تحويل الانتصار إلى هزيمة

عابد شارف

 

في الوقت الذي كان الشارع العربي يحتفل بانتصار حزب الله، أو بعدم انهياره أمام الجيش الإسرائيلي، كانت إسرائيل تحضر لما بعد الحرب على لبنان. وبينما استخلصت إسرائيل دروس مغامرتها، عادت الأطراف العربية، خاصة تلك الموجودة في الصف الأول للمواجهة، إلى سلوكه التقليدي، لتمدح نفسها وتمجد بطولاتها وتقول شعرا عن شجاعتها، دون أن تدرس الوضع الجديد الذي نتج عن حرب لبنان. وبقيت تلك الأطراف تعيش جو الانتصار ونشوة البطولات، قبل أن تعود إلى المعارك الثانوية، لتضيع بذلك التضحيات التي قدمها لبنان خلال الصيف الماضي.

أما إسرائيل، فإن المغامرة اللبنانية دفعته إلى إعادة نظر شاملة في إستراتيجيته السياسية والعسكرية. ورغم بعض الظواهر التي أفرزها الفشل، مثل انتقادات الجيش والمسئولين العسكريين، خاصة في الأيام الأولى لما بعد الحرب، والتي تحكمت فيها إسرائيل في مرحلة قصيرة، فإن ما يلفت الانتباه هو النقاش الذي دار في الأوساط العسكرية ومراكز القرار حول أسباب فشل العملية اللبنانية. ورغم أن الصحافة لم تتابع إلا جزء صغيرا جدا من هذا النقاش، فإن ما تم نشره أكد عمق النقاش وتوسيعه إلى الخبراء والعسكريين ومسئولي المخابرات ورجال السياسة، حيث ساهموا في المباحثات التي سمحت لإسرائيل أن تضع الخطوط العريضة لسياستها الجديدة.

ويشير تصرف إسرائيل في الأسابيع الماضية إلى أن سياسيتها الجديدة مبنية على فكرتين أساسيتين: تجنب أية مواجهة تعطي دورا ما للعامل الإنساني، ودفع الخصوم للحرب مع إخوانهم حتى لا يصلوا للحرب ضد إسرائيل. وقد عادت إسرائيل فعلا إلى عملياتها التقليدية التي يتم فيها استعمال الآليات العسكرية والطيران والتكنولوجيا الحديثة مثل المتابعة بالأقمار الصناعية والهاتف النقال وغيرها، بينما يبقى الجنود الإسرائيليون بعيدا عن ساحة العمليات. وإذا أدى ذلك إلى قتل أبرياء من نساء وأطفال، فإن إسرائيل تعتبر ذلك أفضل من العمليات التي من الممكن أن يروح ضحيتها أعضاء من جيشها.

في نفس الوقت، اختارت إسرائيل أن تظهر قوتها بالإعلان الرسمي أنها تملك أسلحة نووية، مما يجعلها في عالم، بينما يبقى العرب في عالم آخر. ويضع هذا التصريح حدا لكل فكرة في المواجهة شاملة مع إسرائيل، لأنها قادرة على تحطيم أي دولة عربية. كما أن إسرائيل تؤكد أنها ربما عجزت عن القضاء النهائي على المقاومة في لبنان وفلسطين، لكنها قادرة على تحطيم بلدان بأكملها بسلاحها النووي.

لكن السلاح الإسرائيلي الفتاك هو ذلك الذي استعملته لتمزيق صفوف الخصم، ودفعه إلى الحرب الأهلية، سواء في لبنان أو في فلسطين. ولعل إسرائيل قد حفظت الدرس الأمريكي في العراق، حيث تمكنت أمريكا من تحضير المناخ السياسي لشن حرب أهلية ستقضي على ما تبقى من هذا البلد، وتحقق ما عجز الجيش الأمريكي عن تحقيقه.

وفعلا، فإن لبنان على وشك الانفجار. وجاءت هذه الأزمة الجديدة مباشرة بعد صمود حزب الله أمام الجيش الإسرائيلي. وسواء تأزم الوضع في لبنان بسبب ولاء أطراف عديدة لأمريكا وحتى لإسرائيل، أو بسبب طموحات حزب الله التي تكون قد تجاوزت ما تسمح التوازنات اللبنانية، أو بسبب الضغط الغربي الأمريكي المستمر على هذا البلد، فإن النتيجة لا تتغير، خاصة إذا انزلق الوضع نحو المواجهة. وإذا حدث ذلك، فإن إسرائيل ستحقق ما فشلت في تحقيقه أثناء حرب كلفتها الكثير.

وفي فلسطين، فإن الوضع أخطر من لبنان، لأن المؤسسات الفلسطينية انهارت، والمجتمع الفلسطيني تمزق، وبدأت القيم الوطنية تتراجع لأسباب متعددة. واستطاعت إسرائيل أن تستغل هذا الوضع لتدفع التيارات الفلسطينية الكبرى إلى التناحر، وتقضي على الأوراق القليلة التي يملكها الفلسطينيون، مثل الوحدة الوطنية، والصورة الديمقراطية التي ظهروا بها خلال الانتخابات الأخيرة.

فلا لبنان ولا فلسطين تمكن من استخلاص الدرس من حرب الصيف الماضي، التي أكدت أن حزب الله كان قويا لا بسلاحه ولا بعدده ولا بكثرة بلاغاته، بل ظهر قويا بوحدته وانضباطه وقوة بتنظيمه وتواضعه وتحديده أهدافا معقولة تتناسب مع حجمه الشعبي والسياسي. لكن يبدو أن تلك الخصال قد نسيت، مما أدى إلى الأزمة اللبنانية رغم شرعية مطالب حزب الله. وفي فلسطين، فإن الوضع تدهور إلى درجة أن الوزير الأول الإسرائيلي عبر عن تعاطفه مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد أن قضى الجيش الإسرائيلي على كل المؤسسات الفلسطينية. سيعطي هذا التصريح قوة لموقع حماس الذي يقول للفلسطينيين أن حركة فتح أصبحت موالية لأمريكا وإسرائيل، وهو الأمر الذي يزيد الأزمة الفلسطينية عمقا… وإذا تواصلت الأزمة، فإننا لا نستبعد أن يتحول الجيش الإسرائيلي إلى قوة فصل بين الطوائف الفلسطينية…

هذا كله لأن إسرائيل تستخلص العبرة بجدية من تجاربها الفاشلة. أما نحن فإننا نحول هزائمنا إلى انتصارات كلامية، ونقتل انتصاراتنا لأننا عاجزون على استخلاص الدروس من تاريخنا، سواء في الجزائر أو في لبنان أو في العراق. وصدق من قال أن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعل العدو في عدوه.

ع.ش

Publicités
Article suivant
Poster un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s