حزب الله يكتشف الديمقراطية

عابد شارف

 

أفرزت الحرب الأخيرة في الشرق الأوساط أبطالا جدد، وبرزت رموز غير معتادة، كما أفرزت الحرب ظواهر ومعطيات سياسية لا بد من التعامل معها حتى لا تكون المأساة مجانية، وحتى لا تمر دون أن نستخلص منها ما يجب من دروس.

وبينما يدور الجدال حول من ربح المعركة ومن خسرها، ومن استفاد من الوضع الجديد ومن ضاعت منه أوراق، يمكن أن نسبح ضد التيار ونقول أن كلا من إسرائيل وحزب الله خسرا الحرب. وإذا كانت خسارة إسرائيل واضحة، فإن خسارة حزب الله تبدو صعبة الفهم لكن الوقائع تثبت ذلك.

أما عن إسرائيل، فإنها لم تحقق الهدفين الذين قررت أن تدمر لبنان من أجلهما، ويتعلق الأمر بتحطيم حزب الله واستعادة جنديين أسيرين لدى حزب الله. وقد خسر الجيش الإسرائيلي حوالي مائة جندي لإنقاذ جنديين دون أن يلفح. وسقطت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي يقوم بالمعجزات في كل الظروف، كما فشلت مخابراته في التعامل مع حزب الله، حيث عجزت عن ضرب قيادته وهياكله وأسلحته وجهاز الاتصالات الذي أقامته منظمة حسين نصر الله.

وبالمقابل، فإن حزب الله تمكن من فرض نفسه في المواجهة، كما استطاع أن يستعمل ما لديه من قوة ليضرب إسرائيل ويواجهه بشرف. فبينما كان العساكر يشكلون أكثر من ثلثي الضحايا الإسرائيلية، فإن إسرائيل اكتفت بالقصف الأعمى ضد لبنان حيث كانت الضحايا حوالي بالمائة من المدنيين ونصفهم أطفال.

لكن ما أصاب لبنان يجب أن يحسب على عاتق حزب الله. والكارثة كبيرة، حيث تجاوز عدد الموتى الألف قتيل، كما أصاب البلاد دمار شامل قالت أولى التقديرات أن تقييمه سيتراوح بين خمسة وعشرة مليار دولار، إلى جانب كل التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التدمير الواسع.

وإذا كان حزب الله قد برهن أنه من المكمن مواجهة إسرائيل باستعمال طرق جديدة، فإن إسرائيل برهنت من جهتهتا أنها مستعدة لتدمير بلد أو بلدان بأكملها إذا كانت مهددة. ولما نعرف أن إسرائيل تكسب أكثر من 400 قنبلة نووية، فإن هذه الحقيقة تؤكد أنه لا يمكن لأية دولة عربية أن تدخل في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.

أما الحل النهائي للأزمة، فإنه سيؤدي إلى القضاء على التنظيم العسكري لحزب الله، ويضمن الأمن لشمال إسرائيل بجيش غربي تحت غطاء الأمم المتحدة، لكنه  لا يضمن الأمن ولا السلم للفلسطينيين. وإذا فقد حزب الله سلاحه في الجنوب، فلا شيء يضمن أنه سيعرف كيف يتغير إلى قوة سياسية في الخارطة اللبنانية المعقدة، بل أن ذلك سيطرح مشكلا جديدا يتعلق بأمن قادة حزب الله نفسهم مع العلم أن إسرائيل أعلنت رسميا أنها ستقوم بكل ما في وسعها لاغتيالهم. ولا أحد ينتظر من الغرب أن يرثيهم آنذاك ولا أن يحميهم قبل ذلك.

وبرهن حزب الله ظاهرة أخرى أخطر من كل ما كان متوقعا من البلدان العربية. فالحرب الأخيرة أكدت أن كل التيارات السياسية، سواء الديمقراطية والبيروقراطية أو الوطنية أو الناصرية أو البعثية أو الليبرالية أو قوى القمع التقليدية، أصبحت كلها إما عاجزة، إما رافضة لفكرة المواجهة مع إسرائيل. ولم يهم أن يكون العجز نتيجة لضعف التنظيم أو لعدم انتشار هذه الأفكار أو نتيجة للقمع الذي يمارس ضدها، لأن النتيجة لا تتغير.

وهذا الواقع يضع الإسلاميين لوحدهم في المواجهة، حيث أصبح هذا التيار هو الوحيد الذي يتبنى في خطابه فكرة المعركة ورفض الاستسلام، بل أنه يرمز للشجاعة والمروءة والبطولة لدى الرأي العام. كما أنه يبقى التيار الوحيد الذي يقوم بالتجنيد والتنظيم تحت شعار المقاومة، مع أنه لا يفتح أي أفق للمجتمعات العربية لأنه سيفشل بدوره وسيكتفي باستعمال شعار المواجهة للتجنيد داخليا فقط.

وبطريقة أو أخرى، تصبح إسرائيل والغرب بصفة عامة هي التي تصنع لنا أبطالنا ورموزنا من خلال صور المقاومة. وقد صنعوا لنا في الماضي صدام حسين وأسامة بن لادن والزرقاوي، وفرضوا علينا أن نساندهم رغم بشاعة تصرفهم لأننا لا نستطيع أن نساند أمريكا ضد العراق، ولا أن نوافق حسني مبارك ضد حسين نصر الله.

ورغم أن حزب الله سيجد نفسه في مأزق في مقابلة القوى السياسية اللبنانية الأخرى، وفي حماية قيادته إذا تم تجريده من السياح، فإنه توصل إلى تجربة لا مثيل لها في العالم العربي. إنه برهن أن بلدا ديمقراطيا مثل لبنان، رغم هشاشة نظامه، يصمد في مواجهة العدوان والاحتلال بطريقة وطنية متضامنة أحسن من كل الأنظمة الأخرى. ومن الغريب أن تنظيما يبدو في شكله مناقضا جذريا للديمقراطية يصبح المستفيد الأول من التضامن الوطني في أكبر أزمة تعيشها بلاده. ولا نعرف هل أن حزب الله أدرك حجم هذه الظاهرة، وهل أدرك أن الشعب اللبناني لم يطعنه في الظهر في هذه المحنة لأن شعب لبنان اختار أن بحرية أن يتضامن معه دون أن تتدخل أية وصاية.

ولم يحن الوقت للإجابة عن كل هذه الأسئلة، لكنها تؤدي كلها إلى طريق واحد: هل سيتحول حزب الله إلى تنظيم ديمقراطي في بلد ديمقراطي، يفتح باب النقاش وباب الحريات على نفسه وعلى الآخرين في كل البلاد الإسلامية، أم أنه سينحر هذه الفكرة وينتحر، لأن طبيعته تمنع عليه مثل هذا الأفق؟

 

ع.ش

Publicités
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s