صيف جزائري

 

عابد شارف

 

عجزت مودة الجامعات الصيفية على خلق حياة سياسية في البلاد. فرغم محاولات حزب جبهة التحرير الوطني ليجعل من جامعته الصيفية حدثا سياسيا، ورغم تحركات عدد من المنظمات والجمعيات التي أرادت أن تنظم نقاشا قبل الدخول الاجتماعي، فإن الجزائر تظهر وكأنها ترفض أن تخرج من عهد الركود الذي دخلته منذ مدة طويلة والذي زادت حدته مع حرارة الصيف.

وجاء وزير الداخلية يزيد زرهوني بدوره ليحاول إنعاش الحياة السياسية بإعلانه عن تاريخ الانتخابات المحلية والبرلمانية للسنة المقبلة، لكن لا أحد تحرك معه رغم الأهمية المفترضة لمثل هذه الأحداث. وباستثناء بعض التعاليق الهامشية في الجرائد، وبعض التحركات في "المديريات الحزبية"، فإن كلام وزير الداخلية لم يجد أي صدى، وكأن المجتمع الجزائري ليس معنيا إطلاقا بهذا الحدث.

وحاول التلفزيون الجزائري أن يستغل حدث الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، وتحمس الجزائريين تجاه حزب الله والمقاومة اللبنانية، ليخلق بدوره شبه نقاش يوحي من خلاله أن حرية الرأي والتعبير محترمة في الجزائر. لكن الفشل كان واضحا لأن "اليتيمة" لا تتوفر على وسائل وتقنيات كبريات التلفزيونات من جهة، ولأن التلفزيون الجزائري لم يفتح نقاشا حول الجزائر، فكيف يمكن تصديقه لما يدعي أن يريد فتح نقاش لحل مشاكل الآخرين…

وحتى الخلاف بين أحزاب التحالف الرئاسي حول ضرورة تمديد فترة العفو تجاه التائبين تحولت إلى مهزلة. فمن يصدق أن أبا جرة سلطاني يستطيع أن يقرر في هذه القضية لما يطالب بالتمديد، أو أن الأرندي يمكنه أن يعارض هذه الفكرة ؟ ألم يقل ميلود شرفي، الناطق الرسمي باسم الأرندي، أن حزبه سيساند "كل قرار يأتي من رئيس الجمهورية"؟ وكان من المفروض بعد أن سمعنا هذه العبارة أن نستخلص العبرة ونقول أن السياسة انتهت في البلاد، فمن أراد الطاعة والولاء فليتفضل، ومن آمن بالأفكار والمشاريع فليعد إلى بيته وينتظر أن ندخل عالما آخر لا يوجد فيه شيء يسمى الأرندي…

واتضح مرة أخرى أن البلاد قضت على فكرة الشروع السياسي، وهي ترفض أن تفكر في الاتجاه الذي يمكن أن تختاره لتعطي لأبنائها أملا. فبعد الحديث عن تغيير الدستور والحجة الركيكة التي تم تقديمها لتبرير هذه المبادرة، سكت الجميع وأصبح القوم يتكلمون عن الانتخابات، وكأن يزيد زرهوني قرر الإعلان عن تاريخ الانتخابات ليدفع الأحزاب إلى التخلي عن فكرة تغيير الدستور.

وذابت البلاد في هذه المستنقعات، وتزايد ذوبانها مع حرارة الصيف وذوبان مؤسساتها. وزاد الطين بلة لما غاب رئيس الجمهورية عن الساحة السياسية منذ شهر ونصف، في بلاد تحتاج أشد الحاجة إلى رجل سياسي يحدد الاتجاه ويؤكد الخيارات السياسية الكبرى ويوضح الأهداف والمشاريع. ولم يقتصر الخطأ على رئيس الجمهورية الذي غاب لأسباب مجهولة، بل أنه يشمل كل المسئولين الذين اختاروا أن يتضح لهم في أي اتجاه سيهب الريح ليركبوا الموجة الجديدة ويكونوا في أحضان السلطة القادمة والتي بعدها مهما كانت طبيعتها ومهما كان الرجل الذي يتزعمها.

في مثل هذا الجو، يبقى كل من يهتم بمصير البلاد أمام أسئلة لا يجد الجواب عنها. أسئلة عديدة تحتاج إلى تفكير ونقاش ومؤسسات كبرى للبحث في ما سيترتب عنها: ما الفائدة من تغيير الدستور؟ ما الفائدة من إقامة نظام رئاسي إذا كان الرئيس غائبا؟ ماذا يجب أن نغير لتصبح الأحزاب أحزابا، والرئيس رئيسا، والحكومة حكومة، والبرلمان برلمانا، والقانون قانونا؟ ما هي النتائج العسكرية والسياسية والأمنية التي يمكن أن نستخلصها من حرب لبنان؟ ما هي نتائج أزمة التكنولوجيا النووية الإيرانية، ولماذا استطاعت إيران أن تقوم بتصنيع صواريخ وآلات حربية متطورة بينما فشلت الجزائر عن إنشاء نواة لصناعة عسكرية حقيقية؟

كل هذه الأسئلة، وأخرى، يجب أن نطرحها على أحد قادة الأرندي يوما ما إذا استفاق من غيبوبته. لكن لا يجوز أن نطرحها في فصل الصيف. ولا خلال شهر رمضان الذي سيليه. ولا في مرحلة تحضير الانتخابات المحلية ثم التشريعية. ولا يجب أن نطرحها خلال الاستفتاء حول الدستور. وفي تلك المرحلة، ستكون الجزائر قد اقتربت من الانتخابات الرئاسية، ولا يمكن أن نحرج أنفسنا بمثل هذه الأسئلة الثانوية. يجب أن نتركها لفصل الصيف…

لكن الصيف الجزائري قحط وجفاف. قحط الفكر والتفكير. إن الصيف الجزائري فصل ضائع في حياة البلاد. إنه موسم تنتهي فيه الحياة مثلما اعتدنا على ذلك منذ سنة 1988. ولكن ما العمل لما تتحول السنة كلها إلى صيف؟

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s