معركة بين أموال النفط والاجتهاد السياسي

عابد شارف

 إذا كان البكاء على مصير الفقير أمرا مقبولا، فإن الجزائر اجتهدت لتخترع الغني الذي يتصرف تصرف المسكين، وجعلت من البكاء على مصيره سنة جديدة. والجزائر نفسها تمثل أول الأغنياء الذي لا يعرف أن يتصرف بما يليق به، حيث أصبحت البلاد تكتنز الذهب والفضة ولا تعرف ما تصنع بها، بينما يبقى أولادها حفاة عراة يلهثون وراء العيش دون أن يبلغوا السعادة والطمأنينة التي يسعى إليها كل إنسان.

فإذا قرأنا الجرائد، نجد أن مستوى المعيشة للجزائري العادي لا يتطابق مع مستوى الدخل القومي. كما نجد أن مجتمعات أخرى تعيش بطريقة أفضل منا رغم أن الدخل القومي للفرد فيها أضعف بكثير من دخل الفرد الجزائري الذي يفوق ثلاثة آلاف دولار سنويا. ويتضاعف القلق لما لما يردد المسئولون عن الاقتصاد تلك الأرقام الخيالية حول مداخيل المحروقات ومخزون البلاد من العملة الصعبة، وهي أرقام لا تؤثر على المواطن في حياته اليومية كما أنه لا تفتح له بابا ليتفاءل عن مستقبله ومستقبل أولاده.

وكثرت الثرثرة حول الاستثمار الخارجي،والتساؤلات حول ضعفه، وأسباب امتناع الشركات الكبرى والدول القوية عن دخول الجزائر. وأصبحت البلاد وكأنها "طلابة"، تحاول أن تحصل على عطف الآخرين لعلهم يتصدقون علينا ببعض الاستثمارات حتى يشتغل أبناؤنا البطالون. وتكلم في الموضوع خبراء ووزراء وصعاليك، ولم يؤد كلامهم إلى أية نتيجة، بل كلما كثر الكلام، يزداد معه الانهيار، مع توسع دائرة الرشوة والتبذير وانهيار القيم وتراجع الأخلاق وانعدام القانون.

ومن المنطقي أن يدفع مثل هذا الوضع إلى سؤال أساسي سيكون اليوم محل نقاش في العاصمة: ما العمل بأموال النفط؟ كيف نتصرف بهذه المليارات؟ ما العمل لتحويل الأموال إلى ثروة، ولتحويل الدخل القومي إلى سعادة، ولتحويل الذهب إلى أخوة وتضامن ومحبة؟

وسيجتهد المجتهدون، ويبحث الباحثون، ويتكلم السياسيون، ويقرر أصحاب القرار بناء على هذا الاقتراح أو ذاك. ومنهم من يقترح أن تفتح الجزائر اقتصادها، وتسمح للقطاع الخاص أن يجتاح السوق الجزائرية ثم المغاربية ثم العالمية، ومنهم من يطالب بعدم استغلال آبار النفط لأننا عاجزون عن استغلا أموالها، ويكون من الأفضل أن نترك للأجيال القادمة مخزونا من النفط يفعلون به ما يشاءون، لعلهم يكونون أحسن تدبيرا وتصرفا من الذين سبقوهم. واعترف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه بهذا الواقع لما قال أن الجزائر فشلت في إقامة اقتصاد متكامل. وهونفس الشيء الذي قاله شوقي عماري بطريقته الخاصة، حيث كتب: "ماذا نفعل بأموال لما لا نعرف ما نصنع بها؟" وأضاف: "الجواب سهل جدا. نستهلكه في تحقيق إنجاز لا ينفع".

وحقيقة الأمر أن الاقتراحات كثيرة حول السؤال المتعلق باستعمال أموال النفط. ويمكن مثلا أن تخصص الدولة خمسة مليار من الدولارات إضافية لميدان التعليم، حتى نتمكن على الأقل من تكوين أجيال المستقبل بعد أن فشلنا في بناء دولة واقتصاد يليق بهم. ويمكن أن تخصص الدولة مبالغ إضافية لحماية البيئة حتى لا تعيش الأجيال القادمة بين المزابل والمساحات الملوثة.

لكن لا مجال للدخول في النقاش الذي يدور بين خبراء البيروقراطية الجزائرية، لأن جدالهم عميق وعقيم. فما الفائدة اليوم أن تقرر الحكومة أن ترفع في الأجور، أو أن تخفض الضرائب، إذا كان قرارها لا يؤثر على حياة المؤسسة أو حياة المواطن؟ وما الفائدة من الدفاع عن ضرورة إعادة دفع الاقتصاد بالاستثمارات العمومية إذا كانت الرشوة تبتلع أكثر من نصف قيمة الاستثمار؟ ما فائدة الجدال حول نظرية كينز Keynes إذا كان الوزير أو المدير العام يتصرف في الخزينة العمومية على طريقة علقمة، وإذا كانت البيروقراطية تقتل كل المبادرات وتؤدي إلى تبذير لا يحصى؟

ويكفي أن نذكر بعض المشاريع لنتأكد من ذلك. فمشروع المليون مسكن لم يظهر بعد إلى الوجود بعد، ومازالت مشاريع عدل لسنة 2002 لم تنجز لحد اليوم. أما مشروع الطريق السريع، فإن بعض الخبراء يقولون أن المبالغ التي تم تخصيصها له تفوق أكثر من مرتين قيمته الحقيقة.

هذا الواقع بدوره يدفع إلى تغيير السؤال الأساسي، لأن كل مجهود اقتصادي يكون اليوم فاشلا مادام النظام السياسي الحالي قائما. ومن المفروض لا أن نتساءل عما يجب أن نصنع بأموال البترول، بل ما الذي يجب أن نفعل حتى نتمكن من استعمال أموال البترول بطريقة إيجابية؟ فأموال البلاد جمدها النظام السياسي والاقتصادي، وأصبح كل استعمال الأموال تبذيرا. وكل نقاش لا يفترض إزالة النظام السياسي الحالي يبقى دون جدوى، إن لم يساهم في تكريس النظام السياسي.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s