غيوم على العراق وفلسطين

عابد شارف

 

انهزم الرئيس لأمريكي جورج بوش شر هزيمة. وانهزم معه حزبه الجمهوري في الانتخابات التي جرت في 11 نوفمبر الماضي. وتراجع التيار المحافظ المتطرف الذي كان يريد لأمريكا أن تتحول إلى إمارة أو إمبراطورية دينية كلفها الخالق بنشر المسيحية على وجه الأرض. واكتشفت أمريكا أن المغامرة العراقية التي كان من المنتظر أن تصنع من جورج بوش عملاقا في تاريخ أمريكا من الممكن أن تدفع دونالد رامسفالد إلى مزبلة التاريخ.

لكن آثار هذا المنعرج الأساسي في السياسة الأمريكية ستظهر على الساحة الدولية قبل الساحة الأمريكية. ولن تجد هذه التغييرات تطبيقا إلا بصعوبة كبرى، مع احتمال فترة انتقالية ستتميز بالجمود وتدهور الوضع مثلما هو متوقع بالنسبة للعراق وفلسطين.

ومن أغرب النتائج التي أدت إليها الانتخابات الأمريكية ذلك الوعي الذي عاد فجأة إلى ضمير الوزير الأول البريطاني طوني بلار. وقد اكتشف الرجل فجأة حجم المأساة الفلسطينية التي قال عنها أول أمس أنها تشكل "قلب مشاكل" الشرق الأوسط. وأضاف حليف جورج بوش قائلا عن حل مشاكل الرق الأوسط: "يجب أن نبدأ من إسرائيل والعراق. إنه قلب المشكل. بعدها، يجب أن نحقق تقدما في لبنان". أما العراق، فإنه اكتفى بعبارة أراد لها أن تكون ذات معاني كبيرة، حيث قال: يجب أن تتغير الإستراتيجية في العراق لأن الوضع تغير، لأن الإرهاب أدى إلى تغيير طبيعة الحرب في العراق. ومن هنا، يرى الوزير الأول البريطاني أن "الجواب الأساسي للوضع في العراق يوجد خارج حدود هذا البلد، يوجد في المنطقة بصفة شاملة، حيث توجد جذور الإرهاب وحيث ينتشر التطرف".

ولا يهم أن يتمسك طوني بلار باستعمال مصطلحات تقليدية، كأن يعتبر المقاومة إرهابا والدفاع عن الوطن إرهابا. ولا يهم أن أن يحاول توجيه الأنظار إلى إيران وسوريا، ويحملهما مسئولية تدهور الوضع في العراق. ولا يهم أن يعتبر بلار أن أمريكا لها الحق أن تأتي لتغزو العراق وتفرض حكما بدباباتها، وأنه ليس من حق لسوريا أن تتابع الوضع في بلد مجاور وقع تحت الاحتلال. ولا يهم حتى أن يكون طوني بلار اتخذ هذه المواقف لا لصالح فلسطين أو العراق بل لأنه يعمل ليخرج من السلطة نظيفا، أو أنه يحضر الميدان لتغيير السياسة الأمريكية وفقا للتوجيهات التي ستقدمها اللجنة الأمريكية التي يترأسها وزير الخارجية السابق جيمس بيكر.

كل هذا يبقى ثانويا مقارنة بحجم التغييرات التي من الممكن أن تحدث في آجال قريبة، منها رحيل طوني بلار وجورج بوش من السلطة، وتغيير ميزان القوى بظهور إيران كقوة نووية في الشرق الأوسط، ومصير العراق المجهول، إلى جانب القنابل الملغومة التي تتمثل في فلسطين ولبنان.

إضافة إلى ذلك، فإن التغييرات التي تلوح في الأفق لن تعرف تطبيقا في آجال قصيرة، لأن الرئيس الأمريكي جورج بوش يبقى المحرك الأساسي للسياسة الخارجية لبلاده، بينما لا تملك المعارضة الديمقراطية سلطة كبيرة في الميدان. ومما يزيد الطين بلة، هو أن الديمقراطيين لم يسطروا موقفا واضحا تجاه العراق، كما أنهم حلفاء تقليديون لإسرائيل، لا يمكن أن ننتظر منهم موقفا متعاطفا مع القضية الفلسطينية.

ويتضاعف الخطر في لعراق وفلسطين إذا عرفنا أن السياسية الأمريكية تعرف سنتين من الجمود وذلك راجع لتراكم سببين أساسيين. أولهما أن نهاية العهدة الثانية لكل ريس أمريكي تتميز بالركود التام، لأن كل الأطراف ستركز كل جهدها على التحضير للاستيلاء على السلطة خلال العشرية القادمة، ولا تبالي الوضع الراهن. وثانيهما أن توزيع السلطة في النظام الأمريكي لا يسمح بالتحرك لما يحتل أحد الأحزاب الرئاسة بينما يكون الكونغرس تحت سيطرة الحزب الآخر.

كل هذا يدفع إلى استبعاد وجود حلول للأزمات الحادة. بل من الأرجح أن هذه الأزمات ستعرف تعفنا واضحا، أي أن الوضع في العراق وفلسطين سيزداد تدهورا، إلا إذا أدى ذلك إلى نتاج تؤثر بطريقة مباشرة على الحياة اليومية للأمريكيين، مثل وقوع عمليات انتحارية على طريقة 11 سبتمبر. ومن الواضح أن التغيير في الميدان سيفرض معطيات جديدة لما تتضح الأمور بعد سنتين، عندما يظهر قادة جدد في أكبر البلدان الغربية مثل أمريكا وبريطانيا وحتى فرنسا.

ولعل هذه النقطة تبين أكبر مآسينا. فلا نحن قادرون على فرض رأينا اليوم لصالح فلسطين والعراق، ولا نحن قادرون على تحضير الجو لندخل الميدان بشرف لما يأتي وقت التفاوض مع القادة الغربيين الذين يبروزن بعد سنتين. وبعد أن ضاع منا الماضي، فلسنا قادرين على السيطرة على الحاضر ولا نحن قادرون على تحضير المستقبل.

ع.ش

 

 

Publicités
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s