عهد التوبة الاقتصادية

عابد شارف

 

كتب أحد المحللين الاقتصاديين أن التوبة لا تقتصر في الجزائر على أعضاء المجموعات المسلحة، بل أنها تشمل عددا من أعضاء الحكومة الذين تولوا مناصب أساسية في تسيير الاقتصاد الوطني، ودافعوا عن مواقف وخيارات محددة، قبل أن يتراجعوا ويدافعوا عن مواقف مناقضة تماما لما كانوا يتغنون به في بداية مسيرتهم. ولا نعرف هل أنهم تابوا حقيقة، أم هل أنهم يكتفون بالسباحة مع التيار، ليضمنوا لأنفسهم مكانا في صفوف السلطة. وأغلب الظن أنهم يتصرفون مثل مدني مزراق، الذي قال أنه ليس نادما على أعماله على رأس المجموعات المسلحة، لكنه وجد فرصة للتخلص من مغامرة شاقة فانتهز تلك الفرصة ليعيش مغامرة أمتع وأسلم.

وذكر المحلل وزيرين تائبين بصفة خاصة، هما عبد الحميد تمار وشكيب خليل. وقد صنع الأول صورته الاقتصادية على أفكار بسيطة لما خرج من العدم ليصبح وزيرا في حقيبة عبد العزيز بوتفليقة. وكان تمار قبل سنوات يصعد المنابر ويترأس المؤتمرات ويزور المحافل الدولية ويخطب في الناس ليقول أن الجزائر ضيعت وقتا طويلا وأموالا طائلة في محاولة إقامة صناعة وطنية، لكنها فشلت، ويجب عليها أن تتخلى عن هذه الفكرة بصفة نهائية وتبتعد عن هذا الميدان الذي ليس لها فيه مستقبل. وانطلاقا من هذه الفكرة، تزعم عبد الحميد تمار فكرة بيع المؤسسات العمومية والتفتح على السوق العالمية لعل أهل الفكر والمال والتكنولوجبا من الغرب يأتون إلى الجزائر ليصنعوا لنا اقتصادا من نوع جديد.

وحتى إن كانت هذه الفكرة مقبولة، فإن الوزير لم يضمن لهؤلاء الأجانب شرطا واحدا من الشروط التي يجب أن توفرها أية دولة تريد دخول السوق العالمية. فلم يستطع الوزير تخصيص متر مربع واحد لهؤلاء المستثمرين، ولم يوفر لهم الأمن، ولم يقض على الرشوة والبيروقراطية التي تشكل عدوا صريحا للاستثمار. وأكثر من ذلك، فتح الوزير السوق الجزائرية لهؤلاء، حيث أصبحوا يبيعون كل منتوجهم دون أن يتعبوا، مما أثار حيرة أحد الخبراء الذي قال: كيف يريد الوزير من شركة فرنسية أو كورية أو يابانية أن تستثمر في الجزائر لتنتج سيارات أو حليبا أو جهاز تلفزيون وقد ضمن لها أنها ستبيع كل هذه المنتوجات بكل حرية في السوق الجزائرية؟ لماذا تعمد هذه الشركة الكورية إلى التحول إلى الجزائر لتتعامل مع البيروقراطية الجزائرية مع العلم أن أرباحها مضمونة؟

وبعد سنوات من المثابرة، تاب السيد تمار وعاد ليتكلم عن إستراتيجية صناعية في الجزائر. وأكد في نهاية المطاف أنه لا بد من تحديد إستراتيجية في الميدان، وطلب من أحد المكاتب الدراسية أن تسطر له خطة جديدة. وحسب ما جاء في الصحافة، قدم مكتب الدراسات نسخة أولية من عمله، لكن الوزير رفضها، وطلب مراجعة الملف.

وكانت توبة الوزير أقبح من خطأه. فالخطة التي يريد ليست مبنية على نظرة سياسية ومشروع اقتصادي يتكفل الخبراء بتطبيقه، إنما هي خطة يصنعها الخبراء ويتكفل السياسيون بتطبيقها. ومكتب الدراسات الغربي الذي تكفل بالملف يصبح هو صاحب المشروع الاقتصادي والصناعي للجزائر، مما يزيح الحكومة والبرلمان والأحزاب والمواطن الجزائري في الهامش. ومن تكلم عن السيادة الجزائري والقرار الوطني فهو مغرور…

أما السيد شكيب خليل، فقضيته أسهل بكثير. إنه صنع مشروع قانون للمحروقات، وأقنع الرئيس بوتفليقة ليتبناه، وذهب أمام البرلمان وأقسم للنواب أن الجزائر ستدخل عهدا جديدا بفضل هذا القانون. وكان يقول آنذاك أن الجزائر مضطرة لتقديم تنازلات كبرى لجلب الشركات البترولية، وأن السوق يفرض تلك التنازلات. ورفض شكيب خليل أن يسمع كل الخبراء الذي كانوا يقولون أن العالم دخل مرحلة جديدة في تعامله مع النفط، وأن هذه المادة أصبحت نادرة، وأن ميزان القوى تغير لصالح المنتجين بصفة نهائية.

