عجز عن العلم فباع الكلام

عابد شارف

 

أصدر السيد نور الدين بوطرفة، المدير العام لشركة سونلغاز، فتوى غريبة حول أسباب تذبذب توزيع الكهرباء خلال الصائفة. فقد قال المسئول الموقر أن الظاهرة تعود إلى الاستهلاك المفرط لآلات التبريد من طرف الجزائريين. وأضاف الرجل أن المواطنين بالغوا في استعمال المكيفات الهوائية climatiseurs التي تستهلك كمية عالية من الكهرباء. وأكد أن استعمال هذه الآلات يتم عادة في نفس الوقت خلال الساعات التي يشتد فيها الحر، مما يرفع استهلاك الكهرباء إلى أعلى مستوى. ووعد المدير الموقر أن يعمل في المستقبل من أجل مراقبة المكيفات الهوائية، والتحكم في تسويقها، وفي نوعية الآلات التي يتم استيرادها…

وقد قال السيد نور الدين بوطرفة كل هذا الكلام دون أن تزلزل الأرض زلزالها، ودون أن تعصف العاصفة، ودون أن يستقيل رئيس الجمهورية ودون أن ينتحر رئيس الحكومة. قال هذا الكلام الذي نقلته الصحافة، وقام المحللون بتحليله، دون أن يصاب أحدهم بالجنون ودون أن تقوم البلاد بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الهند والصين.

وقد أعطت الجزائر هذا الرجل سلطة توفير الكهرباء في البلاد، وأعطاه الله مخزونا من الغاز والبترول لا يحصى، ووضعت البلاد تحت تصرفه أموالا لا ينطق بها اللسان، وبدل أن يحول الغاز إلى كهرباء، اختار أن يولم الجزائريين لأنهم يفضلون برودة "الكليماتيزار" على حر عين الدفلى وعين قزام.

وأكثر من هذا، كلفت الجزائر هذا الرجل بتسيير قطاع الغاز في وقت أصبحت فيها الطاقة سلاحا اقتصاديا لا مثيل له. فقد تمكنت روسيا مثلا خلال الشتاء الماضي أن تفرض سياستها على العديد من بلدان شرق أوربا باستعمال سلاح الغاز لوحده، وبرهنت أن استعمال هذا السلاح أعطى نتائج لم تتمكن روسيا من الوصول إليها من قبل رغم سلاحها النووي وقوتها العسكرية. وقالت الصحافة في الأيام الأخيرة أن الجزائر وروسيا أقامتا تحالفا استراتيجيا تهدد به العالم لأنهما توفران نصف استهلاك أوربا من الغاز. لكن التهديد الحقيقي لحد الساعة موجه للمستهلك الجزائري الذي أصبح مطالبا بعدم التنعم بالتكنولوجيا لأن مدير سونلغاز عجز عن إنتاج الكهرباء…

لكن يجب الاعتراف أن مدير شركة سونلغاز ليس الوحيد الذي يقول كلاما لا معنى له، منذ أن قطعت البلاد علاقاتها مع العقل والفكر والتفكير. وقد سبقه في الميدان الكثير من السادة الوزراء والمدراء والفقهاء والخبراء في علم الاقتصاد والسياسة. وقد أصبحت التصريحات الارتجالية والقرارات التي تأتي بـ "النفحة" عادة يتداولها الكثير من المسئولين، سواء لأنها عديمة المعنى أو لأن شروط تحقيقها ليت متوفرة. وكثيرا ما تنسى هذه التصريحات والقرارات مع ذهاب صاحبها من منصبه، إن لم تتحول إلى سياسة رسمية عمياء تتبناها البلاد رغم الفشل الواضح.

ونذكر منها قرار السيد بلعيد عبد السلام في بداية التسعينات، لما وضع حدا للإصلاحات الاقتصادية وقرر دخول مرحلة "اقتصاد الحرب"، فكانت الحرب وغاب الاقتصاد. وأعلنت الحكومة أنها سيقيم مناطق اقتصادية حرة zones franches، وقامت بتشكيل لجان عديدة أعدت تقارير متعددة، ثم نسي الكل هذه الفكرة وأهلها.

وكثرت الثرثرة حول الاستثمار الأجنبي، وكتبت عنه الصحافة لمدة عشرية كاملة، وتحدث عنه الوزراء خلال مؤتمرات صحافية ومحاضرات، قبل أن يقول أحد الخبراء أن الأموال التي تخرج من البلاد على شكل أرباح أصبحت تفوق مبالغ الاستثمارات بكثير. لكن أسطورة الاستثمار الأجنبي مازالت قائمة في البلاد، ومازال المسئولون يتغنون بها في المحافل الوطنية والدولية، دون أن يفهم أحدهم أنه "يبول في الرمل".

وقال الوزير الأول الأسبق رضا مالك أنه لم يكن يعرف معنى إعادة جدولة الديون الخارجية وما يترتب عنها في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، لكنه اتخذ هذا القرار لما كان على رأس الحكومة. وهل يوجد فوق الأرض أخطر من مسئول في هذا المستوى يأخذ قرارا دون أن يعرف معناه ونتائجه؟

ويمكن أن نذكر العديد من الوزراء والرؤساء الذين نطقوا كفرا، لكن تصريحاتهم أصبحت قرآنا لأنهم كانوا في السلطة، سواء تعلق الأمر بذلك الذي قال سنة 1992 أن القضاء على الإرهاب سيتطلب بعض الأيام أو الأسابيع، أو ذلك الذي برهن للجزائريين أن الإرهاب كان يأتينا من السودان أو إيران…

كل هذا لنقول أن كلام السيد مدير سونلغاز لا يشكل بدعة في الجزائر، ولا ظاهرة جديدة، إنما مثل هذا اللغو تقليد محبذ في بلادنا، ولا بد من الاعتراف أن الرجل خير خلف لخير سلف، وإذا عجز عن إنتاج الكهرباء، فإنه لن يعجز عن إقناعنا أننا مخطئون في استعمال الكهرباء لتتنعم بالحياة. فباعنا الكلام بدل الكهرباء.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s