أخطاء المتنبي

أخطاء المتنبي
تاريخ المقال 01/11/2006
بقلم: عابد شارف
صدق المتنبي لما قال أن العظائم تصغر في عين العظماء. ونوفمبر كان بالنسبة للجزائر أكبر برهان على صدق الشاعر. فمن شعب فقير مريض جائع جاهل مشتت ممزق، تمكن العظماء أن يصنعوا أسطورة للمقاومة والتضحية والوفاء للوطن وللمبادئ. وكان الرجل وقتها يضحي بأغلى ما يكسب، بحياته، من أجل فكرة اسمها الحرية، ومن أجل هدف اسمه الاستقلال. كان يعيش سعيدا لأنه يحمل الصدق في قلبه ويقتات من الإيمان بمسعاه، وكان يموت سعيدا لأنه عاهد فوفى، وأقسم فاختار أن يواجه الحديد والنار ليبقى وفيا لعهده.

وصدق المتنبي لما قال أن صغار الأمور تكبر في عين الصغار. والجزائر تعطي مثلا يؤكد صدق الشاعر، لما عجزت على أن تعطي السعادة للأمهات رغم الأموال التي لا تحصى، كما عجزت أن تعيد الابتسامة للأطفال، والكرامة للعمال، والعزة للشعب، والحرية للمجتمع. إنها عجزت أن تغرس حبة قمح في بلد كان يطعم الروم والفرس، وعجزت أن تغرس زيتونة في وطن اخترع صناعة الزيت، وعجزت أن تجد الرمل لبناء المساكن في بلد يحتضن أكبر صحراء في العالم وأكبر كثبان للرمل في الفلك..

في عهد العظماء، كان القوم يتسابقون من أجل التضحية. ويروي أحدهم كيف عاش مثل تلك الأحداث التي تبقى خالدة في ذاكرته. وقعت الحادثة في بداية 1959. في صبيحة باردة، اكتشف أحد الضباط في جيش التحرير الوطني أن الجيش الاستعماري قد أحاط بمكان يوجد فيه قائد الولاية. ولم يجد حلا إلا أن يبعث فرقة تداهم جيش العدو لعلها تتمكن من دفعه في اتجاه معين لفترة قصيرة ليتمكن قائد الولاية أن ينسحب من مكان الخطر ويعود إلى أحد الملاجئ الذي يوفر له الأمن الضروري في مثل هذه الحالة. وأعطى الضابط أمرا لقائد الفرقة أمرا بهذا الغرض. لكن قائد الفرقة رفض هذا الأمر، وطلب من الضابط أن يعين معه خمسة رجال آخرين. فغضب الضابط وقال: إذهب مع أعضاء فرقتك، إنهم يعرفونك وتعرفهم، ويسهل عليك التصرف معهم. لن قاد الفرقة مد في موقفه وقال: إعطني فلان وفلان وفلان، وذكر ستة أسماء وأضاف: إني أعرف أن لا أحد منا سيرجع من هذه المهمة. ولذلك أريد أن أقوم بآخر مهمة في حياتي رفقة فلان من عنابة وفلان من عين تموشنت، وفلان من بلاد القبائل وفلان من جيجيل وفلان من الشلف وفلان من الصحراء. ولما سنستشهد، تختلط دماء الجزائريين من كل جهة على تراب الجزار في سبيل الجزائر.

وهكذا كان الأمر فعلا، ولقي القوم نحبهم، ولم ينج أحد من تلك المجموعة، ومازال ذلك الضابط شاهدا على تضحيتهم، وهو على قيد الحياة…

ولست متأكدا أن أعضاء تلك المجموعة كانوا كلهم يعرفون بالضبط الهدف السياسي الذي سطره أهل نوفمبر، لكنهم ضحوا من أجل استعادة دولة جزائرية ذات سيادة ديمقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. وبفضل تضحيتهم، جاء الاستقلال، على أن يقوم من تبقى من رفاقهم مع الأجيال الأخرى بتحقيق ما تبقى من أهداف نوفمبر من حريات وكرامة وتضامن وأخوة.

لكن الرفاق لم يعرفوا كيف يتحولوا إلى عماقلة، فتراجع حجمهم إلى درجة أنهم لم يكتفوا بنسيان ما صنع تاريخهم، بل أصبحوا يتعاملون معه وكأنهم يريدون أن يمحوه بصفة نهائية حتى لا يبقى أثر لأمجادهم ولأمجاد رفقائهم. فلا دولة بقيت، ولا شرف يعلو، ولا تضامن انتشر، ولا أخوة أصبحت قاعدة، ولا روابط اجتماعية صمدت. وتحولت بلاد الأمجاد إلى موطن الفضائح.

ولا ندري اليوم هل هذا التصرف جاء عن وعي أم دون وعي. لكن لا يمكن أن نتجاهل هذا الواقع، وهو أن الفضائح انتشرت بصفة فضيعة لما اقتربت ذكرى أول نوفمبر، وكأن هناك إرادة عليا تريد أن تمنع شعب من الاحتفال بنوفمبر. وبدل الاحتفال والخشوع، امتلأت الصحف بالفضائح التي لا ترحم أحدا. فهذا زنجبيل يتاجر بالمخدرات في عالم يتعايش فيه الوالي والضابط ومسئول الأمن، وهذا والي يتصرف في أموال الشعب تصرف الولي الظالم في أموال اليتيم، وهذا المدير العام يقوم بأعمال تجعله لا يختلف عن أحقر الصعاليك.

وحتى تكون جنازة نوفمبر كاملة، اختتمها أهل السلطة من جيل نوفمبر لما اختاروا هذه الفرصة لا ليتكلموا عن الشهداء أو التضحية أو البطولات، بل تكلموا عن عدد الجزائريين الذي يتقاضون منحة بسبب مشاركتهم في الثورة التحريرية. ولعل هذا ما غاب عن المتنبي، حيث ذكر كيف تصبح العظيمة صغيرة في عين العظماء، وقال كيف تكون الصغيرة كبيرة في عين الأقزام، لكنه أخفق في نقطة أساسية، حيث لم يخطر على باله أن يشرح لنا كيف يستطيع قوم من العظماء أن يحطموا كيانهم ووجدانهم ليصبح الرخص صفتهم الأساسية.

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s