وبعد سنوات قليلة، تاب شكيب خليل بدوره، وذهب أمام نفس البرلمان، ليدافع عن قانون جديد يناقض القانون الأول. وخطب في القوم، وقال لهم أن مصلحة الجزائر تتطلب المصادقة على هذه الفتوى الجديدة، وأكد أنه يملك إستراتيجية جديدة لا يفهمها إلا الخبراء، ولا يمكن أن يحللها إلا الفقهاء، ولا يمكن ن يطبقها إلا العلماء.

ومازال الغموض يسود حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى توبة الرجلين. وفي انتظار جواب مقنع في الموضوع، يمكن من جهة أن نستثني القناعات الاقتصادية والسياسية من أسباب التوبة، لأنها غائبة بصفة مطلقة، ويمكن كذلك أن نقصي كل فكرة حول وجود مشروع سياسي واقتصادي لأن الرجلين أثبتا انعدام وجود أي مشروع. ويمكن من جهة أخرى أن نشكر الوزير الأول الفرنسي الذي تبنى فكرة الوطنية الاقتصادية ليمنع إحدى الشركات الإيطالية أن تستولي على شركة "سياز" Suez قبل أشهر، لأن مبادرة المسئول الفرنسي أعادت الاعتبار لفكرة الوطنية الاقتصادية التي كان كل من شكيب خليل وعبد الحميد تمار يعتبرانها قديمة بالية، ويحتقرون المدافعين عنها من الجزائريين. فشكرا على التوبة الفرنسة التي نزلت بالجزائر.

ع.ش

Publicités

الخروج من الحضارة

عابد شارف

 

من يبالي اليوم باستشهاد فلسطيني في غزة؟ من يلتفت إلى سقوط خمسة عراقيين في ضواحي بغداد أو اكتشاف عشر جثث في العاصمة العراقية؟ من  يهتم بسقوط عضو من الحرس البلدي في تلك الأماكن الخالية شرق بومرداس أو في جبال جيجل؟

إن الأخبار من هذا النوع قد فقدت كل أهمية اجتماعية. إنها لا تشكل حدثا سياسيا يلفت انتباه أهل السلطة والمعارضة، ولا تشكل مأساة بالحجم الذي يمكن أن يؤثر على عواطف الناس في بلدان عرفت اغتيال المئات والآلاف. ومع ممر الزمن، تراجع صدى هذه الاغتيالات والجرائم وأصبح لا يذكر في أكثر الجرائد، وإذا تم ذكرها، فيكون ذلك في مساحة صغيرة، وكأن الجرائد أصبحت تخشى أن تزعج الناس لما تتكلم لهم عن الاغتيالات والموت…

وأصبح العنف من أبرز مميزات المجتمع الجزائري، حيث أصبح القاعدة شبه المركزية لتنظيم العلاقات بين الناس والفئات الاجتماعية وبين السلطة والشعب. إنه العنف في المدرسة، لما يقوم الأساتذة بإضراب يدوم أشهرا لمواجهة عنف الإدارة التي تفرض عليهم قرارات غير مقبولة. ويكون ضحية العنف هو التلميذ الذي يضحي به كل من المعلم والإدارة، رغم أن مهمتهم الأساسية هي تحضير الطفل لمواجهة المستقبل…

والعنف عنف الشارع الرهيب، الذي أصبح غابة لا وجود فيه للمعاملات المتحضرة. إنه العنف الذي يظهر به ذلك الشاب الذي يحمل عصا في أرقى شوارع العاصمة أو في أصغر زقاق المدن الداخلية ليفرض ضريبة على المواطن بعد أن استولى على الشارع وجعل منه ملكية خاصة يدفع ثمنها من يريد إيقاف سيارته، وكل ذلك أمام مرأى رجال الأمن والدرك ورئيس البلدية والوالي وغيرهم.

