فن الكلام

عابد شارف

 

قال الوزير شكيب خليل أنه لم يتحصل بعد على التقرير الذي قامت بإنجازه المفتشية العامة للضرائب حول الصفقات التي تحصلت عليها شركة "بي أر سي" BRC بطريقة مخالفة للقانون. وأضاف شكيب خليل أن وزارته ليست معنية بالصفقات لأن شركة سوناطراك هي التي تكون قد وقعت الصفقات، والكل يعرف أن شركة سوناطراك تتميز باستقلالية تامة عن الوزارة… ونفهم ضمنيا من كلام الوزير أن الذي يحاول أن يبحث في هذا الملف سيجد نفسه مضطرا للبحث في الصفقات التي أبرمتها شركة "بي أر سي" مع وزارة الدفاع الوطني، لأن سوناطراك ووزارة الدفاع كانت أهم زبائن "بي أر سي" التي عاشت أساسا بفضل الصفقات التي علت عليها مع هاتين المؤسستين. وقد قيل الكثير عن هذه الصفقات التي تكون مبالغها تتراوح بين 15 إلى 20 مليار دينار.

واعتبر شكيب خليل أن الكلام عن هذه القضية يشكل نوعا من الاضطهاد ضده. وكيف لا ونحن نعرف حسب ما قال الوزير أنه لم يقم أحد بتوجيه التهمة للوزراء الآخرين رغم الفضائح التي عاشتها قطاعاتهم. وكاد الوزير أن يقول: "حقروني"، ويطلب من المواطنين أن يساعدوه على مواجهة المؤامرة التي تحاك ضده.

ودافع الوزير عن القانون الجديد للمحروقات، وأكد أنه يخدم مصالح الجزائر ويدافع عن اقتصادها ويضمن مستقبل أبنائها ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة، وهو الكلام الذي نسمعه يوميا على لسان كل منخرط في الأفلان والأرندي. وكان الوزير قد قال نفس الكلام عن القانون السابق الذي تم إلغاؤه قبل تطبيقه…

ولا مجال للحديث هنا عن محتوى التقرير حول شركة "بي أر سي"، ولا حول مصداقيته، واحتمال ورود اسم الوزير يوما إذا انتهت القضية أما العدالة. فمصير شكيب خليل لي مرتبطا باحترام القانون، إنما مصيره مرتبط بميزان القوى السياسية. وإذا وجد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه مضطرا أن يضحي يه، فإنه سيتخلى عنه سواء كان متورطا في القضية أم لا. وإذا فرضت التوازنات بقاء في الحكومة، فإنه يبقى في المنصب حتى ولو قام بتحويل سوناطراك بأكملها.

أما حديثنا في هذا المقام، فإنه يتعلق بغياب المصداقية في كلام المسئول من جهة، وعدم مبالاة هذا المسئول بمصداقيته، وكأنه يتكلم لمجرد الكلام فقط، سواء صدقه المواطن أم لا. وبالفعل، فإنه يصعب مثلا أن نجد مواطنا يصدق شكيب خليل لما يقول أنه ليس بدراية بالتقرير الذي أنجزته المفتشية العامة للمالية، وهي هيئة تعمل تحت رقابة الصديق مراد مدلسي. كما يعجز العقل عن سماع الوزير وهو يدافع عن قانون المحروقات الجديد ويعدد مزاياه، رغم أن كل المختصين يعرفون أن القانون الجديد جاء من أطراف في السلطة تعارض صراحة القانون السابق الذي فرض عبد العزيز بوتفليقة بسبب إلحاح شكيب خليل.

وإذا كان لا بد أن نجد عذرا لشكيب خليل في هذه القضية، ونقدم حجة لصالحه، فيمكن أن نقول أنه ليس الوحيد الذي ضاعت منه مصداقية. عكس ذلك، فإن ما يسمى بأهل السياسية في الجزائر، وخاصة منهم أولائك المجودون مرحليا في السلطة، يظهرون وكأنهم دخلوا في حرب شاملة ضد المصداقية، إلى درجة أن كلام البعض منهم تحول إلى ثرثرة لا بداية لها ولا نهاية، ولا فائدة من سماعها، بل أنها ضجيج لا يطاق.

ومن أبرز هؤلاء السيد أوبجرة سلطاني الذي قال في عين تموشنت أن الفساد انتشر في البلاد، وأنه يرى أن لا بد على بعض الوزراء أن يستريحوا لأنهم أخفقوا في مهمتهم. وقد دخل الرجل الحكومة منذ مدة طويلة، وحزبه عضو في الائتلاف، وقد وافق على كل القوانين لحكومات الأرندي والأفالان على السواء، وشارك في كل الكوارث، كما ساهم في مبايعة عبد العزيز بوتفليقة.

واليوم، فإن أباجرة يتكلم كأنك أنت، أخي القارئ، كنت مسئولا عن انتشار الفساد، وكأنك أنت الذي كنت وزيرا يوم استولى خليفة على جزء من خزينة الدولة، أو كنت واليا لما استولى آخرون على العقار، أو أن أخاك كان عضوا في الحكومة لما تمت المصادقة على الصفقات مع شركة "بي أر سي"…

وكلام هؤلاء المسئولين ليس ديماغوجية، لأن الديماغوجية تتطلب حدا أدنى من المنطق ومن الجمال في العبارات والكلمات، ولا هو تهريج لأن التهريج يسلي السامع أو المشاهد، في حين أن كلام هؤلاء يقلقنا. ولي كلامهم حتى "خرطي"، لأن صاحب "الخرطي" يستعمل سلاحه في المقهى لا في تسيير شؤون الدولة.

وسألنا أحد فقهاء الكلام كيف يمكن أن نصف هذا النوع من الكلام، فقال أن مصطلح "العبث" هو الأقرب للواقع، لأن صاحب هذا الكلام يقوم بعمل هدام، يبرره بحجة خاطئة، وهو يعرف أن حجته ليست مقنعة لكنه يستعملها لأنه يحتقر من يسمعه. وسألناه كيف يمكن أن نسمي العبث في تسيير شئون مجتمع، فتردد لحظة وقال: الخيانة.

ع.ش

Publicités
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s