري، وبينما تعيد الصحافة كلاما عن الأمجاد، فإن وزارة المجاهدين تقوم من جهتها بتنظيم ندوة يدور الكلام خلالها عن استعادة الذكريات أو تجريم المستعمر، مع توزيع بعض الميداليات وإعادة دفن رفاة الشهداء. واختار رئيس الجمهورية هذه الذكرى ليعود للحديث عن الاستعمار وجرائمه، وفتحت الصحافة أعمدتها لعدد من الشخصيات المعارضة التي لا يسمح لها الكلام عن الحاضر والمستقبل ليتم استعمالها في الكلام عن الماضي.

وتأسف ضابط سابق في جيش التحرير الوطني من هذا التعامل الممل مع ذكرى أساسية في تاريخ البلاد، وقال أن هذه المناسبة تحولت في آخر المطاف إلى مجرد عطلة رسمية مدفوعة الأجر بالنسبة لعامة المواطنين، وإلى حدث سياسي ننتظر خلاله من هو الجنرال الذي سيحصل على ترقية جديدة، لعلنا نفهم من خلاله كيف تتغير التوازنات الداخلية في هرم السلطة. وتقتصر الذكرى بذلك على دوائر قليلة في السلطة وحاشيتها، بينما يبقى الشعب بعيدا عن الحدث، وكأن الأمر لا يهمه، بل لا يعنيه تماما.

وغاب التفكير الحر حول الاستقلال ومعانيه، وانعدم النقاش بصفة كاملة، مع أن البلاد تحتاج في المرحلة الحالية إلى عودة لبعض القضايا الأساسية لتطرح على نفسها سؤالا بسيطا: ما معنى الاستقلال اليوم؟ وما تفعل الجزائر لحماية الاستقلال الوطني؟

فإذا كان الاستقلال يعني يوما ما علما ونشيدا وطنيا وجواز سفر وسفارات في الخارج، فإن الوضع تغير جذريا منذ ذلك العهد الذي كان فيه التعبير عن الإرادة الوطنية بسيطا وسهلا. واختلطت الأوراق مع سقوط جدار برلين والعولمة والسيطرة الكاملة التي تفرضها أمريكا على العالم.

وقد أكدت التجربة العصرية أن الاستقلال يتمثل أولا في بناء مؤسسات قادرة على الدفاع عن السيادة الوطنية. ولا يمكن أن تقوم تلك المؤسسات بدورها إلا إذا كانت تعبر حقا عن الإرادة الشعبية، حيث يشعر المواطن أنه شارك في بنائها، وأنها ملك له، وأن الدفاع عنها يعني أنه يدافع عن نفسه.

واستقلال الوطن لا يكون كاملا دون حرية المواطن والمجتمع. لكن الجزائر حررت البلاد ورفضت أن تحرر العباد، مما يضع الاستقلال بين قوسين. فالسلطة التي لا تحترم حرية شعبها تجد نفسها في موقع ضعف في مواجهة التحديات الخارجية، بل أن التجربة أكدت أن البلدان التي تنكر الحرية لشعوبها غالبا ما تخضع للضغوط الخارجية، لأنها تقدم التنازلات للقوى الكبرى مقابل السكوت عن تصرفاتها في الداخل.

ومن جهة أخرى، فإن العالم دخل القرن الجديد تحت شعار العولمة، التي تجسدت بصفة واضحة في التعاملات التجارية. وأصبح وجود أي بلد في العالم يقدر أولا بوجوده الاقتصادي ومدى تأثيره في الأسواق العالمية. والبلدان التي حافظت على استقلال نسبي للقرار السياسي والاقتصادي هي تلك التي استطاعت أن تقيم اقتصادا يضعها في مأمن من التأثير الخارجي.

وأكثر من هذا كله، فإن البلدان التي نجحت دخلت مرحلة جديدة حيث قررت أن تتخلى عن جزء من سيادتها لتضمن الرفاهية والحرية لشعوبها. ويتم ذلك من خلال الانضمام إلى تكتلات قارية أو جهوية، مثلما هو الشأن بالنسبة لأوربا. وإذا قررت هذه البلدان أن تتنازل بكل حرية عن جزء من سيادتها، فإن ذلك لا يعني أنها تخسر شيء ما، بل أنها مقتنعة أن ذلك يخدم مصالح شعوبها. ويؤكد هذا التطور أن البلدان التي ضمنت سيادتها اختارت أن تذهب إلى أبعد من ذلك حيث أعطت للحرية مضمونا آخر أوسع مما عرفته في الماضي. وبفضل هذا التطور مثلا، تحولت أوربا إلى قارة استطاعت أن تتجنب الحروب خلال النصف الثاني من القرن العشرين بعد أن كانت مجالا لأبشع الحروب التي عاشتها الإنسانية.

ويمكن أن نذكر مجالات أخرى لنعرف معنى الاستقلال في هذا بداية هذا القرن الجديد. ما معنى الاستقلال الثقافي في بلد لا ينتج كتبا ولا أفلاما؟ ما معنى الاستقلال لما يلجأ كل قادة البلاد إلى الخارج للاستشفاء؟

وحتى في ميدان التلفزيون، ما معنى الاستقلال لما نجد أن أغلبية الجزائريين يلجئون إلى القنوات الخارجية سواء الفرنسية أو الخليجية، إلى درجة أن الرئيس الجزائري لا يجد جمهورا يصغى إليه لما يخاطب الجزائريين؟

هذا الوضع الذي يعيشه البلاد يوحي بصفة واضحة أن الموز التي تشير إلى الاستقلال مازالت قائمة، لكن المؤسسات والهياكل التي تضمن سيادة البلاد تعرف انهيارا متواصلا منذ سنين طويلة. كما يتضح أن أحسن وسيلة للاحتفال بأعز ذكرى للبلاد اليوم تتمثل أولا في التفكير في معنى الاستقلال في عالمنا هذا، والشروع في مبادرات جديدة تضمن الاستقلال. وإذا غاب هذا التفكير وغابت تلك المبادرة، فإن البلاد ستجد نفسها في وضع خطير لأنها ستصبح قابلة للاستعمار من جديد. وإذا تغير معنى الاستقلال، فإن معنى الاستعمار تغير كذلك، فهو لا يعني حتما وجود قوات عسكرية أجنبية، بل يكفي أن يغيب التعبير بصفة واضحة عن السيادة الوطنية. ويكفينا لنقتنع بذلك أن نتساءل اليوم هل البلدان العربية مستقلة فعلا، مع العلم أنها لم تتحرك رغم كل ما يقع في فلسطين ورغم تعاطف شعوبها مع الفلسطينيين؟

ع.ش

Publicités