أما عنف الطريق لمن يمن يملك سيارة، فلا داعي للحديث عنه، حيث أن الجزائر أصبحت من أخطر بلدان العالم من حيث عدد ضحايا أحداث الطرق مقارنة بعدد السيارات أو بعدد المواطنين. وقبل سنتين، حاولت السلطة أن تعالج الوضع بوسائل قمعية، لكنها فشلت، لأنها أرادت أن تستعمل القوة والقمع لمواجهة ظاهرة كان سببها الرئيسي غياب روح المواطن الذي يحتاج إلى نقاش وقناعة لا إلى القوة والعنف. ورغم أن الإدارة تحاول أن تكذب أحيانا على نفسها، فإن حصيلة حوادث المرور مازالت تعرف ارتفاعا متواصلا.

والعنف عنف العلاقات الإنسانية التي ضاعت منها تلك القيم البسيطة مثل المودة والابتسامة والتضامن والتسامح، لتترك مكانها للغريزة والأنانية والبشاعة، كما تؤكد ذلك قراءة الجرائد كل يوم. ففي يوم واحد فقط في بداية الأسبوع، تم تسجيل ثلاث اغتيالات في مناطق مختلفة راح ضحيتها شباب لا يبلغون العشرين لأسباب تافهة.

وماذا نقول عن تلك الظاهرة الجديدة انتشرت بصفة رهيبة، والتي تتمثل في اختطاف المواطنين، خاصة منهم الأثرياء، والطلب بدية مقابل إطلاق سراح الرهائن؟ إنها أصبحت تشكل صناعة قائمة، خاصة في منطقة القبائل. واعتادت تلك المجموعات التي لا نعرف هل هي إرهابية أو إجرامية –والفرق بينهما ضئيل- أن تحصل على مبالغ خيالية قبل يعود المختطف إلى بيته، دون أن يبالي أحد بنتائج العملية،وكأن شيء لم يحصل. ولم يؤد أي تحقيق إلى نتيجة تذكر، سواء تعلق الأمر بأحد أعضاء مجلس الأمة الذي اختطف قبل سنوات في ولاية تبسة، أو بالمقاول حداد الذي قيل أنه تم إطلاقه مقابل مبلغ يتجاوز العشرين مليار…

وإذا نظرنا إلى فلسطين والعراق، نجد أن نفس الظواهر تسيطر على مجتمعاتهم. وقد اعتاد الفلسطينيون على العنف من أجل البقاء إلى درجة أنهم أصبحوا كثيرا ما ينزلقون ليسقطوا في عمليات مدمرة، مثل المواجهات الأخيرة التي أدت إلى سقوط ضحايا وضربت مصداقية المؤسسات الفلسطينية وتنظيماتها.

أما العراق، فإنه يكاد يرمز إلى العنف. إنه يعيش في العنف منذ أكثر من ثلاث عشريات، مع القمع الداخلي والحروب الخارجية والمغامرات التي دمرت أغنى بلد عربي. وما يعيشه العراق اليوم هو سلسلة لا متناهية من أعمال العنف، سواء كانت مشروعة أم لا، لأن حديثنا لا يتعلق بحق الشعوب في المقاومة ضد المحتل الأجنبي، إنما يتعلق بانهيار المجتمعات التي اختارت العنف بدل القانون كوسيلة أساسية لتنظيم العلاقات الاجتماعية. إن هذه المجتمعات فشلت في كل الميادين، وأصبحت الروابط الاجتماعية داخلها هشة، بينما مات فيها التضامن، وفي آخر المطاف حكم عليها بالانهيار لأنها استعملت وسائل لا حضارية ضد شعوبها، فخرجت من الحضارة.

ع.ش

 

دستور للتخلي عن سيادة الشعب

عابد شارف

 

من مدينة عزازقة، بولاية تيزي وزو، جاء اليقين. إنه الخبر القاطع الذي يزيل الشك، ويضع حدا للتساؤلات، ويعيد كل شيء إلى مكانه. إنه التصريح الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويعترف لكل بطل ببطولاته، ولكل مغامر بمغامراته، ولكل ولي بولائه.

جاء هذا الخبر على لسان السيد علي براهيمي، أحد قياديي الأرسيدي، الذي تكلم عن المشاريع الكبرى للسلطة في المرحلة القادمة، وأعطى الأحداث قراءة جديدة، خاصة منها مشروع مراجعة الدستور. فقد قال مسئول الأرسيدي أن المشروع الدستوري المطروح حاليا للاستفتاء يهدف أساسا إلى نقطتين: إنشاء منصب نائب رئيس الجمهورية من جهة، وتمديد مدة العهدة الرئاسية من خمسة إلى سبع سنوات من جهة أخرى.

وحقيقة الأمر أن هذه الأخبار ليست جديدة، إنما الجديد يتمثل في أنها جاءت من مسئول حزب اعتاد أن يكون على دراية تامة بما يجري في صفوف السلطة، كما يعرف مشاريعها ونواياها. وتصريح مسئول في الأرسيدي حول تعديل الدستور يعطي القضية طابعا شبه رسمي.

وإذا كان مشروع تعديل الدستور يقتصر على هاتين النقطتين، تعيين نائب للرئيس وتمديد العهدة الرئاسية، فإنه صراحة لا يخدم مصالح عبد العزيز بوتفليقة، مما يؤكد أن المشروع لم يأت بمبادرة منه. فما فائدة بوتفليقة من تعيين نائب رئيس يزاحمه في المنصب إن كان طموحا، أو يراقب تصرفاته إن كان يعمل للوشاية لصالح أطراف أخرى؟

أما السلطة الحقيقة التي يتكلم عنها الأرسيدي، فإنها تربح كثيرا من تعيين نائب رئيس للجمهورية.

ومن هذا المنطلق، فإن فكرة تعيين نائب لرئيس الجمهورية تخدم بالدرجة الأولى أطراف أخرى غير بوتفليقة، حتى ولو تم اختياره من طرف الرئيس. فوجود نائب للرئيس يجعل من صاحب المنصب تهديدا واضحا للرئيس المجود في المنصب، ومرشحا مضمونا لعهدة قادمة. فإذا أثبت نائب الرئيس ولاءه وطاعته، يبقى في منصبه، وإلا فأنه يعود إلى بيته لأنه يأتي بالتعيين لا بالانتخاب، ويمكن التخلي عنه دون عواقب.

وبهذه العملية، تستطيع السلطة الحقيقية في البلاد أن تراقب الوضع بصفة أدق، وأن تجرب الناس قبل توليهم أعلى منصب مسئولية في البلاد، حتى لا تقع في نزاعات مثلما وقع مع محمد بوضياف واليمين زروال وعبد العزيز بوتفليقة. وإذا عرفتل أن بوتفليقة طعن في السن، وأنه مريض إلى حد ما، وليس قادرا على ممارسة السلطة بالصورة التي كان يتمنى، فإن كل هذا يفتح الباب أمام السلطة الخفية لتوسيع نفوذها على حساب المؤسسات الأخرى.

ويؤكد رد فعل الأرسيدي أن زعيمه ليس مرشحا لمنصب نائب الرئيس، مما أثار غضب الحزب، وتصرفه الأرسيدي بنفس الطريقة "البافلوفية" التي اعتاد استعمالها تجاه السلطة إذا اتخذت هذه الأخيرة قرارا لا يرضيه. ويأتي هذا الرد في محورين، حيث يقوم زعماء الأرسيدي بمهاجمة السلطة بصفة عامة، وجهاز المخابرات بصفة خاصة، باعتباره مركز السلطة الحقيقة في البلاد. ومن جهة أخرى، يهدد الأرسيدي بمبادرات سياسية جديدة ويتبنى مواقف راديكالية كانت لحد الآن حكرا علة مجموعة صغيرة تعمل في إطار غير رسمي لتطالب بالاستقلال الذاتي. وقال علي ابراهيمي أنه يطالب ببرلمان ولامركزية وتنظيم جهوي يشبه كثيرا مواقف حركة الاستقلال الذاتي التي يتزعمها فرحات مهني.

وبين بوتفليقة وسعيد سعدي والمخابرات، تبقى اللعبة متواصلة منذ سنوات. فقد تم تحالف في مرحلة أولى لما اختار سعيد سعدي أن يساند صديقه الحميم بوتفليقة، ثم افترقا لما ظهرت خلافات بين السلطة الحقيقية وبوتفليقة، وحاول سعدي استعمالها ضد بوتفليقة لأنه يعتبره أقرب من الإسلاميين. ثم عاد سعدي من جديد ليكتشف واقعا آخر، وهو أن السلطة الحقيقة تتحكم في كل هذه الملفات، وأنها وافقت على قوانين الرحمة والعفو والنسيان، وعلى مشروع تعديل الدستور، بل أنها كانت صاحبة المبادرة في كل هذه الملفات، وأن بوتفليقة لا يشكل إلا واجهة لسلطة قوية موجودة وراء الستار.

وفي عالم كهذا، وسط أجهزة لا ترحم، ومسئولين نسوا فكرة الوطن والوطنية، لا يوجد مجال للكلام عن الشعب وسيادته وإرادته، حتى ولو وافق على الدستور الجديد بنسبة 99 بالمائة. وأكثر من هذا، فإذا صادق الشعب على الدستور الجديد، فذلك يعني أنه اضطر إلى التخلي عن سيادته.

ع.ش